تسبب قرار اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمس الأحد 8 سبتمبر/أيلول، يقضي بإلغاء اجتماع سري كان مزمعاً عقده مع القادة الأفغان وحركة طالبان للوصول إلى اتفاق سلام، في حالةٍ من التخبط حول خطط سحب القوات الأمريكية من أفغانستان، عملاً بتعهُّد الرئيس ترامب بإنهاء الحرب هناك.
وكشفت الآراء المتضاربة عن سبب إلغاء الاجتماع، وأي مفاوضات أخرى، مؤقتاً على الأقل، بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، عن توترات داخلية في الإدارة اشتعلت مع اقتراب التوصل إلى اتفاق في الأسابيع الأخيرة، بحسب تقرير لصحيفة Washington Post الأمريكية.
وزادت هذه التوترات من حدة الخلاف بين وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، الذي قال كبير مفاوضيه، زلماي خليل زاد، قبل أسبوع، إنه تم التوصل إلى هذا الاتفاق "مبدئياً" بعد 10 أشهر من المحادثات مع طالبان، ومستشار الأمن القومي لترامب جون بولتون، الذي عارض هذه المحادثات.
مخاوف من تأجيل الانسحاب
وقال بومبيو: "آمل ألا يحدث"، رداً على أسئلة حول ما إذا كان الانسحاب المبدئي لما لا يقل عن 5000 جندي -أكثر من ثلث إجمالي القوات الموجودة حالياً في أفغانستان- المزمع في بداية العام القادم سيتأجل، وما إذا كان الانسحاب الكامل بعد ذلك المزمع أن يتم بحلول نهاية عام 2020، أم لا. وفي المقابل، تعهدت طالبان بقطع علاقاتها مع تنظيم القاعدة ودعم جهود مكافحة الإرهاب.
لكن بومبيو استدرك قائلاً إن "أي خفض في قواتنا سوف يعتمد على الظروف الفعلية" على الأرض. وجاء حديثه في مقابلة مع برنامج "Meet The Press" الذي تعرضه قناة NBC، وهي واحدة من المقابلات التلفزيونية الخمس التي أجراها يوم الأحد بعد إعلان ترامب المفاجئ، الذي نشره في وقت متأخر يوم السبت 7 سبتمبر/أيلول على تويتر، حول الاجتماع المُزمع يوم الأحد في كامب ديفيد.
وقال بومبيو في برنامج "Fox News Sunday"، إن وزارة الدفاع "تتمتع بالسلطة الكاملة لفعل ما يتعين عليها فعله" لحماية القوات الأمريكية ومنع أي هجوم آخر مثل الهجوم الذي وقع في 11 سبتمبر/أيلول عام 2001، الذي تحل ذكراه الـ18 يوم الأربعاء. ورداً على سؤال حول ما إذا كانت القوات الأمريكية ستظل في أفغانستان عند مستواها الحالي البالغ أكثر من 14 ألف جندي، قال بومبيو في برنامج "Face the Nation" الذي تبثه شبكة CBS إنه "لا يمكنني الإجابة على هذا السؤال. فهو قرار الرئيس في النهاية".
لكنَّ آخرين قالوا إنه من المرجح أن يمضي ترامب قدماً في الانسحاب الأولي المنتظر، بغض النظر عن الانهيار الواضح للمفاوضات. وارتأى مسؤول مطلع على مداولات البيت الأبيض أن إلغاء ترامب للاجتماع -الذي قال الرئيس إنه جاء رداً على مقتل جندي أمريكي يوم الخميس 5 سبتمبر/أيلول في هجوم لطالبان، وهو أحد الجنود الـ16 الذي قُتلوا منذ بداية هذا العام- كان جزءاً من انتصار أكبر لبولتون.
ترامب يبحث عن مجد شخصي
ووفقاً لمسؤول كبير في الإدارة، تحدَّث شريطة عدم الكشف عن هويته، مثل الآخرين الذين ناقشوا هذه القضية الحساسة، كان ترامب هو الشخص الرئيسي الذي سعى لعقد اجتماع كامب ديفيد. وقال هذا المسؤول، مشبهاً هذه المبادرة بلقاء ترامب الشخصي مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، ورغبته المعلنة في مقابلة الرئيس الإيراني حسن روحاني، إن ترامب يعتقد أن أسلوبه الشخصي يمكن أن يقنع أي شخص، ويرى أن إمكانية انسحاب جزء كبير من القوات الأمريكية من أفغانستان إضافة كبيرة لحملة إعادة انتخابه.
وبينما شكك الكثيرون في الإدارة في محادثات طالبان، كان بومبيو وبولتون على خلاف حول هذه القضية وغيرها من القضايا. واتهم بولتون، المعروف بأنه أحد صقور الإدارة، بومبيو بأنه كان يحاول "إبعاده" عن دائرة صنع القرار بشأن أفغانستان.
وكان بولتون قد أبدى تحفظاته بشأن الاتفاق في الوقت الذي أطلع فيه خليل زاد الرئيس ترامب على شروطه في أواخر أغسطس/آب، وفقاً للمسؤول المطلع على مداولات البيت الأبيض.
وفي حين قال مسؤولو وزارة الخارجية إن ترامب أشار خلال الاجتماع إلى أنه كان راضياً مبدئياً عن الصفقة، وأعطى الإذن لخليل زاد بالمضي قدماً، قال هذا المسؤول إن الرئيس لم يوافق على أي اتفاق نهائي، وإن بولتون واصل الدعوة إلى سلك طريق آخر. وحسبما أشار المسؤول، كان بولتون على اتصال مباشر مع خليل زاد، وكبير موظفي البيت الأبيض، والرئيس نفسه، وهذا في غير وجود بومبيو.
لم يعارض بولتون تقليص حجم القوات الأمريكية إلى 8,600 فرد -وهو العدد الذي كان في أفغانستان عندما وصل ترامب إلى السلطة- لكنه يرفض إبرام أي صفقات مع طالبان. ويرى في ذلك أن الرئيس يستطيع الوفاء بوعود حملته في سحب القوات دون أي صفقات، وأن بإمكانه أن يقرر ببساطة تنفيذ عملية التقليص.
هل بالفعل هناك خلاف بين ترامب وبومبيو؟
ورفض مسؤول آخر يعرف نهج وزارة الخارجية التعليق على ذلك، لكنه لاحظ حرص بومبيو على عدم ظهور أي خلاف بينه وبين الرئيس. وأشار هذا المسؤول إلى أن بومبيو كان يُفترص أن يُمثل الإدارة في جميع البرامج الحوارية الصباحية الرئيسية الخمسة. ويُعرف هذا الإنجاز باسم "غينسبورغ الكامل"، إشارة إلى ويليام غينسبورغ، المحامي الذي مثّل مونيكا لوينسكي خلال فضائح بيل كلينتون الجنسية، والذي كان أول مَن يقوم بهذا العمل.
كان هناك اختلاف بسيط على وجود احتمال بأن تؤدي فعاليات نهاية الأسبوع إلى زيادة العنف في أفغانستان. وأنكر بومبيو التقارير المستفيضة عن أن طالبان حققت انتصارات في ساحة المعركة في الأشهر الأخيرة. وقال: "إذا كنت مكان طالبان، فالأحوال تزداد سوءاً. وهي على وشك أن تسوء أكثر".
قال بومبيو متحدثاً في برنامج State of the Union على شبكة CNN: "يجب أن تعرفوا أنه في الأيام العشرة الأخيرة، قتلنا ما يزيد عن 1000 فرد ينتمون إلى طالبان". وأضاف: "وفي حين أن هذه ليست حرب استنزاف، أريد من المواطنين الأمريكيين أن يعرفوا أن الرئيس ترامب يتحرك تجاه طالبان سعياً منه للتأكد من حماية مصالح أمريكا".
وقال ذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم حركة طالبان، إن القرار بإنهاء عملية السلام بين الحركة وبين الولايات المتحدة حالياً "سيؤدي إلى قدر أكبر من الخسارة في صفوف الولايات المتحدة". وأضاف: "سوف تتأثر مصداقيتها، وموقفها المُعادي للسلام سينكشف أمام العالم، وستزداد خسائرها في الأرواح والموارد".
السبب في إلغاء الزيارة
وفي تغريدات نشرها ترامب مساء السبت، قال إنه ألغى زيارة الرئيس الأفغانستاني أشرف غني و "كبار قادة طالبان"، بعد موت إليس أنجيل باريتو أورتيز، الرقيب في الجيش والبالغ من العمر 34 سنة، في هجوم شنته طالبان يوم الخميس الماضي. وتابع: "إن لم يكن في مقدورهم الموافقة على وقف إطلاق النار خلال هذه المحادثات المهمة للسلام، فربما لا يملكون القوة الكافية للمفاوضة على أي اتفاقيات مجدية".
وتساءل: "ما نوعية الأشخاص الذين يقتلون هذا العدد الكبير كي يعززوا ظاهرياً من موقفهم في المفاوضات؟".
وقال مسؤولون أمريكيون إن قرار إلغاء اجتماع كامب ديفيد، الذي كان في مراحل التخطيط منذ أكثر من أسبوع، اُتخِذ يوم الخميس 5 سبتمبر/أيلول. وقال المسؤول البارز في الإدارة الأمريكية إن ترامب قرر التغريد عبر تويتر حول وجود القرار وإلغائه مساء السبت 7 سبتمبر/أيلول "للسيطرة على ردود الأفعال".
وفي الوقت الذي كثُر فيه الجدل حول وضع محادثات طالبان في واشنطن وكابول أمس الأحد 8 سبتمبر/أيلول، لم يذكر الرئيس، الذي قضى يومه في لعب الغولف، الأمر في تغريداته على تويتر التي تتحدث عن رحلات المستشار الرئاسي إيفانكا ترامب في أمريكا الجنوبية وحشده السياسي المخطط له في ولاية نورث كارولينا اليوم الإثنين 9 سبتمبر/أيلول.
ويبدو أن الرئيس الأفغاني لم يعلم بقرار الإلغاء حتى يوم الجمعة 6 سبتمبر/أيلول. فقد ذكر مكتبه في صباح ذلك اليوم، دون ذكر تفاصيل، أن "غني" يعتزم السفر إلى واشنطن خلال عطلة نهاية الأسبوع لإجراء مشاورات. وفي وقت لاحق من اليوم، قال مسؤولون إن سفره قد "تأجل".
ولم يتضح أيضاً متى أُبلغ خليل زاد، الذي غادر كابول لإجراء مشاورات نهائية مع طالبان في العاصمة القطرية الدوحة يوم الخميس 5 سبتمبر/أيلول، أو ما إذا كان قد طُلب من طالبان فعلياً الحضور إلى واشنطن أو الموافقة على ذلك.
وقال مجاهد في بيانه، أمس الأحد 8 سبتمبر/أيلول: "إن فريق التفاوض الأمريكي كان راضياً حتى يوم أمس عن التقدم المحرز حتى الآن وأنهينا المحادثات في أجواء إيجابية. وكان الجانبان مستعدين لإعلان الاتفاق وتوقيعه".
"طالبان" تقاتل قبل الدخول في مفاوضات
وأضاف البيان: كان من المقرر عقد "اجتماع وحوار بين الأطراف الأفغانية (في 23 سبتمبر/أيلول) بعد الإعلان عن توقيع الاتفاق". فقد طلب غني عقد محادثات مباشرة بين طالبان والحكومة الأفغانية، وكان ذلك جزءاً من الاتفاق الذي تفاوض عليه خليل زاد. وكان من المقرر أن تتضمن هذه المحادثات مناقشة وقف إطلاق النار في الحرب.
وقال المسؤولون المشاركون في المفاوضات منذ مدة طويلة إن طالبان كانت تتبنى موقفاً خلال المحادثات وهو مواصلة القتال حتى يتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وإنهم كانوا يتوقعون أن يزداد العنف في الوقت الذي يسبق الاتفاق.
ودافع بومبيو خلال لقاءاته، أمس الأحد 8 سبتمبر/أيلول، عن القرار المبدئي لترامب للقاء طالبان في كامب ديفيد، قائلاً إن الرئيس على استعداد للمخاطرة السياسية للتوصل إلى اتفاق بشأن خفض أعداد القوات الأمريكية في أفغانستان.
وقال بومبيو في برنامج "This Week" المذاع على قناة ABC News الأمريكية: "إذا كنت ستتفاوض من أجل السلام، فغالباً ما يتعين عليك التعامل مع بعض الأطراف السيئة".
لكنَّ آخرين انتقدوا المفاوضات بشدة، بما في ذلك مجموعة من سفراء أمريكا السابقين في أفغانستان، إذ قالوا إن ذلك ربما يزيد الأمور سوءاً. وسارع بعض الجمهوريين برفض فكرة كامب ديفيد.
وقالت النائبة ليز تشيني، الثالثة بين الجمهوريين في مجلس النواب الأمريكي (عن ولاية وايومنغ) في تغريدة على موقع تويتر، عقب ظهور بومبيو في البرنامج التلفزيوني: "كامب ديفيد هو المكان الذي اجتمع فيه قادة أمريكا للتخطيط للرد بعد أن قتل تنظيم القاعدة، بدعم من طالبان، 3000 أمريكي في أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. ولا ينبغي لأي فرد من طالبان أن يطأ بقدمه هناك.. أبداً".