تابعتَ الروايات المتضاربة للإعلام المصري في تفجير معهد الأورام؟ تعليمات الواتساب تكشف لك الأسباب

عربي بوست
تم النشر: 2019/08/08 الساعة 13:50 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2019/08/08 الساعة 15:43 بتوقيت غرينتش
أم تحتضن طفلها بعد تفجير معهد الأورام/مواقع التواصل الاجتماعي

 "تصادم سيارتين أدى إلى مقتل وإصابة العشرات، لا إنه حادث إرهابي"، هكذا تعامل الإعلام المصري مع  تفجير معهد الأورام الذي وقع في قلب القاهرة الأحد 4 أغسطس/آب وأدى لمقتل 22 شهيدًا وإصابة 47 آخرين.

التأخر في الإعلان عن تفاصيل الحادث والتضارب الغريب الذي جعل السلطات تقول في البداية إن الحادث نتيجة تصادم سيارتين أثار سخرية رواد مواقع التواصل الاجتماعي وانتقادات إعلاميين مصريين.

قرية مصرية تشيّع 17 شخصاً من عائلة واحدة قُتلوا في انفجار معهد الأورام
معهد الأورام المصري عقب الانفجار/رويترز

فما الذي هذا سبب هذا التضارب رغم أنه في مثل هذه الأحداث تصدر الجهات الحكومية المعنية عادة بيانات سريعة تكون أساساً للأخبار التي تنشرها وسائل الإعلام.

ولماذا هذا التضارب رغم أن الإعلام أصبح خاضعا للسيطرة والرقابة الحكومية الأمر الذي من شأنه أن يوحد مصادر المعلومات، ويجعل اللغة السائدة متناغمة.

في هذا التقرير تكشف عربي بوست كواليس تعامل الإعلام مع تفجير معهد الأورام والتغطية المرتبكة للحادث الإرهابي، وأسباب نشر الرواية الزائفة في البداية قبل إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنه عمل إرهابي.

لم يحدث تأخير ويجب معاقبة المنتقدين 

هذا الأداء الإعلامي السئ دفع ثلاثة من أعضاء مجلس نقابة الصحفيين المصرية لنشر تدوينات انتقدوا فيها هذا الأداء وهم هشام يونس ومحمد سعد عبدالحفيظ وعمرو بدر، ساخرين من تغطية الإعلام المصري لتفجير معهد الأورام، ووصفه بأنه تصادم سيارتين!.

وكتب عمرو بدر عضو مجلس نقابة الصحفيين على صفحته الشخصية على فيس بوك بتاريخ 5/ أغسطس /2019 "نص ساعة ومفيش معلومة واحدة دقيقة.. ومفيش مصدر رسمي واحد قال معلومات عن انفجار القصر العيني باستثناء كلام رئيس معهد الأورام عن إن الانفجار ناتج عن تصادم سيارتين.

وفي رد سريع علق الإعلامي محمد الباز المقرب من السلطة على تدويناتهم وطالب بالتحقيق معهم وتقديم استقالاتهم من مجلس النقابة بحسب صحيفة "الدستور."

وبرر الباز  موقف الإعلام المصري في تغطية الحادث قائلا إنه "لم يحدث تأخير ولا تضارب في البيانات، فمن الطبيعي أن تدقق الأجهزة الأمنية في الحادث قبل إصدار أي بيانات ".  

"في انتظار التعليمات" .. كلمة السر في أسباب التأخر 

تقصي كواليس ما دار في الإعلام المصري ليلة الحادث يصل إلى نتيجة واحد تتلخص في كلمتين وهما "في انتظار التعليمات ".

فقد قال مصدر مسؤول بالتليفزيون المصري الرسمي لـ"عربي بوست"، إن "الحادث وقع في الساعة الحادية عشر و45 دقيقة، وللأسف كان أول خبر تم بثه في الساعة الثانية عشر والنصف، وخلال هذه المدة كنا ننتظر التعليمات، هذا ببساطة هو السبب في التأخير".

وأضاف المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه أنه "ليلة الحادث جاءتنا فيديوهات مصورة عن الحادث من هاتف محمول لأحد الزملاء يعمل في قناة خاصة ولكن الرقيب رفض نشرها والذي تأخر هو أيضا في إصدارالتعليمات ، بل إنه منع نزول كاميرات التليفزيون من النزول لتصوير ما حدث ". 

أين يتواجد الرقيب الأمني في وسائل الإعلام المصري؟

"هذا الرقيب الأمني أصبح هو المتحكم في كل شيء داخل أي جهاز إعلامي خاصة "التليفزيون المصري"، حسب المصدر.

وقال "إن الرقيب له مكتب خاص في أحد أدوار مبنى التليفزيون وهو برتبة لواء لكن لا نعرف اسمه الحقيقي ويدير المبنى بإصدار أوامره لقيادات التحريرعبر تطبيق "واتس آب"، وهو ليس مجرد رقيب على  المحتوى إنما أصبح يتحكم في موارده الاقتصادية من جميع النواحي".

وعلمت "عربي بوست" بأن الرقيب موجود فقط في التليفزيون المصري، وصحيفة "الأهرام"، وهو ليس معروفا سوى للقيادة التحريرية العليا الذي يتعامل معها عبر تطبيق "واتس آب".

وأصبحت أحاديث الواتس آب تدير الإعلام المصري

وأضاف المصدر أن "الرقيب كان منذ عامين يناقش معنا يوميا على "واتس آب" ما هو مسموح به وما هو ممنوع تناوله من قضايا، وكانت لغته معنا يسودها الاحترام المتبادل، مثل "نرجو الاكتفاء بنشر كذا، أو يرجى عدم نشر موضوعات عن تركي آل الشيخ مثلا ".

ولكنه اليوم أصبح يرسل الأخبار بعناوينها ومحتواها، حتى إنه أرسل لنا مثلا خبر استقالة رئيس اتحاد الكرة ليلا دون الرجوع لمصدر الخبر نفسه ".

"الآن ، الرقيب الأمني تعرض عليه بروفات الصفحات قبل الطبع ويمنع ويسمح ويوقف الطباعة ، ووفق ما قاله المصدر".

كما أن هناك رقيب يحدد الأجندة التحريرية يوميا ويرسل على جروب واتس آب محدداتها ، بالإضافة إلى رؤساء التحرير في أي صحيفة أو قناة الذين أصبحوا ضباطا لدى هذا الرقيب خاصة أنه أصبح المالك الفعلي لكل وسائل الإعلام المصرية ".، حسب وصف المصدر. 

سر تعامل الإعلام المصري مع  تفجير معهد الأورام بهذه الطريقة

"على غير العادة تأخر الرقيب في إصدار التعليمات حول ما ينشر عن تفجيرمعهد الأورام وهذا يدعو للاندهاش في حد ذاته "، بحسب ماقال مصدرخاص في نقابة الصحفيين المصرية لـ"عربي بوست".

لم يستطع الإعلام المصري التعامل مع الأزمة في غياب رسائل الواتس آب من الجهات المعنية.

وأرجع المصدر أسباب تأخر الرقيب الأمني في إملاء تعليمات البث إلى "التضارب والارتباك لدى الأجهزة الأمنية نفسها في التعامل مع تفجير معهد الأورام ".

وأكد المصدر أنه "نظرا لحساسيته وتأخر المعلومات من الرقيب نفسه ظل كل رؤساء التحرير، وحتى القنوات الفضائية الخاصة في انتظار تعليمات الرقيب لأن الجميع الآن أصبح خائفا من النشر لأنه لو نشرما يراه دون الرجوع لهذا الرقيب فإما سيسجن أو ستغلق صحيفته أو تغلق القناة.

صورة لانفجار المعهد القومي للأورام في مصر/ مواقع الاتصال
صورة لانفجار المعهد القومي للأورام في مصر/ مواقع الاتصال

وأضاف قائلاً "لذا انتظر الجميع حتى جاءت تغريدة الرئيس عبدالفتاح السيسي بأن ما حدث عمل إرهابي، ثم تبعته وزارة الداخلية بإصدار بيانها المعروف ". 

وفي الحادث الأخير، نشر الإعلام ما جاءه من الجهات المعنية، فلم يعد مجال للاجتهاد أو العمل بشكل مستقل وتقصيها بشكل مهني من مصادر متعددة، كما تفعل وسائل الإعلام في كل العالم.

"اللهو الخفي" يمنع مقالات داعمين للنظام

ولفت المصدر إلى أنه بشكل عام أصبح هناك منع بشكل مستمر ووقف للطباعة في كثير من الأحيان، وهناك مقالات منعت لكتاب داعمين للنظام مثل عبدالله السناوي ونحن أطلقنا على هذا الرقيب لقب "اللهو الخفي " لأنه أصبح من يتحكم في الإعلام ضباط في جهاز الأمن الوطني والمخابرات لديهم فرق خاصة تراقب المواقع الإليكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية.

ومصطلح اللهو الخفي، هو تعبير مصري شعبي ساخر يشير إلى وجود جهة خفية تدير الأحداث.

بالإضافة إلى هذه الرقابة الخفية أو اللهو الخفي، يوجد رقابة "الهيئة الوطنية للإعلام والصحافة التي بموجب القانون الآن تستطيع حبس وتغريم أي شخص يكتب على فيس بوك حتى إذا بلغ عدد متابعيه 5 آلاف شخص ، فما بالنا بالصحفيين ". 

"أرسل بواسطة سامسونغ".. مذيعة تكشف كيف تصل الأخبار للإعلام 

"القضية تجاوزت مسألة الرقيب الذي يمنع ويمنح، فالرقيب الآن هو من يمتلك الصحف والقنوات وليس فقط من يراقبها ".، حسبما ما يقول الكاتب الصحفي أيمن شرف رئيس تحرير"الدستور" السابق لـ"عربي بوست".

وتساءل أيمن شرف "لماذا نستغرب هذا التأخر وواقعة مذيعة "إكسترا نيوز" الشهيرة ليست ببعيدة ، والتي كشفت دون أن تقصد أن المحتوى يرسله الضابط دون حتى مراجعة من هيئة التحرير، حيث أرسل الخبر أو البيان ورددته المذيعة وختمته بمقولة أرسل بواسطة جهاز "سامسونغ ".

وأضاف شرف أن "الصحف المعروفة في مصر هي الأهرام والأخبار والجمهورية ، وهي صحف مملوكة للدولة ، وهناك صحف خاصة يقال أنها مستقلة مثل صحيفة "الوطن ، الدستور، اليوم السابع ، وهناك صحيفة "الوفد" وهي صحيفة حزبية ، فهذه سبع صحف معروفة في مصر أصبحت كلها الآن خاضعة للرقيب الأمني -الذي لا يفقه شيئا-(حسب تعبيره).

وقال إن الأمر وصل إلى أن سلطة هذا الرقيب وصلت لدرجة أنه يقيم رواتب كتاب مقالات الرأي ويتدخل عدد صفحات الجريدة ويقدرها وفق ما هو متاح له من ميزانية، ولا حتى يستطيع أن يعبر عن وجهة نظر الدولة بشكل صحيح، وليس هناك أي تنوع أو وجهات نظر حتى في صياغة عنوان لصالح النظام.

فالرقيب لا يترك حتى لرئيس التحرير حرية التجويد في صياغة ما تريده الدولة ، والدليل على ذلك أن كل هذه الصحف خرجت مثلا بمانشيت واحد وبصياغة واحدة دون تحريف في قضية صرف أموال التأمينات المعروفة وهو ما جاء تحت عنوان واحد لكل الصحف "قرار تاريخي للسيسي ".

وختم أيمن شرف حديثه بالقول إن" النظام بهذه الطريقة سيسقط نفسه بنفسه ، ولن يحتاج إلى ثورة لكي يسقط كما حدث في يناير 2011″.، حسب تعبيره.

ليس رقابة بل مراعاة للأمن القومي

ولكن هناك وجهة نظر مغايرة ، عبر عنها مصدر قريب من صناع القرار حول مسألة الرقيب قال فيها "من الطبيعي أن يتمتع كل رؤساء التحرير، وأي صحفي بحس وطني  يدرك من خلاله ما يضر أمن البلاد وما ينفعها ".

وأضاف "ليس هناك رقابة على الصحف أو الإعلام المصري بالشكل الذي تقوله والدليل على ذلك أن الرئيس في أكثر من مناسبة يقول بما معناه أن الإعلام الحالي فاشل، وما صرح به بعد ذلك الكاتب كرم جبر رئيس الهيئة الوطنية للصحافة "بأن ما تنشره الصحف المصرية ليست سوى مجرد نشرات ". 

وأكد المصدرأن الفكرة الرئيسية التي يجب أن يجتمع عليها الإعلام – وهذا ما تحاول القيادة السياسية الوصول إليه – هو تكامل الفكر الاستراتيجي للقيادة مع الفكر والرأي والقوى الناعمة في مصر وعلى رأسها الإعلام ، ولكن هذا ما لم يتحقق حتى الآن، لذلك ليس غريبا أن يتهم الرئيس السيسي الإعلام بالفشل".

 

 

تحميل المزيد