- مستوطنات تعود وطريق يتحول إلى ممر عسكري
- هدم المنشآت يسبق عودة المستوطنين
- من 12 مستوطنة إلى 18 ثم 34
- 15 أمر استيلاء.. المنطقة "أ" تدخل المعادلة
- الحزام الأخضر.. تطويق جنين من الجنوب
- عرابة.. عودة المعسكر ومصادرة الأراضي
- عودة المستوطنات الإسرائيلية في جنين
- الهدم والمصادرة والطرق.. شبكة واحدة؟
- إعادة هندسة جغرافية وديموغرافية لجنين
- من نقاط استيطانية إلى شبكة جغرافية
بعد نحو 20 عاماً من إخلاء المستوطنات الإسرائيلية في جنين شمال الضفة الغربية، تعود المنطقة إلى خريطة الاستيطان من بوابة أوسع، لا تقتصر على إعادة مواقع أُخليت عام 2005، وإنما تشمل إقامة مستوطنات جديدة، وشق طرق تخدم المستوطنين، وإقامة مواقع عسكرية، ومصادرة أراضٍ، وهدم منشآت فلسطينية تقع على مسارات هذه الشبكة.
من إخلاء المستوطنات ومعسكرات جيش الاحتلال في المحافظة عام 2005 بموجب قانون فك الارتباط الإسرائيلي، تتجه الخريطة اليوم نحو عودة المستوطنين إلى مواقع مثل جانيم وكاديم وترسلة وحومش، إلى جانب مشاريع جديدة في محيطها، فيما دخلت أوامر الاستيلاء على الأراضي في المنطقة المصنفة "أ" في صلب المشروع الاستيطاني.
تشير منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية إلى أن "الكابينت" أقر في 25 مارس/آذار 2026 إقامة 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، بينها خمسة مواقع في محافظة جنين هي: ألوني شومرون، وروم جلبواع، وعيمق دوتان، ومعيانوت، ونوعا. وتوضح المنظمة أن القرار لم ينشر رسميًا، وأن تفاصيله تستند إلى تقارير إعلامية، فيما تقع المواقع الجديدة في المنطقة المصنفة "ج".
في يوليو/تموز 2026، أقر الكابينت أيضًا إقامة مستوطنة جديدة جنوب جنين باسم "شـانور شرق" (Sha-Nur East)، في موقع قاعدة عسكرية إسرائيلية سابقة بالقرب من قرية سنور، بحسب "السلام الآن". وبذلك ارتفع عدد المستوطنات التي أقرها الاحتلال منذ وصول الحكومة الحالية إلى السلطة إلى 104 مستوطنات وفق المنظمة.
هكذا، فإن ما يجري في جنين لا يتعلق فقط بعدد المستوطنات الإسرائيلية في جنين، بل بإنشاء شبكة جغرافية جديدة من المستوطنات الإسرائيلية في جنين والطرق والمناطق العسكرية التي يمكن أن تعيد رسم علاقة المدينة بالقرى المحيطة بها وبقية محافظات الضفة الغربية.
مستوطنات تعود وطريق يتحول إلى ممر عسكري
شرق جنين، تمت إعادة مستوطنتي جانيم وكاديم المطلتين على المدينة وعلى القرى الشرقية للمحافظة، فيما أعلن عن إقامة مستوطنات جديدة بالقرب منهما، بالتزامن مع توسع استيطاني في قرى رابا والمغير.
وتظهر قائمة "السلام الآن" أن مستوطنة روم جلبواع الجديدة تقع شرق جانيم وكاديم، بينما تقع نوعا جنوبهما، ويقع عيمق دوتان شرق مستوطنة ميفو دوتان، فيما تقع مواقع أخرى ضمن الخطة الاستيطانية الجديدة في محافظة جنين.
في أغسطس/آب 2026، بدأت القوات الإسرائيلية بالفعل هدم منشآت تجارية فلسطينية على الطريق الذي يربط دوار مرج ابن عامر بقرية عابا وصولًا إلى مفرق حداد شرق جنين.
وقالت وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" إن السلطات الإسرائيلية أخطرت أصحاب نحو 40 منشأة تجارية بالهدم قبل نحو عشرة أيام من بدء العملية، وإن القوات أغلقت الطرق المؤدية إلى المنطقة بالتزامن مع عمليات الهدم.
وهذا الرقم يضيف تطورا إلى المعطيات الواردة في إفادات محلية لـ"عربي بوست"، والتي تحدثت عن أوامر عسكرية بإخلاء وإزالة 20 منشأة على الأقل، مع منح أصحابها مهلة أسبوع واحد فقط.
وبالتالي، فإن الرقمين لا يلزم أن يكونا متعارضين زمنيا؛ إذ يمكن أن يكون رقم الـ20 قد تعلق بالمنشآت التي شملتها الأوامر في المرحلة الأولى، بينما تشير المعطيات اللاحقة إلى إخطار نحو 40 منشأة بالهدم.
وباتت عشر قرى فلسطينية تقع شرق وشمال شرق المدينة محاصرة ومعزولة عنها بفعل ما يسمى الشارع الالتفافي، الذي يمتد من حاجز الجلمة العسكري وصولًا إلى بلدة الزبابدة.
وبعد عودة المستوطنات، بات هذا الشارع، وفق إفادات السكان والمسؤولين المحليين، خطًا عسكريًا بمعنى منع الاقتراب منه، بما يهيئ الظروف لمرور المستوطنين عبره.
وفي 13 أغسطس/آب 2026، قالت "وفا" إن قوات الاحتلال الإسرائيلية أغلقت الطرق والتقاطعات الممتدة على الطريق بين مفرق حداد وحاجز الجلمة، بالتزامن مع التحضيرات لافتتاح مستوطنة جانيم وعودة النشاط الاستيطاني إليها.
وهنا تتحول الطريق من مجرد مسار مروري إلى عنصر في البنية الاستيطانية: طريق يربط المنطقة بمواقع المستوطنين، وترافقه قيود على حركة الفلسطينيين والمنشآت الواقعة على جانبيه.
يقول برهان عزامطة، رئيس مجلس قروي عابا الشرقية وصاحب إحدى المنشآت التجارية في المنطقة المهددة، إن قرار إعادة المستوطنات التي أخليت منذ عام 2005 غيّر الظروف في المنطقة. ويتابع في حديث لـ"عربي بوست" أن ما يجري هو حصار للمنطقة الشرقية، التي لم تكن تشهد سابقًا وجودًا للمستوطنين.
بحسب رئيس المجلس القروي: "نحن نعيش في عشر قرى يعمل الاحتلال على عزلنا عن المدينة ومحاصرة أراضينا"، واعتبر أن ذلك يمثل عامل ضغط على السكان، وأن الهدف، من وجهة نظره، استيطاني وسلب للأراضي.
ويشير عزامطة إلى أن هناك ظروفًا خلقها الاحتلال لم تكن موجودة سابقًا، بينها إقامة مستوطنات جديدة والتضييق على المواطنين، لافتًا إلى وجود إخطارات بهدم نحو 10 منازل في القرية.
هدم المنشآت يسبق عودة المستوطنين
باشر باسم العزموطي من قرية عابا إزالة خمس منشآت تجارية على الطريق الالتفافي، بينما يخشى على ما تبقى من أرضه في المنطقة. وقال لـ"عربي بوست" إن ما يجري يمثل حصارًا وإغلاقًا للمنطقة الشرقية بموجب قرار عسكري.
لكن عمليات الهدم التي بدأت في أغسطس/آب أضفت إلى هذه الشهادة بعدًا ميدانيًا جديدًا. فقد قالت "وفا" إن القوات الإسرائيلية بدأت في 12 أغسطس/آب هدم المنشآت التجارية، وأغلقت الطرق المؤدية إلى المنطقة، وهو ما أدى إلى عرقلة حركة السكان والوصول إلى المنطقة. وتتزامن هذه الإجراءات مع إعادة المستوطنين إلى المواقع التي أخليت عام 2005.
وتفيد منظمة "السلام الآن" بأن مستوطنة سنور، التي أُخليت ضمن خطة فك الارتباط عام 2005، بدأ مسار إعادة تأسيسها بعد قرار إسرائيلي في مايو/أيار 2025، وأن المجلس الأعلى للتخطيط تقدم في أبريل/نيسان 2026 بخطة لإقرار 126 وحدة سكنية فيها. كما أقيمت في 19 أبريل احتفالات بعودة المستوطنين إليها بحضور مسؤولين إسرائيليين.
في يوليو/تموز 2026، أقر "الكابينت" مستوطنة "شـانور شرق" في موقع قاعدة عسكرية إسرائيلية سابقة ملاصقة لسنور، ما يعني أن المنطقة الواقعة جنوب جنين لا تشهد فقط إعادة مستوطنة قديمة، وإنما إضافة موقع استيطاني جديد إلى جوارها.
من 12 مستوطنة إلى 18 ثم 34
وفق المعطيات فإن الاحتلال الإسرائيلي أعلن إقامة 12 مستوطنة جديدة في محافظة جنين، كما أشارت المادية إلى قرار الكابينت إقامة 18 مستوطنة جديدة في شمال الضفة الغربية، إلى جانب عشرات المستوطنات التي "شرعنتها" الحكومة الحالية.
لكن التطورات التي توثقت لاحقًا تستدعي وضع هذه الأرقام في سياقها الزمني، ففي مارس/آذار 2026، تحدثت "السلام الآن" عن قرار سري للكابينت بإقامة 34 مستوطنة جديدة، بينها خمسة في محافظة جنين. وتوضح المنظمة أن القائمة تضم 24 مستوطنة جديدة و10 بؤر يجري تحويلها إلى مستوطنات مستقلة، وأن القرار لم ينشر رسميًا.
في يوليو/تموز 2026، أضيفت مستوطنة "شانور شرق"، ما رفع العدد الذي تتحدث عنه "السلام الآن" إلى 104 مستوطنات أقرها الاحتلال منذ تشكيل الحكومة الحالية، مع اختلاف تصنيف هذه المواقع بين مستوطنات جديدة وبؤر جرى تحويلها إلى مستوطنات ومواقع كانت تُعامل كأحياء لمستوطنات قائمة.
لذلك فإن رقم 12 مستوطنة الوارد في المعطيات المحلية لا ينبغي إسقاطه، لكنه يحتاج عند إنتاج الخريطة النهائية إلى تحديد ما إذا كان يشير إلى جميع المواقع التي أعلنت إسرائيل عنها في محافظة جنين، أم إلى مجموعة محددة من المواقع في فترة زمنية بعينها.
الأمر نفسه ينطبق على رقم 18 مستوطنة الوارد في المادة الأصلية، إذ يبدو أنه يشير إلى مرحلة أو حزمة مختلفة من التوسع في شمال الضفة، وليس بالضرورة إلى المواقع الخمسة التي حددتها "السلام الآن" في محافظة جنين ضمن قرار مارس 2026.
15 أمر استيلاء.. المنطقة "أ" تدخل المعادلة
كان قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، آفي بلوت، قد وقع على 15 أمر استيلاء على أراضٍ في المنطقة المصنفة "أ"، بهدف ربط المستوطنتين الجديدتين نوعا وعيمق دوتان. وتستهدف الأوامر نحو 200 دونم داخل المنطقة "أ"، لإنشاء طريق بين عيمق دوتان، المخطط إقامتها قرب بلدة عرابة، ونوعا، الواقعة شمال بلدة قباطية.
تقول منظمة "السلام الآن" إن هذه هي المرة الأولى منذ اتفاقات أوسلو التي تستخدم فيها أوامر الاستيلاء العسكرية داخل المنطقة "أ" لهذا الغرض المدني المرتبط بالمستوطنين، وليس لحاجة أمنية واضحة أو مؤقتة.
هذه النقطة هي إحدى أكثر حلقات المشروع الاستيطاني حساسية، لأن الأمر لا يتعلق فقط بمصادرة الأرض لإقامة مستوطنة، بل بإنشاء ممر مواصلات بين مستوطنتين. أي أن شبكة الاستيطان تبدأ هنا في التحول من نقاط منفصلة إلى شبكة مترابطة تحتاج إلى طرق وممرات ومساحات حماية حولها.
ويخشى سكان المنطقة الشرقية لجنين من عدم قدرتهم على استغلال ما تبقى من أراضيهم، سواء بالقرب من المستوطنات أو الطريق الالتفافي.
تكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية مع توسع الإجراءات العسكرية في مناطق أخرى من المحافظة. فقد وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" في يونيو/حزيران عمليات عسكرية وإخلاءات في محيط جنين، بينها إخلاء ثلاث عائلات فلسطينية من حي الجابريات قرب مخيم جنين، حيث قالت القوات الإسرائيلية إن الإخلاء مرتبط بضرورات عسكرية.
الحزام الأخضر.. تطويق جنين من الجنوب
إلى جانب ما يحدث في المنطقة الشرقية من جنين، والمحاصرة بجدار الفصل العنصري، فإن الاحتلال أقر، وفق المعطيات المحلية، مشروعًا استيطانيًا يربط المستوطنات في جنوب المدينة مع المستوطنات القائمة في الأغوار الفلسطينية.
وهو مشروع أطلق عليه "الحزام الأخضر"، وينطلق من بلدة برطعة جنوب غرب جنين، ثم يمر بالمستوطنات القريبة من دوتان وترسلة وحومش، ويستهدف أراضي قباطية ومسلية ورابا وصولًا إلى الأغوار في محافظة طوباس.
يقول طارق إغبارية، مسؤول ملف الجدار والاستيطان في محافظة جنين، إن ما يحدث في المحافظة يمثل سابقة تاريخية وغير مسبوقة، في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى توسيع الاستيطان والسيطرة على الأراضي وحصار محافظة جنين.
يوضح المتحدث أن محافظة جنين محاصرة من الجهة الشمالية بجدار الفصل العنصري، فيما جاء الاستيطان والطرق الالتفافية لحصار المنطقة الجنوبية، بدءًا من مستوطنتي ترسلة وحومش، إضافة إلى معسكر عرابة جنوب غرب المدينة. ولا تأتي هذه الإجراءات العسكرية والاستيطانية بمعزل عن إعادة تنشيط مواقع عسكرية في المنطقة.
فقد وثق "أوتشا" في أبريل/نيسان 2026 أن القوات الإسرائيلية أجبرت ثلاث عائلات فلسطينية، تضم 13 شخصًا بينهم خمسة أطفال، على مغادرة منازلها في بلدة عرابة منذ مارس/آذار، وأن القوات استخدمت المنازل بشكل متقطع كنقاط مراقبة عسكرية بالقرب من موقع عسكري جرى إخلاؤه سابقًا وأعلن عن إعادة تفعيله.
عرابة.. عودة المعسكر ومصادرة الأراضي
ويقول إغبارية إن الخطورة في ما ينفذه الاحتلال في جنين تتمثل أيضًا في قرارات وضع اليد على أراضٍ تقع في المنطقة المصنفة "أ"، التي تخضع للسيطرة الفلسطينية، معتبرًا أن هذا الأمر لم يحصل منذ قدوم السلطة الفلسطينية ولم يحدث، وفق قوله، في أي محافظة أخرى.
ويشير إلى أوامر عسكرية لمصادرة أراضٍ في قباطية ومسلية ومركة تقع في المنطقة المصنفة "أ"، كما يشير إلى مصادرة الاحتلال أرضًا في حي الجابريات بمدينة جنين المطل على المخيم، وهو يقع أيضًا في المنطقة "أ".
وتؤكد معطيات فلسطينية منشورة خلال العام الحالي وجود إجراءات استيلاء في عرابة نفسها؛ إذ قال المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان إن سلطات الاحتلال صادرت 133 دونمًا من أراضي البلدة، بينها 128.6 دونم لتوسيع موقع عسكري شرق البلدة، إضافة إلى أمر آخر بمصادرة 3.6 دونم لشق طريق في المنطقة نفسها.
ويضيف إغبارية أن سياسة الهدم تترافق مع الأوامر العسكرية بوضع اليد على الأراضي، مشيرًا إلى هجمة تتعرض لها منشآت ومنازل في أنحاء المحافظة بحجة البناء في المنطقة "ج" أو البناء من دون ترخيص.
كما يقول إن هناك عطاءات لهدم عشرات المنازل في عابا الشرقية ودير أبو ضعيف، إلى جانب أوامر عسكرية بهدم منشآت تجارية على طول الطريق الالتفافي شرق جنين. ويتزامن ذلك مع توسيع المستوطنات ومصادرة مزيد من أراضي المواطنين لصالح هذا المشروع التوسعي على حساب السكان ووجودهم.
عودة المستوطنات الإسرائيلية في جنين
بحسب مسؤول ملف الجدار والاستيطان في محافظة جنين فإن هناك نحو 10 مستوطنات في محيط محافظة جنين بعد أن كانت خالية من الاستيطان، إلى جانب إعادة أربع مستوطنات كانت مخلاة منذ عشرين عاما، وهي جانيم وكاديم شرق المدينة، وترسلة وحومش جنوبا.
لكن التطورات الموثقة خلال 2026 تؤكد أن عملية إعادة بناء الخريطة الاستيطانية في جنين لا تقتصر على المواقع الأربعة المذكورة.
فإلى جانب جانيم وكاديم، تظهر مواقع مثل نوعا وعيمق دوتان وروم جلبواع وألوني شومرون ومعيانوت وتعنخ ضمن قائمة المواقع التي أقرها الكابينت في مارس/آذار 2026، بينما أضيفت "شانور شرق" لاحقًا إلى جنوب جنين.
في الوقت نفسه، تمت إعادة تفعيل معسكر عرابة للجيش الإسرائيلي، وما رافقه، وفق إفادة إغبارية، من إخطار نحو 70 منشأة قريبة منه بالهدم والإزالة. وصادر الاحتلال، بحسب المعطيات المحلية، مساحات من أراضي بلدة قباطية لإقامة معسكر لجيش الاحتلال شرق جنين على ما يسمى الطريق الالتفافي.
الهدم والمصادرة والطرق.. شبكة واحدة؟
نوه طارق إغبارية إلى سياسة الهدم إلى جانب الأوامر العسكرية بوضع اليد على الأراضي، مشيرًا إلى أن هناك هجمة على منشآت ومنازل في أنحاء المحافظة بحجة البناء في منطقة "ج" أو عدم الحصول على تراخيص.
وتظهر بيانات الأمم المتحدة أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في محافظة جنين لا تقتصر على المناطق المحيطة بالمستوطنات.
في يونيو/حزيران، قال "أوتشا" إن القوات الإسرائيلية نفذت عمليات واسعة في قرى جنوب جنين، بينها عرابة وفحمة ومركة وبير الباشا، وشملت عمليات تفتيش لأكثر من 170 منزلًا فلسطينيًا، إلى جانب تحويل ثلاثة مبانٍ سكنية ومجتمعية على الأقل إلى مواقع عسكرية.
كما قالت "السلام الآن" إن الجيش الإسرائيلي أقام قاعدة عسكرية دائمة في المنطقة "أ" قرب مخيم جنين، في خطوة وصفتها بأنها أول وجود دائم من هذا النوع للجيش الإسرائيلي في المنطقة "أ" منذ اتفاقات أوسلو.
بذلك تتقاطع في محافظة جنين أربعة مسارات: الاستيطان، والمصادرة، والانتشار العسكري، والتحكم في الطرق.
ولا تعمل هذه المسارات منفصلة عن بعضها؛ فالطريق الذي يجري إخلاء المنشآت الفلسطينية الواقعة عليه هو نفسه الطريق الذي تقول المصادر المحلية إنه يخدم حركة المستوطنين، وأوامر الاستيلاء في المنطقة "أ" تهدف إلى إنشاء طريق يربط مستوطنتين، بينما يجري في الجنوب إعادة تأسيس مستوطنات ومواقع عسكرية.
إعادة هندسة جغرافية وديموغرافية لجنين
حذر إغبارية من مخططات الاحتلال التي تهدف، وفق تقديره، إلى إعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا في محافظة جنين، وحصارها تمامًا وعزلها عن بقية المحافظات عبر الجدار شمالًا ومشروع "الحزام الأخضر" جنوبا.
ويؤكد أن ما تم في جنين خلال عام واحد لم يحدث خلال عشرات السنوات في مناطق أخرى، وأن أرقام المصادرات كبيرة ومقلقة، فيما أصبحت آلاف الدونمات مهددة بالمصادرة بحجج أمنية أو لتأمين المستوطنين.
ومن شأن الطرق الالتفافية العسكرية الممتدة باتجاه مرج ابن عامر والأغوار الشمالية، إنشاء حواجز عسكرية أو مستوطنات تمنع أي امتداد طبيعي لشرق جنين نحو الشرق.
إلى جانب ذلك، تفرز هذه الطرق "مسارات آمنة" ترتبط بحاجز الجلمة شمالًا وبالتكتلات الاستيطانية جنوبا، وتُحاط بمسافات أمان يُمنع الفلسطينيون من البناء فيها. وبدأ بالفعل، وفق المعطيات الميدانية، بإخطار منشآت تجارية بالإزالة عن الطريق الالتفافي شرق المدينة الذي يسلكه المستوطنون من حاجز الجلمة باتجاه مستوطنتي كاديم وجانيم.
من نقاط استيطانية إلى شبكة جغرافية
المعطيات المتراكمة ترسم صورة تتجاوز فكرة التوسع في عدد المستوطنات. في الشمال يوجد جدار الفصل وحاجز الجلمة، وفي الشرق تمتد جانيم وكاديم والمواقع الجديدة المحيطة بهما، بينما يتجه المشروع جنوبًا نحو نوعا وعيمق دوتان وعرابة وحومش وترسلة وسنور، ثم باتجاه الأغوار الشمالية.
في وسط هذه الشبكة تقع قرى فلسطينية مثل عابا الشرقية، ورابا، والمغير، وقباطية، ومسلية، ومركة، ودير أبو ضعيف، إلى جانب مدينة جنين ومخيمها. وعندما توضع هذه المواقع على خريطة واحدة، فإن السؤال لا يعود فقط: كم مستوطنة توجد في محافظة جنين؟
بل يصبح السؤال: كم مساحة من أراضي المحافظة أصبحت مرتبطة بالمستوطنات أو بالطرق المؤدية إليها أو بالمناطق العسكرية المحيطة بها؟ وكم قرية فلسطينية تغيرت طرق وصولها إلى مدينة جنين بسبب هذه الشبكة؟
المعطيات التي توصل إليها "عربي بوست" تتحدث عن 12 مستوطنة جديدة، وعن 18 مستوطنة في شمال الضفة، وعن نحو 10 مستوطنات في محيط جنين، وعن إعادة أربع مستوطنات أخليت عام 2005.
أما البيانات الإسرائيلية البحثية فتتحدث عن خمسة مواقع جديدة في محافظة جنين ضمن قرار مارس 2026، ثم عن موقع جديد جنوب جنين أُقر في يوليو/تموز، إضافة إلى المستوطنات التي أعيد تأسيسها.
لا يعني اختلاف هذه الأرقام بالضرورة وجود تناقض، بل يعكس اختلاف الفترة الزمنية وطريقة تصنيف المواقع: مستوطنة قائمة، مستوطنة أعيد تأسيسها، مستوطنة جديدة، بؤرة يجري شرعنتها، أو موقع لا يزال في مرحلة التخطيط.
في النهاية، فإن هدم المنشآت التجارية، ومصادرة الأراضي، وإعادة المستوطنات التي أخليت عام 2005، وإقامة مستوطنات جديدة، وإعادة تفعيل المواقع العسكرية، وشق الطرق التي تربط هذه المواقع، كلها تتحرك داخل مساحة جغرافية واحدة.
من شرق جنين إلى جنوبها، ومن حاجز الجلمة إلى عرابة، ومن جانيم وكاديم إلى نوعا وعيمق دوتان، ثم باتجاه سنور وحومش وترسلة والأغوار، تتشكل خريطة جديدة لا تقوم فقط على إنشاء مستوطنات، وإنما على ربطها بشبكة طرق ومناطق عسكرية ومساحات استيلاء، بالتوازي مع تضييق المجال المتاح للسكان الفلسطينيين.
بهذا المعنى، فإن معركة جنين الجديدة لا تدور فقط حول الأرض التي تُصادر لبناء مستوطنة، وإنما حول الخريطة التي ستنشأ عندما تُربط المستوطنات ببعضها، وتُفتح لها الطرق، وتُغلق الطرق المقابلة أمام الفلسطينيين، وتتحول المناطق المحيطة بها إلى أحزمة عسكرية واستيطانية.