لم تعد التكنولوجيا الأمنية الإسرائيلية تصل إلى المنطقة عبر شركات إسرائيلية فقط، إذ برزت خلال العقد الأخير شركات إماراتية تقود مشاريع في الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والحوسبة السحابية، بينما تكشف الوثائق وسجلات الشركات أن جزءاً من هذه المنظومة يرتبط بشراكات مع شركات إسرائيلية أو شركات يقودها مسؤولون سابقون في الجيش وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.
خلال سنوات قليلة، تحولت الإمارات إلى أحد أبرز مراكز التكنولوجيا المتقدمة في الشرق الأوسط، مع استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي، والبنية السحابية، والمدن الذكية، والأمن السيبراني، وتوسعت شركاتها داخل المنطقة وأفريقيا وآسيا، مقدمة نفسها شريكاً للحكومات والمؤسسات في تنفيذ مشاريع التحول الرقمي وبناء البنية التحتية الرقمية.
غير أن تتبع الشبكات التي تقف خلف عدد من هذه المشاريع يكشف مساراً آخر أقل ظهوراً، فخلف بعض أبرز شركات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، تظهر شراكات مع شركات إسرائيلية، أو شركات أسسها ويقودها مسؤولون سابقون في الجيش وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، انتقلت تقنياتها تدريجياً من التعاون الأمني غير المعلن إلى شراكات تجارية واستثمارية معلنة بعد اتفاقات أبراهام.
وجاء أحدث خيط يقود إلى هذه الشبكة مع التحقيق الدولي الذي نشرته شبكة "فوربيدن ستوريز" وتحالف "بيغاسوس بروجكت" في يوليو/ تموز 2026، والذي كشف الدور الذي لعبته شركة FSSYS Maroc، الفرع المغربي لشركة Fahad Al Security Systems (FSSYS) الإماراتية، في التنسيق بين السلطات المغربية وشركة NSO Group الإسرائيلية المطورة لبرنامج التجسس "بيغاسوس".
قاد هذا الخيط "عربي بوست" إلى تتبع شبكة أوسع من العلاقات بين شركات إماراتية وإسرائيلية تعمل في مجالات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والبنية السحابية، والأمن السيبراني. وكشف التتبع أن قضية "FSSYS" ليست حالة منفردة، بل جزء من منظومة أوسع انتقلت فيها التكنولوجيا الأمنية الإسرائيلية إلى مشاريع سيادية داخل الإمارات، قبل أن يُعاد تسويق جزء منها إلى أسواق عربية وأفريقية عبر شركات إماراتية.
واستند هذا التحقيق إلى تتبع سجلات الشركات، والإفصاحات المالية، ووثائق البورصات، والمواقع الرسمية، والمواد التسويقية، إلى جانب مراجعة السير المهنية للمؤسسين والمديرين التنفيذيين.
ومن خلال ربط هذه البيانات، يرسم التحقيق خريطة لمسار انتقال التكنولوجيا من الشركات الإسرائيلية المطورة إلى الشركات الإماراتية، ثم إلى مشاريع حكومية وأسواق إقليمية، بما يكشف كيف تحولت الإمارات خلال العقد الأخير إلى إحدى أبرز بوابات التكنولوجيا الأمنية الإسرائيلية في المنطقة.
التكنولوجيا الأمنية الإسرائيلية قبل اتفاقات أبراهام
لم تبدأ العلاقات التكنولوجية بين الإمارات وإسرائيل مع توقيع اتفاقات أبراهام عام 2020، كما قد توحي الاتفاقيات الرسمية. فقبل أكثر من عقد، كانت أبوظبي قد فتحت الباب أمام تعاون أمني غير معلن، قادته شركات خاصة أدخلت تقنيات إسرائيلية إلى مشاريع سيادية، لتصبح لاحقاً الأساس الذي بُنيت عليه الشراكات المعلنة في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
ويقود تتبع هذا المسار إلى رجل الأعمال الإسرائيلي ماتي كوخافي (Mati Kochavi)، الذي نجح عام 2008 في تأسيس حضور داخل قطاع الأمن الإماراتي عبر شركته "AGT International". ففي العام نفسه، حصلت الشركة على عقد بلغت قيمته نحو 816 مليون دولار لتطوير أنظمة حماية للمرافق الحيوية في أبوظبي، في واحدة من أكبر الصفقات الأمنية في المنطقة آنذاك.
لم تكن أهمية الصفقة في قيمتها المالية فحسب، بل لأنها شكلت إحدى أولى بوابات التعاون الأمني بين الإمارات وشركة يقودها رجل أعمال إسرائيلي، في وقت لم تكن فيه العلاقات الدبلوماسية بين البلدين معلنة. وقد وصفت تقارير غربية لاحقاً هذه العقود بأنها من أوائل مظاهر التعاون الأمني الذي سبق التطبيع الرسمي بسنوات.
ولم يعتمد كوخافي على الاستثمار التجاري وحده، بل بنى نموذج أعماله على الاستفادة من خبرات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. فبعد انتقاله إلى قطاع الأمن عقب هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، استقطب عدداً من المسؤولين السابقين في الجيش وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، كان أبرزهم عاموس مالكا، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، إلى جانب ضباط سابقين في الجيش والموساد.
يظهر هذا النموذج مبكراً السمة التي ستتكرر لاحقاً في عدد كبير من شركات التكنولوجيا الإسرائيلية، حيث ينتقل ضباط سابقون من الوحدات العسكرية والاستخباراتية إلى تأسيس شركات تعمل في الأمن السيبراني، وتحليل البيانات، وأنظمة المراقبة، قبل أن تتحول هذه الشركات إلى مزودين للحكومات والمؤسسات حول العالم.
بحكم القوانين الإماراتية التي كانت تشترط وجود شركاء محليين، دخلت AGT International في تحالف مع شركتي Advanced Integrated Systems (AIS) وAdvanced Technical Solutions الإماراتيتين. وسرعان ما تحول هذا التحالف إلى أحد أبرز اللاعبين في قطاع الأمن الوطني داخل الإمارات، مستفيداً من المشاريع الحكومية الضخمة في مجال المراقبة وحماية المنشآت.
يعكس تصريح أدلى به خلفان الشامسي، الرئيس التنفيذي لشركة "AIS"، حجم هذا النفوذ، إذ قال خلال معرض أمني في باريس عام 2012 إن شركته تستحوذ على نحو 80% من سوق الأمن الوطني في الإمارات، في مؤشر على المكانة التي بلغتها هذه الشراكات خلال سنوات قليلة.
لكن التعاون لم يتوقف عند حماية المنشآت، بل انتقل إلى مشاريع المراقبة واسعة النطاق. ففي عام 2011، أطلقت أبوظبي مشروع "عين الصقر" (Falcon Eye)، الذي يُعد أحد أكبر مشاريع المراقبة الذكية في المنطقة، بعد توقيع 3 صفقات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 600 مليون دولار.
واستهدف المشروع إنشاء منظومة متكاملة تضم آلاف الكاميرات المرتبطة بمراكز تحكم تستخدم تقنيات التحليل الذكي لرصد التحركات وإدارة الأمن الحضري.
جاء تنفيذ المشروع ضمن رؤية أمنية أشرف عليها ولي عهد أبوظبي آنذاك محمد بن زايد آل نهيان، هدفت إلى توظيف التكنولوجيا في مراقبة المدن وحماية البنية التحتية الحيوية، وهو ما جعل "عين الصقر" أحد أبرز مشاريع الأمن الذكي في المنطقة خلال ذلك الوقت.
لم يبق المشروع محصوراً داخل الإمارات، بل تحول لاحقاً إلى نموذج للتوسع الخارجي. ففي عام 2014، وقعت شركة Falcon Eye Technology LLC، ومقرها أبوظبي، عقداً مع البحرية النيجيرية لإنشاء منظومة مراقبة ساحلية تمتد على طول المياه الإقليمية لنيجيريا وخليج غينيا، بهدف مواجهة القرصنة البحرية وتهريب النفط والجريمة المنظمة.
وشمل المشروع إنشاء 6 محطات مراقبة مزودة بأنظمة كهروبصرية ورادارات بعيدة المدى، قادرة على مراقبة مساحات واسعة من الساحل النيجيري.
وعند الإعلان عنه، قُدم بوصفه يجمع بين الخبرة الهندسية الإماراتية وتقنيات أمنية طُورت داخل البيئة الإسرائيلية لصناعة الأمن والمراقبة، في أول مؤشر واضح على انتقال هذا النموذج من الإمارات إلى مشاريع خارجية.
تكشف هذه المرحلة أن العلاقة بين الإمارات والشركات الإسرائيلية لم تبدأ من اتفاقات أبراهام، بل سبقتها سنوات من التعاون الأمني الذي جرى عبر شركات خاصة وشبكات أعمال عابرة للحدود.
كما تُظهر أن التكنولوجيا الإسرائيلية دخلت في البداية عبر مشاريع المراقبة والأمن الحضري، قبل أن تتوسع تدريجياً إلى مجالات أكثر تعقيداً مثل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والبنية السحابية.
غير أن توقيع اتفاقات أبراهام شكّل نقطة تحول مفصلية في هذا المسار. فبعد أن كانت هذه العلاقات تُدار عبر قنوات غير معلنة وشركات وسيطة، أصبحت الشراكات تُعلن رسمياً، واتسع نطاقها ليشمل قطاعات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، لتنتقل التكنولوجيا الإسرائيلية من مشاريع أمنية متخصصة إلى صلب البنية الرقمية الإماراتية، وهو ما يتناوله المحور التالي.
إسرائيل في البنية الرقمية الإماراتية
إذا كانت مشاريع "AGT International" و"عين الصقر" قد أرست أسس التعاون الأمني غير المعلن بين الإمارات وإسرائيل قبل عام 2020، فإن توقيع اتفاقات أبراهام في سبتمبر/ أيلول من ذلك العام نقل هذا التعاون إلى مرحلة مختلفة تماماً.
فلم تعد العلاقة تقتصر على أنظمة المراقبة وحماية المنشآت، بل امتدت إلى قطاعات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والمدن الذكية، وهي المجالات التي أصبحت تمثل الركيزة الأساسية لبرامج التحول الرقمي الإماراتية.
وشكل قطاع المدن الذكية نقطة الانطلاق لهذا التحول. فمنذ الإعلان عن الاتفاقات، بدأت شركات إماراتية وإسرائيلية بالكشف عن مشاريع مشتركة في مجالات تحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، والبنية الرقمية، مستفيدة من خبرات إسرائيل في التقنيات الأمنية والتحليلية، ومن الاستثمارات الإماراتية الضخمة في البنية التحتية الرقمية.
ومن أبرز نتائج هذه المرحلة تأسيس شركة "Presight" كمشروع مشترك بين مجموعة G42 الإماراتية وشركة "Rafael Advanced Defense Systems" الإسرائيلية، إحدى أكبر شركات الصناعات الدفاعية المملوكة للدولة في إسرائيل.
وتُعرف "Rafael" عالمياً بتطوير منظومات عسكرية متقدمة، من بينها نظام القبة الحديدية، والصواريخ الموجهة، وتقنيات الاستشعار والرصد. لكن دخولها في شراكة مع G42 لم يكن في المجال العسكري، بل في تطوير حلول الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات للقطاعات المدنية، في خطوة عكست انتقال التعاون من شراء التكنولوجيا إلى تطويرها بصورة مشتركة داخل مشاريع إماراتية.
بموجب هذه الشراكة، أنشأت "Presight" مركزاً للبحث والتطوير داخل إسرائيل للاستفادة من الخبرات المحلية في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، مع دمج هذه التقنيات في حلول تستهدف الحكومات والقطاع الخاص.
ويكشف هذا النموذج أن الشراكة لم تقتصر على توزيع منتجات جاهزة، بل شملت تطوير تطبيقات جديدة تعتمد على خبرات الطرفين، وهو ما منح الشركة موقعاً متقدماً داخل مشاريع التحول الرقمي الإماراتية.
خلال فترة قصيرة، توسع نشاط "Presight" ليشمل عدداً من القطاعات الحيوية داخل الإمارات. ففي المجال الأمني، شاركت الشركة في تطوير منصات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور والبيانات، بهدف دعم الأجهزة الشرطية في التنبؤ بالجرائم، والتعرف على الأنماط، وتحسين قدرات الرصد والاستجابة.
كما دخلت في مشاريع مع الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث لتطوير أنظمة تحليل للمخاطر تعتمد على معالجة البيانات الضخمة والتعلم الآلي.
امتد حضور الشركة إلى القطاع المالي، حيث شاركت في مشاريع مرتبطة بتطوير البنية التحتية للخدمات المالية، ودعم تطبيقات إدارة المخاطر، وتحليل البيانات، ومكافحة الاحتيال المالي. كما أعلنت في عام 2026 شراكة مع غرفة أبوظبي لتطوير أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي تستهدف دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، عبر تحليل البيانات وتحسين الخدمات المقدمة للقطاع الخاص.
ولم يتوقف توسع "Presight" عند هذه القطاعات، بل امتد إلى مجالات قانونية ورقمية تعتمد بصورة متزايدة على تحليل البيانات.
في القطاع القضائي، طورت الشركة حلولاً تعتمد على الذكاء الاصطناعي لمعالجة الوثائق وتحليل المعلومات القانونية، بهدف تسريع الإجراءات وتحسين إدارة الملفات، كما دخلت في مشاريع مرتبطة بالأمن السيبراني وتحليل البيانات الرقمية بالتعاون مع جهات حكومية، بما يعكس انتقالها من شركة تقدم حلولاً تقنية متخصصة إلى لاعب يشارك في البنية الرقمية للقطاع العام.
وظهر حجم هذا الحضور بوضوح خلال انعقاد مؤتمر المناخ العالمي COP28 في دبي، حيث انتشرت آلاف الكاميرات المدعومة بأنظمة Presight الذكية في مداخل المؤتمر، والمنصات الرئيسية، والمركز الإعلامي، وساحات الفعاليات، حاملة شعار الشركة بصورة لافتة.
وأثار هذا الانتشار نقاشات حقوقية حول توسع استخدام أنظمة المراقبة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في الفضاءات العامة، ولا سيما في الفعاليات الدولية التي يشارك فيها ناشطون وصحفيون ومنظمات مجتمع مدني.
بذلك، لم تعد الشراكات التي أعقبت اتفاقات أبراهام تقتصر على اتفاقيات استثمار أو تبادل خبرات، بل أصبحت جزءاً من مشاريع تمس قطاعات الأمن، والقضاء، والاقتصاد، وإدارة البيانات، ما يعكس انتقال التكنولوجيا الإسرائيلية من مرحلة التعاون الأمني المحدود إلى الاندماج داخل البنية الرقمية الإماراتية.
لكن هذا الحضور لم يبق محصوراً داخل الإمارات، بل سرعان ما تحول إلى نموذج بدأت الشركات الإماراتية في تصديره إلى أسواق عربية وأفريقية وآسيوية.
من الإمارات إلى الخارج
لم يقتصر دور "Presight" على تنفيذ مشاريع داخل الإمارات، بل سرعان ما تحولت إلى رأس حربة في استراتيجية توسع خارجية تستهدف تسويق حلول الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى.
ويكشف تتبع العقود والإعلانات الرسمية أن الشركة لم تعد تقدم نفسها كمزود برمجيات، بل كشريك للحكومات في بناء البنية الرقمية وإدارة البيانات، وهو ما جعل نموذجها الإماراتي ينتقل تدريجياً إلى دول أخرى.
وكان الأردن من أوائل الدول التي ظهر فيها هذا التوسع. ففي نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، وقعت "Presight" اتفاقية مع وزارة الصحة الأردنية لتطوير حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإدارة البيانات الصحية.
لكن المشروع أثار نقاشاً داخل البرلمان الأردني وبين ناشطين، ركز على طبيعة البيانات التي ستعالجها الشركة، ومكان تخزينها، ومستوى الحماية القانونية الممنوحة لها، في ظل ارتباط الشركة بشراكات تقنية مع شركات إسرائيلية، من بينها Rafael.
ولم تقدم الوثائق التي راجعها التحقيق ما يثبت انتقال البيانات إلى جهات إسرائيلية، إلا أن الجدل عكس حساسية مشاريع التحول الرقمي عندما ترتبط بشركات ذات شراكات عابرة للحدود.
امتد هذا الحضور إلى آسيا الوسطى، حيث أعلنت الشركة في عام 2024 شراكة مع وزارة التنمية الرقمية في كازاخستان وصندوق "Samruk-Kazyna" لإنشاء حاسوب عملاق ومركز بيانات مخصصين لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
بعد أشهر، أُعلن تشغيل أول حاسوب عملاق وطني في البلاد، قبل أن توقع الشركة عقداً آخر بقيمة 190 مليون دولار مع مدينة أستانا لتطوير حلول المدن الذكية وإدارة حركة المرور والبنية الحضرية باستخدام الذكاء الاصطناعي. وتظهر هذه المشاريع أن الشركة لم تعد تصدر برامج منفصلة، بل نموذجاً متكاملاً لإدارة المدن والبيانات.
كما توسعت "Presight" نحو القارة الأفريقية عبر مذكرات تفاهم ومشاريع مع حكومات مثل بوركينا فاسو، والغابون، وساحل العاج، ركزت على التحول الرقمي، وتحليل البيانات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية.
جاء هذا التوسع في وقت تشهد فيه القارة سباقاً متزايداً على مشاريع البنية الرقمية، وسط نقاشات متصاعدة حول سيادة البيانات، والضمانات القانونية المتعلقة بإدارتها، والجهات التي تطور الأنظمة المشغلة لها.
بينما كانت "Presight" تتولى تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، برز سؤال آخر لا يقل أهمية: من يتولى حماية هذه المنظومات؟ وجاءت الإجابة في أبريل/ نيسان 2025، عندما أعلنت الشركة توقيع مذكرة تفاهم مع "Beacon Red"، التابعة لمجموعة EDGE الإماراتية، والمتخصصة في الأمن السيبراني والتدريب والتحليل الاستخباراتي.
وفق البيان الرسمي، يهدف التعاون إلى دمج قدرات "Presight" في تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي مع خبرات "Beacon Red" في الحلول الأمنية، لتنفيذ مشاريع تشمل المدن الذكية، والتحول الرقمي، وأنظمة الأمن المتقدمة داخل الإمارات وخارجها، مع تشكيل لجنة مشتركة لاختيار المشاريع الاستراتيجية التي ستطبق فيها هذه التقنيات.
لكن تتبع الهيكل الإداري لـ"Beacon Red" يكشف خيطاً آخر في هذه الشبكة. فقد أظهر البحث أن رئيسها التنفيذي Rogerio Lemos شغل سابقاً منصب مدير العمليات التقنية في شركة DarkMatter، كما انتقل عدد من كوادرها الإدارية والتقنية من الشركة نفسها إلى Beacon Red بعد إعادة هيكلة قطاع الصناعات الدفاعية الإماراتي ضمن مجموعة EDGE.
ويعكس هذا الانتقال استمرارية في الخبرات البشرية بين الكيانين، رغم اختلاف البنية المؤسسية، وتحمل "DarkMatter" تاريخاً مثيراً للجدل. فقد تأسست عام 2014 على يد فيصل البناي للعمل في مجالات الأمن السيبراني، لكنها أصبحت محور تحقيق أجرته وكالة رويترز عام 2019 حول برنامج سري حمل اسم "Project Raven".
وفق التحقيق، استعانت الإمارات بموظفين سابقين في وكالة الأمن القومي الأميركية (NSA) للمشاركة في تطوير أدوات هجومية إلكترونية، من بينها أداة Karma التي استُخدمت لاختراق أجهزة iPhone عبر استغلال ثغرات في نظام التشغيل، من دون الحاجة إلى تفاعل المستخدم مع روابط أو ملفات خبيثة.
كما أشار التحقيق إلى أن عمليات البرنامج استهدفت صحفيين وناشطين ومسؤولين وشخصيات سياسية في عدد من دول المنطقة، إلى جانب مواطنين إماراتيين، قبل أن تفرض السلطات الأميركية قيوداً على بعض المشاركين فيه.
لا يعني انتقال كوادر "DarkMatter" إلى "Beacon Red" أن الأخيرة تمارس الأنشطة نفسها أو تتبنى القدرات الهجومية التي تحدثت عنها رويترز، إذ لا يقدم التحقيق أدلة على ذلك.
إلا أن هذا المسار يوضح كيف أعادت الإمارات هيكلة جزء من منظومتها السيبرانية، عبر نقل الخبرات إلى كيانات جديدة تقدم نفسها كمزودي حلول دفاعية وأمنية، في وقت توسعت فيه شراكاتها مع شركات الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية.
ويقود هذا المسار إلى مستوى أكثر عمقاً من التعاون. فبعد بناء تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتأمينها عبر شركات الأمن السيبراني، تظهر طبقة ثالثة تتمثل في الشركات التي توفر البنية السحابية، وحلول التخزين، وإدارة الهويات الرقمية، وهي الحلقة التي تجعل المنظومة مترابطة من تطوير التكنولوجيا إلى تشغيلها وحمايتها، وهو ما يتناوله المحور التالي.
من يشغّل المنظومة؟
إذا كانت "Presight" تمثل واجهة تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات داخل المنظومة الرقمية الإماراتية، فإن تشغيل هذه التطبيقات يعتمد على طبقة أخرى أقل ظهوراً، لكنها أكثر حساسية، تتمثل في البنية السحابية، وتخزين البيانات، والأمن السيبراني.
فمشاريع الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على الخوارزميات، بل تحتاج إلى مراكز بيانات، ومنصات حوسبة فائقة الأداء، وأنظمة متقدمة لحماية البيانات وإدارة الهويات الرقمية. وتبرز "Core42" بوصفها الذراع المتخصصة في الحوسبة السحابية والبنية الرقمية ضمن منظومة G42.
وتقدم الشركة نفسها باعتبارها إحدى ركائز "السحابة السيادية" في الإمارات، حيث توفر خدمات الحوسبة السحابية، وإدارة البيانات، وقدرات الحوسبة فائقة الأداء اللازمة لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق، كما ترتبط بمشاريع مثل Condor Galaxy، الذي يوصف بأنه أحد أكبر مشاريع الحوسبة الفائقة المخصصة للذكاء الاصطناعي في المنطقة.
لكن تتبع "عربي بوست" للطبقات التقنية التي تقوم عليها هذه البنية يكشف أن Core42 تعتمد على شراكات مع شركات إسرائيلية متخصصة في تخزين البيانات ومعالجتها.
ففي أغسطس/ آب 2023، أعلنت G42 Cloud شراكة مع شركة VAST Data لتوفير ما وصفته الأخيرة بـ"الأساس المركزي للبيانات" لشبكة الحواسيب الفائقة المرتبطة بمشروع Condor Galaxy، عبر منصة متخصصة في تخزين وإدارة كميات ضخمة من البيانات داخل بيئات الحوسبة عالية الأداء.
وتأسست "VAST Data" عام 2016 في مدينة هرتسليا الإسرائيلية على يد رونين حلاق وشاشار فيينبليت وجيف دينوورث، وتخصصت في تطوير أنظمة تخزين بيانات عالية الأداء لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة.
وأظهر تتبع السير المهنية لعدد من مهندسيها وكبار مسؤوليها وجود حضور لافت لخريجي الوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وهي الوحدة التي خرج منها عدد كبير من مؤسسي شركات الأمن السيبراني الإسرائيلية خلال العقدين الأخيرين. ولا تقتصر الشراكات على "VAST Data"، إذ تعتمد المنظومة أيضاً على شركة "WEKA"، المتخصصة في أنظمة الملفات الموزعة عالية الأداء.
وأظهر البحث الذي أجراه "عربي بوست" أن الشركة تأسست في إسرائيل عام 2013، وأن مؤسسها Liran Zvibel عمل مهندس برمجيات في الجيش الإسرائيلي برتبة كابتن لمدة 5 سنوات، قبل انتقاله إلى القطاع الخاص. وتُستخدم حلول WEKA لتسريع معالجة البيانات وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ما يجعلها جزءاً من البنية التي تعتمد عليها مشاريع Core42.
لكن تشغيل البنية السحابية لا يكفي وحده، إذ يتطلب منظومة متكاملة لحمايتها من الهجمات الإلكترونية. وهنا تبرز شركة CPX، التي تقدم نفسها باعتبارها الذراع المتخصصة في الأمن السيبراني والأمن الفيزيائي ضمن مجموعة G42، مع تركيز خاص على حماية الحكومات، والبنية التحتية الحيوية، والمؤسسات الكبرى.
وتوضح الوثائق التي راجعها "عربي بوست" أن دور الشركة لا يقتصر على تقديم خدمات استشارية، بل يمتد إلى بناء منظومات دفاع سيبراني متكاملة للجهات الحكومية والخاصة.
ومن أبرز نماذج هذا التعاون إعلان CPX في يونيو/ حزيران 2023، خلال مؤتمر Cyber Week في تل أبيب، إطلاق منصة Crystal Ball بالتعاون مع شركة Rafael Advanced Defense Systems وشركة Microsoft.
ووفق الإعلان الرسمي، تهدف المنصة إلى تبادل معلومات التهديدات السيبرانية بين جهات إماراتية وإسرائيلية، بما يشمل مؤشرات الاختراق، وأساليب الهجمات، وتحليل المخاطر، بهدف تعزيز القدرة على رصد الهجمات الإلكترونية والاستجابة لها بصورة أسرع.
يكشف هذا النموذج أن التعاون بين الشركات الإماراتية والإسرائيلية لم يعد يقتصر على تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل امتد إلى طبقات أكثر عمقاً تشمل تشغيل البنية السحابية، وإدارة البيانات، وحماية الأنظمة الرقمية.
بهذا أصبحت منظومة التحول الرقمي الإماراتية تقوم على شبكة مترابطة من الشركات، يتولى بعضها تطوير التطبيقات، بينما يوفر بعضها الآخر البنية التحتية أو الأمن السيبراني اللازم لتشغيلها.
لكن تتبع هذه المنظومة يقود إلى مرحلة أخرى لا تقل أهمية. فبعد بناء التطبيقات، وتشغيلها، وتأمينها، برز دور جديد للشركات الإماراتية يتمثل في إعادة تسويق هذه التكنولوجيا خارج الإمارات، عبر شبكة من الموزعين والشركاء الإقليميين، وهو ما يتناوله المحور الخامس.
الإمارات منصة لإعادة تصدير التكنولوجيا الإسرائيلية
إذا كانت الشراكات التي استعرضها التحقيق تظهر كيف دخلت التكنولوجيا الإسرائيلية إلى مشاريع التحول الرقمي داخل الإمارات، فإن تتبع مسار هذه الشركات يكشف مرحلة ثانية لا تقل أهمية، تتمثل في إعادة تصدير هذه التكنولوجيا إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا عبر شركات إماراتية.
خلال السنوات الأخيرة، لم تعد الإمارات مجرد مستورد للتقنيات، بل أصبحت مركزاً إقليمياً تتولى من خلاله شركات محلية تسويق الحلول الإسرائيلية، ودمجها في مشاريع حكومية، وتقديم خدمات التشغيل والدعم الفني للعملاء خارج الدولة.
وتبرز "Spire Solutions" باعتبارها أحد أبرز النماذج على هذا التحول. فمنذ تأسيسها في دبي، توسعت الشركة لتصبح واحدة من أكبر موزعي حلول الأمن السيبراني في الشرق الأوسط وأفريقيا، مع شبكة مكاتب تمتد إلى الإمارات والسعودية وقطر وعُمان ومصر ونيجيريا والهند.
خلال السنوات التي أعقبت اتفاقات أبراهام، بدأت الشركة في توسيع محفظتها لتضم عدداً متزايداً من الشركات الإسرائيلية المتخصصة في الأمن السيبراني، لتصبح حلقة وصل بين مطوري التكنولوجيا الإسرائيليين والعملاء الحكوميين والقطاع الخاص في المنطقة.
لا يقتصر دور "Spire Solutions" على بيع البرمجيات، بل يتجاوز ذلك إلى تصميم الحلول المتكاملة، ودمجها في البنية الرقمية للمؤسسات، وتوفير خدمات الاستشارات، والتدريب، وبناء مراكز العمليات الأمنية، والدعم الفني المستمر.
وبهذا أصبحت الشركة شريكاً في تنفيذ مشاريع التحول الرقمي، وليس مجرد موزع لمنتجات جاهزة، وهو نموذج يعزز دور الإمارات كمحطة رئيسية لانتقال التكنولوجيا إلى أسواق أخرى.
يكشف تتبع الشركات التي تمثلها "Spire" أن كل واحدة منها تؤدي وظيفة مختلفة داخل منظومة الأمن السيبراني. ففي مجال حماية الهوية الرقمية وإدارة الحسابات الحساسة، توزع الشركة حلول CyberArk، التي تُعد من أبرز الشركات العالمية في إدارة الهويات الرقمية والوصول المميز داخل المؤسسات الحكومية والمالية.
وتأسست الشركة في إسرائيل عام 1999 على يد أودي موكادي وألون كوهين، اللذين عملا سابقاً في الجيش الإسرائيلي، قبل أن تتحول إلى واحدة من أكبر شركات الأمن السيبراني المدرجة في بورصة ناسداك.
أما في مجال اختبار الاختراقات واكتشاف الثغرات الأمنية، فتقدم Spire حلول شركة Pentera، التي تطور منصات تحاكي الهجمات الإلكترونية بصورة آلية لقياس قدرة الشبكات على الصمود أمام الاختراقات.
يقود الشركة أميتاي راتزون، بينما سبق لمؤسسها أريك ليبرزون الخدمة في الوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وهي الوحدة التي خرج منها عدد كبير من مؤسسي شركات الأمن السيبراني الإسرائيلية.
وفي طبقة رصد الهجمات والاستجابة للحوادث السيبرانية، تعتمد الشركة على حلول XM Cyber وMitiga. وتختص XM Cyber بمحاكاة مسارات الاختراق وتحليل المخاطر داخل الشبكات، وقد أسسها الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تامير باردو إلى جانب ضباط سابقين في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.
أما "Mitiga"، فتقدم منصات متخصصة في الاستجابة للحوادث داخل البيئات السحابية، وقد أسسها أيضاً مسؤولون سابقون في قطاع الأمن السيبراني الإسرائيلي.
ولا تقتصر المنظومة على حماية الشبكات، بل تشمل أيضاً رصد حملات التضليل الرقمي وتحليل المحتوى المنسق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو المجال الذي تعمل فيه شركة Cyabra.
وتطور الشركة أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الحسابات الوهمية، وتحليل الشبكات الرقمية، ورصد الحملات المنسقة، وهي تقنيات تستخدمها مؤسسات حكومية وشركات خاصة لمراقبة الفضاء الرقمي وتحليل التفاعلات على المنصات الاجتماعية.
لا تنفرد "Spire Solutions" بهذا الدور، إذ أظهرت الوثائق التي راجعها "عربي بوست" أن شركات إماراتية أخرى، مثل Gulf IT وMEA Tec وiConnect IT Business Solutions، أبرمت بدورها اتفاقيات توزيع أو شراكات مع شركات إسرائيلية متخصصة في الأمن السيبراني، والبنية السحابية، وإدارة البيانات.
يعني ذلك أن التكنولوجيا الإسرائيلية لا تصل إلى عدد من الأسواق العربية والأفريقية مباشرة من الشركات المطورة، وإنما عبر شركات إماراتية تتولى دمجها ضمن مشاريع التحول الرقمي، وتقديم خدمات التشغيل، والصيانة، والتكامل التقني.
يكشف هذا النموذج عن تحول نوعي في موقع الإمارات داخل سوق التكنولوجيا الإقليمية. فبعد أن كانت تعتمد على استيراد الحلول الأمنية، أصبحت تؤدي دوراً يتجاوز الاستهلاك إلى إعادة التوزيع والتشغيل والتكامل، مستفيدة من بنيتها الرقمية، وموقعها كمركز إقليمي للشركات متعددة الجنسيات، وعلاقاتها التجارية الواسعة مع الحكومات في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.
لا تعني هذه الشراكات، في حد ذاتها، أن جميع الشركات الإسرائيلية تعمل لحساب الحكومة الإسرائيلية، أو أن استخدام منتجاتها يفضي تلقائياً إلى نقل البيانات إلى إسرائيل، إذ لم يعثر "عربي بوست" على أدلة تثبت ذلك.
لكن تتبع هيكل هذه الشبكة يكشف أن الإمارات أصبحت خلال سنوات قليلة حلقة رئيسية في انتقال التكنولوجيا الإسرائيلية إلى المنطقة، سواء عبر الاستثمار، أو التشغيل، أو إعادة التسويق، في نموذج يختلف عن العلاقة التقليدية بين المورد والمشتري، ويعكس تشكّل منظومة تقنية عابرة للحدود.
مع اكتمال هذه الخيوط، من مشاريع الأمن السري قبل اتفاقات أبراهام، إلى شراكات الذكاء الاصطناعي، ثم البنية السحابية والأمن السيبراني، وصولاً إلى إعادة تصدير التكنولوجيا، تبرز صورة أشمل لطبيعة هذا التعاون. وهي الصورة التي يحاول المحور الأخير استخلاص دلالاتها، وما تعنيه بالنسبة لمستقبل السيادة الرقمية في المنطقة.
ماذا تكشف خريطة الشراكات الإماراتية الإسرائيلية؟
يكشف تتبع العقود، وسجلات الشركات، والإفصاحات المالية، والمواد التسويقية، والشراكات التي استعرضها هذا التحقيق أن العلاقة بين الإمارات وشركات التكنولوجيا الإسرائيلية لم تعد تقتصر على صفقات منفردة أو تعاونات تجارية محدودة.
فما بدأ قبل أكثر من عقد عبر مشاريع أمنية نفذتها شركات خاصة بعيداً عن الأضواء، تطور تدريجياً إلى منظومة متكاملة تمتد من الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والحوسبة السحابية، إلى الأمن السيبراني، قبل أن تتحول الإمارات إلى مركز إقليمي لإعادة توزيع هذه التقنيات في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.
وتُظهر خريطة هذه المنظومة أن التعاون لم يعد يقوم على شركة واحدة أو مشروع بعينه، بل على شبكة مترابطة تتوزع فيها الأدوار بين عدة مستويات.
فشركات مثل "Presight" تطور تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، بينما توفر Core42 البنية السحابية اللازمة لتشغيلها، وتتولى شركات مثل CPX وBeacon Red حماية هذه البيئات الرقمية، في حين توفر شركات إسرائيلية متخصصة تقنيات التخزين، وإدارة البيانات، وحماية الهويات الرقمية، واختبار الاختراقات، والاستجابة للهجمات الإلكترونية.
في المرحلة الأخيرة، تتولى شركات إماراتية مثل Spire Solutions وGulf IT وMEA Tec وiConnect IT Business Solutions إعادة دمج هذه الحلول وتسويقها في أسواق إقليمية. وبهذا أصبحت الإمارات حلقة مركزية تربط بين مطوري التكنولوجيا ومستخدميها في المنطقة.
كما يكشف التحقيق عن نمط متكرر في خلفيات عدد من الشركات الإسرائيلية المشاركة في هذه المنظومة، إذ أظهر تتبع "عربي بوست" للسير المهنية للمؤسسين والمديرين التنفيذيين أن عدداً منهم سبق أن خدم في وحدات عسكرية أو استخباراتية إسرائيلية، وفي مقدمتها الوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية، أو في شركات دفاعية مثل Rafael Advanced Defense Systems.
ولا يثبت هذا الأمر، في حد ذاته، أن هذه الشركات تعمل لصالح الحكومة الإسرائيلية أو أن منتجاتها تتضمن وظائف استخباراتية، إذ لم يعثر التحقيق على أدلة تؤكد ذلك، لكنه يعكس العلاقة الوثيقة بين قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي والخبرات التي نشأت داخل المؤسسة العسكرية والأمنية قبل انتقالها إلى القطاع الخاص.
في المقابل، تكشف المشاريع التي استعرضها التحقيق أن الإمارات لم تعد تعتمد على استيراد التكنولوجيا فحسب، بل أصبحت تستثمر في تطويرها، وتشغيلها، وإعادة تصديرها.
ويمنحها هذا النموذج موقعاً يتجاوز كونها سوقاً للتقنيات المتقدمة، لتصبح مركزاً إقليمياً لإدارة جزء من دورة هذه التكنولوجيا، بدءاً من تطوير التطبيقات، مروراً بالبنية السحابية والأمن السيبراني، وصولاً إلى التسويق والتكامل التقني في مشاريع حكومية داخل المنطقة.
ويطرح هذا التحول، في الوقت نفسه، أسئلة تتعلق بمستقبل السيادة الرقمية في الشرق الأوسط، خصوصاً مع توسع اعتماد الحكومات على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية في إدارة القطاعات الحيوية.
فكلما ازداد الاعتماد على هذه المنظومات، تزداد أهمية معرفة الجهات التي تطورها، والكيانات التي تدير بنيتها التحتية، والشركات التي توفر أدوات حمايتها، وآليات الحوكمة والرقابة التي تنظم عملها.
لا يخلص هذا التحقيق إلى إصدار أحكام بشأن مشروعية التعاون التقني بين الشركات الإماراتية والإسرائيلية، كما لا يدعي وجود أدلة على نقل بيانات حكومية أو شخصية إلى جهات إسرائيلية.
وإنما يرسم، استناداً إلى وثائق وسجلات وشراكات معلنة، خريطة لمسار هذه التكنولوجيا منذ دخولها الإمارات عبر مشاريع أمنية قبل اتفاقات أبراهام، مروراً باندماجها في البنية الرقمية للدولة، وصولاً إلى تحول الإمارات إلى منصة إقليمية لإعادة تصديرها إلى أسواق عربية وأفريقية وآسيوية.
تكشف هذه الخريطة أن التحول الذي شهدته العلاقات الإماراتية الإسرائيلية لم يقتصر على التطبيع السياسي أو الاقتصادي، بل امتد إلى المجال الرقمي، حيث أصبحت الشراكات التقنية جزءاً من بنية أوسع تتداخل فيها الاستثمارات، والبنية التحتية، والخبرات، وسلاسل التوريد التكنولوجية.
وبينما تتسارع مشاريع الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني في المنطقة، تبقى هذه الشبكات مرشحة لمزيد من التوسع، بما يجعل النقاش حول الشفافية، وحوكمة البيانات، والسيادة الرقمية أكثر إلحاحاً خلال السنوات المقبلة.