تفاصيل حملة رقمية واسعة مرتبطة بدولة عربية دعمت ضرب إيران مع بدء الهجوم الأمريكي

عربي بوست
تم النشر: 2026/04/22 الساعة 13:54 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/04/22 الساعة 13:54 بتوقيت غرينتش
حسابات مشبوهة شنت حملة رقمية مؤيدة للهجوم على إيران/ عربي بوست

بينما كانت ألسنة اللهب تتصاعد مع انطلاق الحرب على إيران في 28 فبراير/ شباط 2026، اندلعت في الفضاء الرقمي "حرب موازية" لا تقل شراسة. خلال ساعات، غصت منصة "إكس" بحملة منظمة ذات صبغة طائفية حادة، توحدت خلف وسم "العدو_الفارسي_العنصري"؛ في مشهد بدا كأنه تأييد شعبي عفوي. وغاص "عربي بوست" في كواليس هذه البيانات ليكشف وجهاً آخر للحقيقة.

اعتمد فريق التحقيقات على أدوات تحليل البيانات الضخمة، وتم حصر التفاعلات المرتبطة بالوسم وفحصها عبر تقنيات تحليل الشبكات المعقدة، وبالاستعانة بميزة "الشفافية" وتتبع البصمات الرقمية لمواقع الحسابات، استطاع التحقيق تفكيك شيفرة التعاون المنظم بين آلاف الحسابات التي تدعي هويات سورية وخليجية، وتعمل في تناغم آلي لإعادة نشر رسائل تحريضية موحدة.

تكشف لغة الأرقام الصادمة عن "هندسة" متعمدة للمشهد، إذ لم تتجاوز نسبة المحتوى الأصلي في الحملة 3.5% فقط، بينما اكتسحت عمليات إعادة التدوير (Retweets) المشهد بنسبة بلغت 95%. هذا الاختلال بين صناعة المحتوى وتضخيمه يقطع الشك باليقين بأننا لسنا أمام تفاعل بشري طبيعي، بل أمام عملية "تضخيم رقمي منسق" تهدف إلى توجيه الرأي العام.

وكشف تحليل "شفافية الحسابات" أن الخيوط الجغرافية لهذه الحملة تمتد بشكل رئيسي إلى منطقة الخليج، وتحديداً دولة الإمارات، رغم محاولات التخفي خلف هويات متنوعة، ومن خلال تشريح هيكلية المحتوى، يضع هذا التحقيق بين أيديكم الأدلة الكاملة على كيفية تدوير الرسائل السياسية وتوجيهها ضمن نمط سلوكي منظم، يعكس آليات عمل "لجان إلكترونية" احترفت إدارة الصراعات عبر الشاشات.

تشريح الحملة يكشف عن أرقام صادمة

لم تكن الحملة الرقمية التي واكبت الهجوم العسكري على إيران مجرد رد فعل عفوي، بل بدت وكأنها "غرفة عمليات" تم ضبط ساعتها بدقة متناهية. بدأت أولى الرسائل الممنهجة في صبيحة يوم 28 فبراير/ شباط 2026، وهي الساعات الأولى لبدء الحرب على إيران، حيث أطلق حساب يحمل اسم "@The_Dimashqi" (منتحلاً هوية سورية) إشارة البدء.

تضمن المنشور وسوماً محددة بعناية هي: #حرب_تحرير_إيران و#العدو_الفارسي_العنصري، والشيء المثير الذي رصده فريق التحقيق هو أنه بعد ثوانٍ قليلة فقط من هذا المنشور، قامت حسابات أخرى، تتحرك جغرافياً بين سوريا وغرب آسيا، بإعادة نشر المحتوى ذاته، ما يقطع الشك باليقين بوجود تنسيق مسبق وتوزيع أدوار في توقيت النشر.

توالت بعد ذلك عشرات الحسابات، لا سيما تلك التي تظهر بهوية خليجية، لتبني ذات الوسوم والدعوة الصريحة لتأييد العملية العسكرية، وبحسب أدوات قياس البيانات، فقد سجلت الحملة "ذروة انفجارية" في 8 مارس/ آذار، حيث وصل معدل التغريد في يوم واحد إلى نحو 1400 منشور، نجحت في تحقيق انتشار هائل تجاوز 11 مليون ظهور (Reach) تقريباً.

وعلى مدار أيام الحرب على إيران، أحصى التحليل إجمالي منشورات بلغ قرابة 4500 تغريدة، ولدت تفاعلاً مباشراً (إعجاب، تعليق، إعادة نشر) وصل إلى 29 ألف تفاعل، بينما قفز حجم الوصول الإجمالي إلى رقم ضخم بلغ 25 مليوناً و494 ألف ظهور.

وبمقارنة حجم التفاعل بعدد المنشورات، يتضح لنا أننا أمام أرقام غير طبيعية تدعم فرضية "التنسيق المتعمد"، إذ تتماشى هذه المعطيات مع أنماط الحملات الموجهة التي تعتمد على دفع المحتوى ليتصدر المشهد عبر إعادة النشر المكثف.

أما من حيث هيكلية المحتوى، فقد كشفت الأدوات التحليلية عن هيمنة "الوسائط" على "النصوص"؛ إذ احتوت 55% من المنشورات على مقاطع فيديو، و27% على صور، بينما لم تشكل التغريدات النصية سوى 18%. والأخطر من ذلك هو أن نسبة المحتوى الأصلي لم تتجاوز 3.5%، مقابل اكتساح عمليات إعادة النشر (Retweets) بنسبة 95%.

هذه النسب ترجح أن الحملة اعتمدت استراتيجية "تضخم الوسم" عبر تدوير مقاطع وفيديوهات تم إعدادها مسبقاً في مطابخ إعلامية، وهو نهج "وظيفي" يهدف لتسويق رواية معينة، مستغلاً الأحداث الميدانية، مثل إطلاق إيران لصواريخ، لتغذية البعد الطائفي وتصوير طهران كعدو أزلي للمنطقة.

"أقنعة" سورية بقلب خليجي ونمط واحد

كشف تحليل "عربي بوست" للبيانات عن قائمة "الرؤوس الفاعلة" في هذه الحملة التي واكبت بدء الحرب على إيران، حيث برزت شبكة من الحسابات تعمل بانسجام مريب، تتصدرها حسابات سورية وأخرى خليجية.

كان الحساب @The_Damascene22 هو الأكثر ضخاً برصيد 73 منشوراً، وبالتدقيق في سجله، تبين أنه حساب حديث النشأة (أُنشئ عام 2022)، يتبنى هوية سورية ويركز نشاطه بالكامل على تصوير إيران كعدو أزلي للمسلمين، مع استخدام لغة طائفية حادة ونابية.

لكن "القناع السوري" سقط أمام ميزة "شفافية الحساب"، التي كشفت أن هذا الحساب ينشط فعلياً من منطقة غرب آسيا (وتحديداً الإمارات)، وهو ما يفسر تقاطعه مع منشورات سابقة له دافعت بشراسة عن السياسات الإماراتية، بل وذهبت للمطالبة بتولي أبوظبي إدارة ملفات إقليمية في غزة وسوريا واليمن.

وعلى ذات المنوال، سار حساب آخر باسم "The Damascene (@The_Dimashqi)"، أُنشئ عام 2021، وبدا كنسخة كربونية من الحساب الأول، حيث أعاد نشر ذات المضامين حرفياً بـ 72 تغريدة مشبعة بخطاب كراهية يصف الإيرانيين بـ "المجوس والعلوج"، مع تأكيد بيانات الشفافية أنه يدار أيضاً من قلب منطقة الخليج (الإمارات).

لم تتوقف الشبكة عند هذا الحد، بل برزت حسابات تدعي الهوية الكويتية، مثل حساب @fahadddd38kwt (فهد إخوان مريم 2)، الذي نشر 59 منشوراً مؤيداً للهجوم بأسماء وصور وهمية، ورغم ادعاء موقعه الرسمي في الكويت، إلا أن تحليل الشفافية كشف عن نشاطه من الخليج وتسجيل دخوله من الولايات المتحدة.

هذا الحساب يرتبط عضوياً بحساب @fahadddd83، الذي شارك بـ 58 تغريدة مماثلة، والمثير للدهشة أن هذا الأخير قام بتغيير اسم المستخدم الخاص به 5 مرات خلال فترة وجيزة حتى توثيقه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.

وانضمت لهذه الحملة حسابات أخرى مثل @dardoooor (كويتي النشأة بـ 51 منشوراً) و@nahar1977 (خليجي بـ 44 منشوراً)، وكلاهما استخدم أسماء غير حقيقية، وكشفت بيانات المنصة أنهما ينشطان أيضاً من منطقة غرب آسيا، ما يعزز الارتباط بتنسيق مركزي داخل دولة خليجية بعينها.

الخلاصة أننا أمام "أذرع رقمية" متنقلة تتبادل الأدوار، حسابات سورية "وظيفية" تبث خطاباً تحريضياً من الإمارات، وحسابات خليجية مموهة تترجم ذات الأجندة السياسية.

هذا التقاطع في الأهداف، بدءاً من شيطنة إيران وصولاً إلى الإشادة بـ "تحريرها" المزعوم، يؤكد أننا أمام حملة تضليل دولية منسقة، تستخدم آلاف الحسابات لرفع "هاشتاجات" أيديولوجية مصطنعة تخدم مآرب سياسية واضحة في صراع القوى الإقليمي.

الحملة بعد وقف الحرب على إيران وتحول الخطاب

لم تتوقف الحملة مع إعلان هدنة مؤقتة في 8 أبريل/ نيسان، ففي النصف الثاني من شهر مارس/ آذار والأسبوع الأول من أبريل/ نيسان 2026 استمرت الحسابات ذاتها بنشر التغريدات الداعمة، وإن كان العدد اليومي منها أقل.

سجلت فترة ما بعد إعلان الهدنة انخفاضاً في وتيرة النشر، إلا أن الرسائل الجديدة ركّزت على مواضيع مختلفة في الخطاب، خصوصاً تصنيف إيران كخصم أساسي لدول الخليج.

على سبيل المثال، برز خلال تلك المرحلة وسم #تطهير_لبنان_من_حزب_اللات (اللات تسمية ازدرائية لحزب الله)، تبعه وسم #العدوان_الإيراني_الجبان_الغاشم، ثم #العدو_الإيراني و"#إيران_هي_العدو"، وتشير هذه الوسوم إلى تحول الحملة نحو مضمون أكثر تشدداً وإقحاماً للنزاعات الإقليمية الأخرى.

وكشف تحليل سحابة الكلمات (Word Cloud) للمنشورات أن العبارات الأكثر ظهوراً كانت: "تطهير لبنان من حزب الله" و"دول الخليج" و"العدوان الإيراني"، تزامناً مع تصاعد الاشتباكات في جنوب لبنان بين حزب الله وإسرائيل، بالمقابل اختفت أي إشارة للعدوان الأمريكي-الإسرائيلي نفسه من محتوى تلك التغريدات.

على الرغم من قلة عدد التغريدات في هذه المرحلة، إلا أن الحملة حافظت على حضور رقمي، ففي 12 و13 أبريل/ نيسان عادت الوسوم للظهور بغطاء جديد، وجلبت منشورات قليلة نسبياً (انخفض عددها) لكنها حققت حوالي 461 ألف ظهور وتفاعلاً ملحوظاً (حوالي 658 تفاعلاً).

هذا يدل على أن شبكة الحسابات المضخمة ما زالت تعمل بشكل دوري حتى بعد تراجع العمليات العسكرية، ويظهر هذا التوجه تزامناً مع محاولات إشراك خصوم إيران الإقليميين (مثل حزب الله أو فتح معارك في لبنان) في الخطاب، كما لو أن الحملة انتقلت إلى توظيف أي مستجد سياسي لتعزيز روايتها الموجهة.

بشكل عام، يؤكد استمرار الحملة أن الشبكة لم تكن على صلة مباشرة بالعمليات الحربية فقط، بل تابعت أي فرصة إعلامية في المنطقة. وقد أشار مراقبون إلى أن هذه الحملة استهدفت إحداث مصدر ضغط دائم على طهران، عبر تصويرها كهدف متكرر لدول الخليج، مقابل التأكيد على الحاجة إلى "إدارة خليجية" للتهديد الإيراني.

الحساب المركزي والشبكة المنظمة

كشف تحليل الشبكة الكاملة للمنشورات أن الحملة التي واكبت الحرب على إيران اتّبعت نموذج البث المركزي. فإذا مثّلنا الحسابات بنقاط وروابط إعادة النشر كضلع، تبين وجود عقدة واحدة مركزية يقف خلف نشر معظم المحتوى.

هذا الحساب هو @fahadddd83 (فهد (اخوان مريم))، الذي سبق ذكره كشريك في الحملة، وهو حساب كويتي حديث (بدأ نشاطه فعلياً في مايو/ أيار 2024) يقوم بدور الناشر الرئيسي للمحتوى التحريضي.

الجدير بالملاحظة أنه لا يستخدم اسماً حقيقياً أو صورة شخصية، وحتى اسمه تغيّر 5 مرات منذ إنشائه، وقد خضع للتوثيق الرسمي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025. ويشير تحليل تغريداته منذ نشاطه إلى أنه ليس حساباً شخصياً، بل مخصص للترويج السياسي، حيث ينشر محتوى دعائياً دافعاً لصالح دول الخليج ضد حزب الله وإيران.

تمحورت تغريدات هذا الحساب حول ثنائيات "حزب الله _ إرهاب" و"إيران _ طائفية"، مدعياً أنها تُشكل تهديداً على المنطقة. كما دعم صراحة القصف الإسرائيلي على مواقع حزب الله (خلال حرب "الإسناد" التي أعلنها الأخير دعماً لغزة)، بينما لم يَصدر عن الحساب أي إدانات لجرائم إسرائيل.

بل إن خطابه اختزل طابعياً الصراع بـ "الحرب على الإرهاب الإيراني" و"الدفاع عن الخليج"، واستخدم أوصافاً تشبه الخطاب الإسرائيلي نفسه.

وقد توزّعت حسابات شبكة البث حوله بحيث كانت تعيد نشر تغريداته دون تعديل، كأنها مجرد مضخمات. يجدر التذكير بأنه حتى في حملات إخبارية سابقة في المنطقة تم رصد حسابات مماثلة تؤدي وظيفة "النقطة المركزية" في شبكات تضخيم المحتوى.

تنبع قوة حساب @fahadddd83 وما شابهه من حسابات "بديلة" (مثل @fahadddd38kwt) من امتلاكها أعداداً كبيرة من المتابعين وشبكات إعادة نشر منظمة.

ووفق بيانات التحقيق، استقبلت تغريداتها الحديثة حتى ملايين المشاهدات بالتنسيق مع الحسابات المتحالفة معها، ما أتاح لها ضمان انتشار كبير لرسائل الحملة وتجنّب مظاهر "التريّث" أو الجمود.

في الوقت ذاته، تشير هذه البيانات إلى أن المدفوع وراء الحسابات المركزية هو جهاز دعاية رسمي أو شبه رسمي، يعمل على بث رواية موحّدة عبر أدوات رقمية متطورة، وهذا ما تؤكده تحليلات أخرى: فقد وجد تحقيق مستقل أن أقل من 6% من محتوى الحملة أصلي، وأن الحسابات المعتمدة تشابهت في نمطها التشغيلي والتوجيهي.

يبيّن هذا التحقيق أن الحرب الإعلامية ترافق الحرب العسكرية في الخليج، ومن خلال جمع البيانات وتحليلها، اكتشفنا شبكة معقدة من الحسابات المترابطة التي تولت تضخيم موقف محدد، مستخدمة أدوات تقنية (مثل Meltwater وتحليل الشبكات) وتقنيات تضليل رقمي معروفة.

تحميل المزيد