“عربي بوست” يتتبّع ارتباط شركات إسرائيلية تتجسس على السيارات بخبرات استخباراتية رسمية.. بينهم موظفون بـ”الوحدة 8200″

عربي بوست
تم النشر: 2026/02/24 الساعة 13:30 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/02/24 الساعة 13:30 بتوقيت غرينتش
شركات إسرائيلية تمتلك تقنيات التجسس على السيارات، مرتبطة بخبرات استخباراتية رسمية - عربي بوست

أظهر تتبُّعٌ أجراه "عربي بوست" لشركات إسرائيلية تطوّر تقنيات للتجسس على السيارات، أن عدداً من مؤسسيها والعاملين فيها تربطهم، أو سبق أن ربطتهم، صلاتٌ بالوحدة الاستخباراتية الإسرائيلية المعروفة بـ"الوحدة 8200″، فيما بيّن رصدُ أنشطة هذه الشركات أن تقنياتها في مجالات التجسس والتعقّب والمراقبة موثّقةُ الاستخدام في عشرات الدول، من بينها دولٌ في الشرق الأوسط.

وتجدّد الجدل حول ما يُعرف بتقنية "استخبارات المركبات" (Carint – Car Intelligence)، عقب تقرير نشرته صحيفة "هآرتس" يوم 16 فبراير/ شباط 2026، وأفاد بأن شركات إسرائيلية تمتلك هذه التقنية، التي تتيح اختراق أنظمة الوسائط المتعددة في السيارات، والتنصّت على السائق، وتحديد الموقع الجغرافي للمركبة، وتتبع تحركاتها بدقة.

وبالاعتماد على المصادر المفتوحة وبيانات السجلات الرسمية الإسرائيلية الخاصة بتسجيل الشركات، تتبّعنا نشاط هذه الكيانات، وبحثنا في خلفيات مؤسسيها ومنتجاتها الأخرى في مجال الاستخبارات السيبرانية، ومدى انتشار تقنياتها عالمياً.

ومن اللافت أن الشركات الإسرائيلية ذات النشاط الاستخباراتي تحظى باهتمام لافت من وزارة الدفاع الإسرائيلية، التي تروّج لها عبر موقعها الإلكتروني، وتدعم مشاركتها في المؤتمرات الدولية المعنية بصناعة "المراقبة السيبرانية".

ولا يجري هذا الانتشار الواسع للتقنيات السيبرانية الإسرائيلية بعيداً عن أعين السلطات الإسرائيلية؛ إذ تخضع صادرات تقنيات المراقبة والاختراق والأمن السيبراني لآلية ترخيص مشددة، تفرض الحصول على موافقة مسبقة من وزارة الدفاع من خلال "وكالة مراقبة الصادرات الدفاعية". ووفق هذه الآلية، لا يُسمح لأي شركة إسرائيلية بتسويق أدوات متقدمة في هذه المجالات خارج البلاد من دون ضوء أخضر رسمي.

"Rayzone Group".. قيادات بخلفية استخباراتية 

في مقدمة الشركات الإسرائيلية المطوّرة لتقنيات "استخبارات المركبات" شركة إسرائيلية تُسمى Rayzone Group، التي تأسست عام 2010، وخلال السنوات الماضية احتلت الشركة موقعاً متقدماً بين الشركات الإسرائيلية البارزة في تطوير تقنيات المراقبة والاستخبارات السيبرانية، فيما تُستخدم منتجاتها في عدد من دول العالم.

تجسس على المركبات
تأسست شركة Rayzone عام 2010 وهي من الشركات البارزة في تقنيات المراقبة والتجسس – عربي بوست

تأسست "Rayzone" على يد 5 مؤسسين، هم: إران ريشيف، ويوهي بار زاكي، وماتان كاسبي، ورون زيلكا، ويارون إيلروم. ويُظهر ملف تعريفي للشركة منشور على موقع للحكومة الإسرائيلية أن الشركة "تصمم وتُصنّع حلول الأمن السيبراني والاستخبارات لصالح الجهات الحكومية والفدرالية".

ويُشير الملف ذاته إلى أن فريق عمل الشركة يستند إلى "خبرة واسعة وتجربة تشغيلية تراكمت في إطار عمل أجهزة الأمن السيبراني والاستخبارات الإسرائيلية"، وأن فريقها الميداني "يضم ضباط عمليات خاصة سابقين شاركوا في عمليات شديدة الحساسية"، مؤكداً أن الشركة توظف خبراتهم لتعزيز القدرات الميدانية لعملائها.

وتبرز هنا شخصية يوهي بار زاكي، الذي شغل سابقاً منصب نائب رئيس الوحدة الاستخباراتية الإسرائيلية النخبوية، المعروفة بـ"الوحدة 8200″، المتخصصة في الحرب الإلكترونية وعمليات التجسس السيبراني.

ويُظهر حساب بار زاكي على موقع "لينكد إن" أنه يشغل حالياً منصب رئيس شركة "Rayzone"، كما تُظهر بياناته أنه عمل نائباً لرئيس الوحدة 8200 بين عامي 2010 و2012، وهي الفترة نفسها التي كانت الشركة خلالها تخطو سنواتها التأسيسية الأولى.

أيضاً يضم فريق مؤسسي الشركة شخصيتين مثيرتين للجدل، وهما إران ريشيف وماتان كاسبي، اللذان ارتبط اسمهما سابقاً بصفقة أُبرمت عام 2011، وباعت خلالها شركة NSO الإسرائيلية برنامجها المتقدم للاختراق "بيغاسوس" إلى جيش دولة أجنبية، فيما فرض القضاء الإسرائيلي حينها أمر حظر نشر على اسم الدولة المعنية.

لا تقتصر الصلة مع "الوحدة 8200" على المؤسسين فقط، إذ أظهرت مراجعة أجراها "عربي بوست" لحسابات عدد من موظفي الشركة على موقع "لينكد إن" أن الخلفية المهنية داخل الوحدة تتكرر لدى عدد من العاملين في مواقع تقنية وإدارية.

وتتوزع هذه الصلة بين من خدموا في الوحدة سابقاً قبل انتقالهم إلى القطاع الخاص، وآخرين تشير بياناتهم إلى استمرار ارتباطهم بها بالتوازي مع عملهم في الشركة.

من بين هؤلاء بين روزين، الذي يشغل منصب قائد فريق ومهندس برمجيات في شركة "Rayzone". وبحسب بيانات حسابه على "لينكد إن"، يتولى في الوقت ذاته منصباً قيادياً في الوحدة 8200، ما يكشف عن تداخل زمني بين دوره في الشركة الخاصة ومنصبه داخل الوحدة الاستخباراتية، ويعكس تقاطعاً مباشراً بين القطاع العسكري الاستخباراتي الرسمي في إسرائيل والقطاع الخاص العامل في المجال نفسه.

تجسس على السيارات
بن روزين قائد فريق ومهندس برمجيات في شركة "Rayzone"، وبذات الوقت لديه ارتباط مع الوحدة 8200 الإسرائيلية

لا تعمل الشركات الإسرائيلية المتخصصة في مجالات التجسس والتتبع والاختراق بمعزل عن الجهات الرسمية في إسرائيل، فهي تحظى بدعم رسمي واضح من قبل وزارة الدفاع الإسرائيلية، التي تصطحب معها عادةً عشرات الشركات الإسرائيلية السيبرانية للمشاركة في مؤتمرات تُعقد حول العالم للترويج لأحدث التقنيات في المجال السيبراني.

تبرز هنا شركة "Rayzone" من بين تلك الشركات التي تحظى بتبنٍّ حكومي لافت، ويبرز اسم الشركة ضمن نشاط وزارة الدفاع الإسرائيلية في الترويج الخارجي للصناعات الأمنية.

ومن المقرر أن تعرض الشركة الإسرائيلية تقنيتها في مراقبة المركبات خلال مؤتمر سيُعقد في سبتمبر/ أيلول 2026 في سنغافورة، حول دعم الاستخبارات للمراقبة الإلكترونية، ورصد وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت المظلم، وكشف التهديدات السيبرانية.

وتحظى تقنيات شركة "Rayzone Group" بانتشار واسع، إذ تقول الشركة إن لديها انتشاراً في أكثر من 60 دولة حول العالم، وأن لديها 100 عميل، من دون أن تكشف تفاصيل تتعلق بهوية هؤلاء العملاء أو الدول التي تُستخدم فيها أدواتها.

غير أن بيانات "منظمة الرقابة" التي تتبع انتشار وتوسع صناعة المراقبة والتجسس حول العالم تشير إلى أن تقنيات الشركة المختلفة للتجسس والتتبع والمراقبة استُخدمت في دول العالم، موزعة على 4 قارات (إفريقيا – أوروبا – آسيا – أمريكا الشمالية).

تمتلك الشركة العديد من أدوات التجسس والمراقبة والتتبع، مثل نظام "جيوماتريكس" لتحديد الموقع الجغرافي للأشخاص، وأنظمة اعتراض لمزودي خدمة الإنترنت، وتعقّب بيانات المستخدمين لشبكات الهواتف المحمولة.

كذلك تُظهر عروض تقديمية خاصة بالشركة، منشورة على شبكة الإنترنت، لمحات محدودة عن أنظمة المراقبة التي تطورها، من بينها نظام يحمل اسم "إيكو".

ووفق المواد التعريفية المتاحة، يتيح النظام مراقبة أي مستخدم للإنترنت في العالم من دون علمه أو موافقته، عبر اعتراض البيانات الوصفية لحركة الإنترنت، بدءاً من الجهاز المستخدم، مروراً بمزوّد خدمة الإنترنت، وصولاً إلى الخدمات السحابية.

ويعتمد النظام على جمع هذه البيانات الوصفية وتحليلها لبناء ملف تعريفي شامل لكل شخص، يتضمن اسمه وصورته وعنوانه ورقم هاتفه وبريده الإلكتروني وسجل تنقلاته بدقة أنظمة تحديد المواقع، فضلاً عن عاداته اليومية وأنماط سلوكه الرقمي، بما يتيح تكوين صورة تفصيلية عن نشاطه وتحركاته.

تجسس على السيارات
لقطات من برنامج التعقب "إيكو" الذي تمتلكه الشركة الإسرائيلية – عربي بوست

"توكا" الإسرائيلية واستخبارات المركبات 

إلى جانب شركة "Rayzone" يبرز اسم شركة إسرائيلية ثانية في مجال تقنيات استخبارات المركبات، وهي شركة Toka المتخصصة في تطوير البرمجيات التي يتم تقديمها للحكومات ووكالات إنفاذ القانون، كما أنها تساعد في بناء وإدارة منظومات القدرات السيبرانية.

ارتبط اسم شركة "توكا" في تقارير إسرائيلية بكونها شركة تمتلك تقنيات للتجسس والاختراق، بما في ذلك تقنية اختراق كاميرات المراقبة والقدرة على العبث بالوقت الظاهر أثناء التسجيل، والتعديل على المحتوى المخزَّن داخل الكاميرات. كما تمتلك منتجاً في مجال استخبارات المركبات يتيح التجسس على أصحابها.

تشير بيانات تسجيل الشركة إلى أنها تأسست عام 2018 على يد 4 مؤسسين، هم: يارون روزن، وكفير فالدمن، وألون كانتور، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك.

أظهر البحث في خلفيات مؤسسي الشركة ارتباطات سابقة بمؤسسات الاستخبارات الإسرائيلية، ففي مقابلة عُرضت على قناة شركة "توكا" على يوتيوب عام 2021، تحدث مؤسسو الشركة عن نشاطاتها.

خلال المقابلة، عرّف يارون روزن، أحد أبرز المؤسسين، نفسه بأنه شغل منصب "رئيس أركان السايبر في الجيش الإسرائيلي"، كما أظهر البحث وجود مقابلات وصور له تعود إلى فترة توليه ذلك المنصب ذي الطابع الاستخباراتي داخل الجيش.

يارون روزن الذي شغل منصب رئيس أركان السايبر في الجيش الإسرائيلي – يديعوت أحرنوت

وبرز اسم شركة "توكا" في الدفعة الأخيرة من ملفات إبستين التي أُفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية بداية فبراير/ شباط 2026، إذ ورد اسم الشركة في إطار المراسلات التي كانت تجري بين رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك والملياردير الأمريكي المدان بارتكاب انتهاكات جنسية جسيمة، جيفري إبستين.

في رسالة مؤرخة في 7 مايو/ أيار 2018، بعث باراك بريداً إلكترونياً إلى إبستين بعنوان: "نظرة استراتيجية حول توكا للعملاء"، وأبلغه بأنه أعد مواد مرفقة للترويج للشركة لدى كبار المسؤولين والرؤساء، موضحاً أن تلك المواد صيغت لتناسب الحكومات "بوصفها عملاء".

تجسس على السيارات
الرسالة التي بعثها إيهود باراك إلى إبستين بخصوص شركة "توكا" – ملفات إبستين – وزارة العدل الأمريكية – عريب بوست

"أتروس سيستمز".. اعتراض الإشارات من المركبات

أما الشركة الثالثة التي يبرز اسمها في مجال "استخبارات المركبات"، فهي "أتروس سيستمز" التي تأسست عام 2015، وتعرّف نفسها بأنها متخصصة في تطوير تقنيات الاستخبارات الإشارية (SIGINT)، أي "اعتراض وتحليل الإشارات الإلكترونية والاتصالات"، مثل شبكات الهاتف، والأجهزة المحمولة، والإنترنت.

وتقول الشركة إن لديها عشرات الأنظمة المثبتة في الأميركيتين وأوروبا والشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهادئ، كما توفر حلولاً وتقنيات يمكن توظيفها في مجال استخبارات المركبات.

يوجد لدى هذه الشركة منتج باسم "ONYX"، وهو عبارة عن أجهزة استشعار متخصصة في رصد إشارات الاتصالات واعتراضها، ويتميز هذا المنتج بمرونة كبيرة في تركيبه، إذ يمكن تثبيته على منصات متباينة كالسيارات الصغيرة وحقائب الظهر والطائرات المسيّرة والدراجات النارية والمروحيات والطائرات.

ومع تحوّل المركبات الحديثة إلى منصات اتصال متنقلة تبث إشارات باستمرار عبر شبكات الجيل 4 والجيل 5، والبلوتوث، والواي فاي، وبروتوكولات خاصة بالمركبات، فإن ما تقوم به أجهزة "ONYX" هو اعتراض هذه الإشارات وتحليلها، ويتيح ذلك إمكانية تحديد هوية المركبة، وتتبع مسارها، واستخلاص بيانات عنها من دون أي تدخل مادي مباشر.

وتعني مرونة نشر هذه الأجهزة على سيارات صغيرة أو دراجات نارية إمكانية تحويل أي مركبة عادية إلى وحدة استخباراتية متنقلة قادرة على مسح بيئتها الاتصالية أثناء الحركة.

وفي استقصاء سابق لـ"عربي بوست"، جرى تتبع انتشار تقنيات وبرمجيات المراقبة والتجسس التي طورتها شركات إسرائيلية حول العالم، وأظهرت البيانات المتاحة أن منتجات تلك الشركات استُخدمت في ما لا يقل عن 102 دولة حول العالم، لتكون بذلك واحدة من أوسع حالات انتشار أدوات سيبرانية عابرة للحدود.

وتُعد الأراضي الفلسطينية المحتلة من أكثر المناطق الجغرافية التي تُستخدم فيها تقنيات إسرائيلية للمراقبة والتجسس والتتبع، فيما تعتمد العديد من الدول حول العالم على التقنيات الإسرائيلية لأغراض متعددة تشمل قمع المعارضين والتجسس عليهم، وأغراض مواجهة الجريمة، ومراقبة الحدود، والتنصت والتجسس الرقمي.

تحميل المزيد