تراث مغاربي أندلسي مشترك.. “عربي بوست” في ضيافة صانعي “الزليج” بالجزائر

عربي بوست
تم النشر: 2022/11/02 الساعة 09:24 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/11/03 الساعة 08:45 بتوقيت غرينتش
الزليج الجزائري بقصر الباشا في الجزائر (خاص عربي بوست)

يُقبل فاروق الساكن في القبة بمحافظة الجزائر العاصمة، في بعض فترات السنة، على محال صناعة الزليج (البلاط) الموجودة في حي القصبة بالجزائر، من أجل شراء بعض القطع من هذه التحف الفنية المزخرفة باليد. 

يقول فاروق: "لا أكتفي بمحل واحد؛ لأن القصبة معروفة بكثير من الحرفيين الذين يعملون على ترجمة فنهم إلى زخرفة تسر الناظرين، والزليج (البلاط) من الصناعات التقليدية التي توارثناها في بيوتنا منذ القدم، لأنها تعطي طابعاً تقليدياً تاريخياً". 

"عربي بوست" وبغرض معرفة أسرار الزليج الجزائري توجه إلى حي القصبة ونقل أهم المعالم التي تحتوي على هذا البلاط الفني، إضافة إلى معلومات أخرى. 

الزليج في قصور القصبة

ما قاله فاروق جعلنا نتجه مباشرة إلى القصبة لمعاينة فن الزليج عن قرب، وأثناء تجولنا في هذا الحي الجزائري القديم قابلتنا قصور كبيرة تتميز بطابع التربيع وتمتاز أيضاً بأصالة مواد بنائها من خشب ثمين ورخام نقي مع مربعات زخرفية متنوعة.

على سبيل المثال يحتوي قصر مصطفى باشا في حي القصبة على 500 ألف مربعة خزفية رفيعة تكسو معظم جدرانه موزعة بطريقة جمالية رائعة. 

ولا يعد قصر مصطفى باشا الدار الوحيدة التي يكون فيها الزليج (البلاط) واجهة للداخلين إليها، بحيث تظهر جمالية خلابة تتماشى مع هذا الفن التقليدي الذي يرتكز على الألوان المتعددة والدقة في الرسم على البلاط.

وفي محاولة التقرب والبحث أكثر حول ماهية هذا الفن العمراني الذي تكتسي به عدة قصور جزائرية، اقترب "عربي بوست" من أستاذة الآثار الجزائرية سميرة أمبوعزة، والتي أخذتنا في جولة تاريخية بحثاً عن جذور هذا الفن المعماري الضارب في القدم بأنواعه المتعددة: الزخرفة الهندسية، والنباتية، والكتابية وغيرها.

وقالت أستاذة التاريخ إن الزخرفة الهندسية التي خلفت ضجة مؤخراً على مواقع التواصل الاجتماعي خاصة النجمة الثمانية، تثبت الشواهد المادية أنها موجودة في الجزائر منذ قرون وقرون، فنجد لوحة فسيفسائية عمرها يعود لـ1600 سنة بولاية سطيف.

وأضافت المتحدثة: نفس الزخارف نجدها في جدارية في متحف شرشال، وكذا في عمود رخامي في ولاية سطيف عمره يزيد عن ألفي سنة، مضيفة أن هذه الزخارف الهندسية موزعة عبر جداريات فسيفسائية عبر مختلف أرجاء الوطن لتؤكد: "وما الزليج إلا تطور الفسيفساء".

والزليج بحسب قاموس Larousse هو: قطعة من الخزف المطلي يستعمل في تبليط الأرضيات والجدران، في حين تلخص الأستاذة أمبوعزة تعريف الزليج المغاربي بأنه: عبارة عن قطع صغيرة من الخزف الملون تشبه الفسيفساء إلا أنه أكبر حجماً (2.5 سم فما فوق).

وإذا أسقطنا هذا التعريف في عملية البحث عن الزليج على المنطقة المغاربية والتراث المغاربي الإسلامي نجد هذا الفن يعود بنا إلى جزائر القرن الـ8 الميلادي، وبالضبط إلى الدولة الرستمية وعاصمتها ولاية تيارت الجزائرية، حيث كانت انطلاقة الفن العمراني.

ثم ننتقل إلى القرن 11 مع الدولة الزيرية التي اتخذت من المدية عاصمة لها، وبلغ حكمها مدينة غرناطة بالأندلس لتلقب بـ"غرناطة الزيرية آنذاك"، فعرفت توسعاً عمرانياً كبيراً، وتنوعاً فنياً ثرياً، لتظهر مختلف الفنون العمرانية سواء الزليج أو الزخارف الجصية أو الخشب والنحاس وغيرها.

وأبدع الزيريون في الفن الزخرفي الإسلامي، وانعكس ذلك بشكل كبير في الزليج ولقب بـ"الزليج الغرناطي"، ولا يزال موجوداً بمسجد قرطبة لليوم، إلا أنه أقل جودة من الموجود بقلعة بني حماد والذي عرف بإضافة مادة لامعة له.

حرفيو الزليج.. حراس الفن في قلب القصبة 

المتعة التي أحسها فريق "عربي بوست" والحيز الجمالي المسجل بعبق قصور القصبة التي تزينت بمختلف بلاطات الزليج، دفعتنا للتقرب من حرفيي هذا الفن المعماري.

وبالقصبة العليا استضافنا طارق تريكي الذي اعتادت أنامله مداعبة هذا الفن على مدار 27 سنة، والذي روى لـ"عربي بوست" كيف انتقل من الرسم إلى هذه المهنة ليتخصص في صناعة الخزف وعالم تحضير الألوان ومزجها ليشكل زخارف بهية لمختلف أنماط الزليج.

وكيف لا وهو أحد مُرممي قصر حسن باشا على مدار 500 متر مربع، بالإضافة إلى مساهمته في زخارف مطار الجزائر الدولي في العاصمة، وتمثال ماسينيسا في قلب العاصمة وميناء الجزائر، في انتظار أن تتجدد التجربة مع قصر دار السلطان أحد أهم معالم قصبة الجزائر. 

وفي جلسة هادئة يروي لنا مضيفنا كيف انتقل الزليج من عالم الطين الأصفر وأفران الحطب والألوان النباتية إلى المرحلة الحالية والتي تطغى عليها المواد الكيميائية واللعب على وتر درجات الحرارة بالأفران الحديثة.

ويستذكر الحرفي صاحب الأنامل الذهبية تريكي أولى خطواته في الميدان؛ عندها كانت صناعة الزليج تأخذ منحى آخر وتتطلب صبراً ودقة من نوع خاص من عاشقها الحرفي.. فبداية، عليه توفير الطين وتهيئته في أفران الحطب على درجة متوسطة، ويتم تحضير الزليج بألوان موحدة للقطعة ثم يتم نحتها ودمج القطع، وبعد أن تجف تتجسد القطعة النهائية.

ابن بطوطة والزليج الجزائري

وفي سياق البحث الكرونولوجي استندت أستاذة التاريخ أمبوعزة لشهادة الرحالة ابن بطوطة الذي يذكر في كتاباته الزليج الموجود بقلعة بني حماد؛ إذ يصفه الرحالة بأنه الأكثر دقة واحترافية وتطوراً لتميزه بلمعان سطحه.

وهذا ما يدعمه بحث أستاذ التاريخ محمد لخضر عولمي في مقاله "آراء حول الزليج في المغرب الإسلامي: ظهوره، صناعته وأنواعه"، والذي يُوضح أن الآثار الموجودة في الجزائر تكشف أن الزليج المتواجد على مستوى قلعة بني حماد بولاية المسيلة عاصمة الدولة الحمادية التي حكمت جزءاً من الجزائر في الفترة ما بين 1014 – 1152 يعد الأقدم.

وكشفت الحفريات عن استخدام الزليج في تبليط الأرضيات والجدران وحتى شبابيك النوافذ، وتُعد البلاطات المزخرفة التي كانت تزين الواجهة الجنوبية لمئذنة جامع القلعة أبرزها، إلى جانب أرضية القاعة الشرفية لقصر المنار الغربي لما تميزت به من فخامة ويطبعها زليج النجمة الثمانية.

أما في رواق الصحن الغربي فتم استعمال زليج يتكون من مربعات خضراء تحيط بها قطع سداسية الأضلاع وهو نفس التصميم الذي يوجد في مئذنة الكتبية ومئذنة جامعة القصبة في مراكش.

كما زينت نهاية البرج الرئيسي لمئذنة الكتبية بزليج يتكون من مربعات ذات لون أزرق داكن محاطة بمضلعات سداسية وتفصل بينها قضبان بيضاء رقيقة، وهو نفس التصميم المسجل في  قلعة بني حماد وهو نفسه تقريباً الذي سيتوسع استعماله في القرن الـ14 في أرضيات وجدران الأروقة في المدارس المرينية.

الزليج فن مغاربي موحد

وتُتابع مرافقة "عربي بوست" الأستاذة أمبوعزة أن الزليج ضارب في القدم لخارج حدود المنطقة المغاربية، فحول مدى انتشاره يروي ابن بطوطة أنه عاين في العراق زليجاً مثل نظيره الموجود في المغرب الإسلامي.

كما تم توثيق الزليج في بلاد فارس، ويُرجح الباحثون أنه عرف لأول مرة هناك ثم انتقل إلى بلاد ما بين النهرين، كما يروي ابن بطوطة أنه سجل وجود أنواع منه لدى الرومان والبيزنطيين على شكل قطع فخار ملونة. 

وكخلاصة تؤكد أستاذة الآثار سميرة أمبوعزة أن "الزليج خاصة الذي ظهر بين القرنين الـ11 والـ13، موجود في تونس، والمغرب والأندلس، وحتى في بلاد الشام، والعراق وإيران، ذلك أن هذه الدول كانت مطلعة كثيراً على الجانب الفني العمراني." 

أما بطابعه المغاربي فتضيف: "الزليج كفن معماري زخرفي هو فن مغاربي موحد، إلا أن لكل دولة لمستها الخاصة فيه حسب فنونها، فلا يقتصر على منطقة ولا مكان، فهو تراث مغاربي أندلسي مشترك، وإن كان انطلاقه في المنطقة يعود للدولة الزيرية التي تحدد حدودها حالياً ضمن الجزائر".

الزليج الهندسي والنباتي الأكثر انتشاراً 

والملاحظ لهذا الفن يجد أنه لا يقتصر على نوع أو شكل واحد، وهو ما استوضحه "عربي بوست"، حيث أكدت أستاذة الآثار سميرة أمبوعزة أن الزليج عدة أنواع، فهناك إلى جانب الزليج الهندسي، زخارف نباتية وأخرى حيوانية وكتابية، إلا أن الأكثر انتشاراً هي الهندسية والنباتية.

والآثار المتواجدة بتلمسان أكبر دليل، فقلعة المشور تهيمن عليها آثار الزليج الهندسي والتي تعود للقرن الـ13 ميلادي، ونفسها مُسجلة بالمدرسة التشفينية التي تعود للدولة الزيانية والمعتمدة حالياً كمتحف للفن والتاريخ، كما نجده بمتحف سطيف ومختلف المتاحف.

أيضاً، يُضاف لها زليج البلاط العثماني الذي يتميز بزخارفه النباتية، خاصة زهرة القرنفل وتميزه بكبر الحجم مقارنة بالعهد الزياني الذي استعمل بطريقة فسيفسائية (قراطي).

تحميل المزيد