في قصره الزجاجي في بيل إير، الحيّ الفاخر في غرب لوس أنجلِس، حيث يبدو الضوء نفسه خاضعاً للتصميم، يعيش الملياردير بيتر ثيل داخل مشهدٍ يليق تماماً بفكرته عن العالم: العلوّ، والعزلة، والسيطرة. من هناك، من هذا الصفاء المرتفع فوق مدينة مكتظّة بمن لا يملكون شيئاً من حصانته، يواصل أحد مؤسسي "باي بال"، وأول مستثمر خارجي في "فيسبوك"، والشريك المؤسس لـ"بالانتير"، تأمله في المشكلة التي تستبد به أكثر من أي شيء آخر: الموت.
فمع أنه أحد أغنى رجال العالم، وأحد عمالقة وادي السيليكون، وصانع ملوك في المعسكر المحافظ داخل أقوى إمبراطورية على وجه الأرض، يروي ثيل قصة حياته لا بوصفها سلسلة انتصارات، بل كسجلّ من الانتكاسات المحبطة. قائلاً : "هناك كل هذه الأشياء التي لا أستطيع أن أشتريها بمالي". وفي هذه الجملة المقتضبة ربما نجد ما يشبه اعترافاً من رجل فشل في ألّا يخضع، مثل سائر الناس، للقانون الوحيد الذي لا يشتريه رأس المال – الموت.
وللإنصاف، فثيل ليس وحده في هذا الهوس بين رجال طبقته. ففي وادي السيليكون، تراكم إلى جانب الثروات خيالٌ كامل عن هزيمة الفناء: لاري إليسون وصف الموت بأنه شيء غير مفهوم، وسيرغي برين تحدث عن "علاج الموت"، وغيرهما من أباطرة المال والتكنولوجيا نظروا إلى العمر البشري كما لو أنه مجرد سقف تقني قابل للرفع. لكن عند ثيل يتجاوز الأمر حدود النزوة النخبوية، ليتحول إلى هاجس شخصي يكاد يبتلع كل شيء.
فالرجل الذي موّل أدواتٍ تجعل العثور على الآخرين وتعقّبهم وقتلهم أكثر كفاءة، أمضى سنوات يموّل، في المقابل، محاولات تأجيل نهايته هو: من الحفظ بالتبريد، إلى أبحاث إطالة العمر، إلى أحلام الخلود التكنولوجي. كأن المسألة، في جوهرها، ليست كراهيةً للموت بقدر ما هي رفضٌ لأن يخضع له هو ومن يشبهونه من الأثرياء الأذكياء، كما يخضع له سائر الناس.
تلك، ربما، هي العقدة الأعمق في عالم بيتر ثيل: أن يكون الموت مقبولاً حين يهبط على آخرين بوصفه أثرًا جانبيًا للتكنولوجيا والسلطة، لكنه يغدو فضيحةً لا تُحتمل حين يقترب من صاحب القوة والمليارات نفسه.
من هنا يمكن البدء في قراءة بيتر ثيل، إذ لا يعود مجرد ملياردير غريب الأطوار من وادي السيليكون، بقدر ما يغدو صورةً مكثفة لعصر يُسخّر التقنية لإطالة حياة القلة، وزيادة القدرة على إدارة موت الآخرين في الوقت نفسه.
الخلود على طريقة أثرياء وادي السيليكون
في إحدى ليالي بالو ألتو، إحدى مدن مقاطعة سانتا كلارا، كاليفورنيا، في مطلع الألفية، حضر بيتر ثيل مع صديق له عرضاً عن مؤسسة تُدعى Alcor Life Extension Foundation، وهي منظمة أميركية تروّج لفكرة حفظ الأجساد بالتبريد بعد الوفاة على أمل أن يتمكن العلم مستقبلاً من إعادتها إلى الحياة. كانت الفكرة، حتى بمقاييس وادي السيليكون، أقرب إلى خيال مشبع بالهلع: تجميد الموتى حديثاً انتظاراً ليوم قد يصبح فيه بعثهم ممكناً.
لم يكن العرض متواضعاً في وعوده. فلم يتحدث أصحابه عن إنقاذ ما يمكن إنقاذه من جسد أنهكه الموت، بل عن مستقبل ستتعلم فيه البشرية، قبل أن تتقن إعادة الموتى، كيف تصلح الأغشية الخلوية، وترد إلى الجسد شبابه وقوته وفتنته، ثم تستدعيه من العدم كأن النهاية لم تكن سوى عطل مؤقت في النظام. خرج صديق ثيل من المكان فلم يرقه المشهد كله، إذ رآه كئيباً ومرضياً. أما ثيل، فسجّل اسمه عميلاً لدى "ألكور".
وبطبيعة الحال، لو كان له الخيار، لفضّل ثيل ألّا يموت أصلاً. فبحسب ما أورده بارتون غيلمان في مقالٍ نشرته مجلة The Atlantic بعد عدة مقابلات مع ثيل، أنه في العقد الأول من الألفية، افتُتن ثيل بأعمال أوبري دي غراي، عالم الشيخوخة الطبية الحيوية من إنجلترا، الذي كان يتنبأ بأن العلم سيمكن قريباً شخصاً ما من أن يعيش 1000 عام. وبحلول نهاية تلك المدة، سيكون علماء المستقبل قد ابتكروا وسيلة لتمديد الحياة أكثر من ذلك، وهكذا وصولاً إلى الخلود.
وقد منح ثيل عدة ملايين من الدولارات إلى Methuselah Foundation التابعة لدي غراي وإلى SENS Research Foundation، مساهمةً في تمويل جائزة مغرية لأي عالم يستطيع أن يطيل عمر الفئران إلى حدود غير طبيعية. وقد مُنحت 4 جوائز من هذا النوع، لكن لم تظهر بعدُ أي تطبيقات بشرية.
وحين بدا لثيل أن الجسد لا يُسلم أسراره بهذه السرعة، وأن وعود إطالة العمر ما تزال أبعد من أن تتحول إلى خلاص عملي قريب، انتقل خيال ثيل إلى مستوى آخر: من البيولوجيا إلى السياسة، ومن إصلاح الجسد إلى إعادة تصميم البيئة التي يعيش فيها الإنسان.
فتأسست Seasteading Institute عام 2008 لهذا الغرض، بدعم مبكر من بيتر ثيل، على أمل إنشاء مدن أو مجتمعات عائمة تتمتع بقدر واسع من الاستقلال القانوني والسياسي، ما يسمح باختبار قوانين ونماذج حكم جديدة خارج منطق السيادة التقليدية والديمقراطية الجماهيرية التي سئم منها ثيل.
لكن المشروع تعثر، ومع غياب التقدم العملي الملموس، فتر حماس ثيل له وانقطع دعمه المالي بحلول 2014. غير أن الفكرة نفسها لم تمت، بل انتقلت من البحر إلى البر، فمع تأسيس مؤسسة Pronomos Capital، التي دعمها ثيل أيضاً، أُعيدت صياغة الحلم في صورة "مدن ناشئة" ومناطق خاصة على البر، كما في Próspera في هندوراس وItana في نيجيريا، حيث لم يعد الهدف بناء مجتمع عائم خارج الدولة، بل إنشاء جيوب قانونية وتنظيمية أكثر مرونة وانتقائية داخل دول قائمة، ولكن بشروط أقرب إلى ما يفضله رأس المال التكنولوجي.

لكن خوف ثيل لم يكتفِ بهذه المخارج المؤسسية. فإلى جانب الاستثمار في فضاءات بديلة، اتجه أيضاً إلى شكل أكثر شخصانية من الهروب، عبر ملاذ جغرافي بعيد. فبرغم أنه يحمل أصلاً الجنسيتين الألمانية والأميركية، استثمر ملايين الدولارات في نيوزيلندا وحصل على جنسيتها عام 2011، ثم اشترى مزرعة أغنام سابقة تمتد على 477 فداناً في الجزيرة الجنوبية قليلة السكان، في مشهد يكاد يختصر خيال النجاة النخبوي في لحظة انهيار شامل.
فقد روى سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، في عام 2016 أنه، إذا وقعت كارثة عالمية، فإن خطته كانت أن يقضيها مع ثيل في ملاذه النيوزيلندي؛ وهي رواية أنكرها ثيل قائلاً إنه لا يتذكر الترتيب على النحو الذي يتذكره ألتمان.
وبعيداً عن خيالات الخلود ومحاولات الهروب، فإن ثيل، بحسب مجلة The Atlantic، يبدو أنه لم يفكر كثيراً في تبعات العمر المديد إلى هذا الحد على المجتمع، وما إذا نما عدد السكان بوتيرة أسرع من نمو الموارد والأرض نفسها. فأين سيعيش الجميع؟ وماذا سيفعلون لكسب رزقهم؟ وماذا سيأكلون ويشربون؟ ثم كيف سيُحتمل هذا كله؟ وهل سيغدو عمر 1000 سنة امتيازاً مقصوراً على الرجال والنساء شديدي الثراء؟
وعندما طُرحت على ثيل أسئلة من هذا القبيل، قال: "حسنًا، ربما أخدم مصلحتي الشخصية بهذا الكلام".
طفولة بيتر ثيل.. من العزلة إلى الأيديولوجيا
غير أن هوس ثيل بالخلود لا يمكن ردّه ببساطة إلى نزعة عدمية، ولا إلى نزوة متأخرة لرجل أفسدته الثروة. فثيل، على الأقل في الصورة التي يحب أن يقدّم بها نفسه، لا يرى مشروعه منفصلاً عن أفق أوسع من المعنى؛ إذ يقول إن المسيحية هي "المنشور الذي أنظر من خلاله إلى العالم كله". ولعل هذا ما يجعل هوسه بالخلود أقدم وأعقد من مجرد شهوة نخبوية طارئة، وكأنه ممتد، على نحو ما، إلى طفولته نفسها.
فقد وُلد بيتر ثيل في فرانكفورت بألمانيا عام 1967 لأسرة مسيحية. ويصف الصحافي ماكس شافكن، في كتابه "المخالف: بيتر ثيل وسعي وادي السيليكون إلى السلطة"، نشأته بأنها ذات طابع مسيحي محافظ، ويذكر أن والديه أصبحا لاحقاً "جمهوريين متعصبين". غير أن هذه الصورة ليست محسومة تمامًا؛ إذ أشارت مجلة The New Yorker إلى أن ثيل أنكر لاحقًا، تحديدًا فيما يتعلق بتوصيف والديه على هذا النحو الحاد.
غير أن صورته الأولى لم تتشكل في ألمانيا بقدر ما تشكلت في الترحال، وفي ذلك الشعور المبكر بعدم الاستقرار. فقد تنقلت أسرته بين الولايات المتحدة وجنوب غرب أفريقيا، أي ناميبيا قبل الاستقلال، قبل أن تستقر في كاليفورنيا. وهناك بدأت شخصية الفتى تتبلور في ثمانينيات القرن الماضي: طالباً موهوباً، ولاعب شطرنج، منطوياً، وقارئاً موهوساً بالخيال العلمي، وهدفاً متكرراً لتنمّر أقرانه.
ولم يكن الخيال العلمي عند ثيل ترفاً مبكراً، بل يبدو، في ضوء ما سيأتي لاحقاً، أشبه بلغة أولى لفهم العالم. فلقد كبر وهو يقرأ هذا الأدب بشراهة، وتحديداً الأعمال التي تجعل القوة والمعرفة والمصير الفردي أكبر من المجتمع والدولة والتقاليد. وفي هذا الجانب على الأقل، ثمة شبه واضح – ولو غير تام – مع نظيره إيلون ماسك؛ فكلاهما خرج من طفولة مشوبة بالعزلة والقراءة الكثيفة لأدب الخيال العلمي، وكلاهما سيصل لاحقاً إلى العالم نفسه، قبل أن يفترق كل منهما في طريقته الخاصة في تخيّل الخلاص التكنولوجي.
وحين وصل ثيل لدراسة الفلسفة في جامعة ستانفورد في عام 1985، اقترب من رينيه جيرار، الفيلسوف والأنثروبولوجي الفرنسي وأستاذ الأدب والفكر، الذي سيمنحه إحدى أهم مفاتيح عالمه الذهني.
إذ أخذ ثيل عن جيرار نظرية "الرغبة المحاكاتية"، والتي ترى أن الإنسان لا يرغب في الأشياء على نحوٍ خالص أو مستقل، بل يتعلم ما ينبغي أن يرغبه من خلال الآخرين. وبهذا المعنى، لا يكون التقليد مجرد آلية للتعلم الاجتماعي فقط، بل مصدراً للتنافس والصراع أيضاً، لأن الناس لا يتنازعون فقط على الأشياء، بل على المكانة التي تكشفها تلك الأشياء. ومن هنا تنشأ الخصومة، ويتكثف الحسد، ويظهر الميل إلى تفريغ العنف في كبش فداء.
يصعب المبالغة في أهمية هذا اللقاء. فثيل لم يتعامل مع جيرار بوصفه أستاذاً مهماً مرّ في حياته الجامعية، بل بوصفه مصدراً تفسيرياً ظل يعود إليه في السياسة، والثقافة، والاستثمار، وحتى في نظرته إلى العنف والنظام.
وبعد عامين فقط، حوّل ثيل هذا الاكتشاف الفكري إلى منصة. ففي 1987 أسس مع صديق له مجلة Stanford Review، وهي مجلة محافظة جاءت، في مناخ ستانفورد الليبرالي آنذاك، بوصفها إعلان خصومة مبكراً مع سياسات الهوية، والتعددية الثقافية، واليسار الأكاديمي.
وبالنسبة لثيل، لم يكن الأمر مجرد نشاط طلابي عابر؛ فمن خلالها، للمرة الأولى، بدأ ثيل يفعل ما سيفعله لاحقاً على نطاق أوسع بكثير: تحويل شعور شخصي بالاختلاف والضيق من الوسط المحيط إلى موقف أيديولوجي منظم، ثم إلى مشروع قوة. فلم يعد الصبي المنعزل يكتفي بتفسير العالم من الكتب؛ بل صار يريد أن يردّ عليه.
من السوق إلى السيادة
بعد حصوله على شهادة الحقوق من جامعة ستانفورد عام 1992، التحق ثيل بشركة سوليفان آند كرومويل، وهي شركة محاماة مرموقة. استقال بعد 7 أشهر. ثم عمل لفترة أطول قليلاً كمتداول مشتقات مالية في كريدي سويس فيرست بوسطن. ثم عاد ثيل إلى موطنه عام 1996، ليدخل عالم التكنولوجيا في اللحظة التي كان فيها الإنترنت يتحول من وعدٍ ثقافي إلى بنية اقتصادية كاملة، وهناك أسس شركة ثيل كابيتال برأس مال 1 مليون دولار من عائلته وأصدقائه.
وفي "باي بال" تعلّم درساً سيبقى معه طويلاً: القوة لا تأتي فقط من المنتج الذي يشتريه الناس، بل من النظام الذي يمرّون من خلاله. فبعد أن شارك ثيل في تأسيس "باي بال" وقيادتها قبل بيعها إلى "إيباي"، لم يعد مجرد رجل أعمال خرج بثروة كبيرة من صفقة ناجحة، بل صار هو ودائرته مما سُمّي عصابة "باي بال" من الأسماء التي لعبت دوراً حاسماً في تمويل عدد من أكثر شركات التكنولوجيا نفوذاً في العقدين الأخيرين.
فمن هذه الشبكة خرجت، أو تلقت دعماً مبكراً، شركات مثل "يوتيوب"، و"لينكد إن"، و"ييلب"، و"سبيس إكس"، و"تسلا موتورز"، فضلاً عن "فاوندرز فاند"، صندوق رأس المال المخاطر الذي ارتبط لاحقاً بسلسلة من الرهانات الناجحة والمؤثرة.
Peter Thiel on assembling the PayPal Mafia and the importance of working with people you like:
— Startup Archive (@StartupArchive_) April 27, 2025
"We didn't assemble a mafia by sorting through résumés and simply hiring the most talented people. I had seen the mixed results of that approach firsthand when I worked at a New York… https://t.co/fjRvj0W5F1
وأصبح ثيل بالتحديد أول مستثمر خارجي كبير في "فيسبوك"، قدّم رهانه على الشركة لاحقاً بوصفه رهاناً على جيرار نفسه: على المحاكاة، وعلى رغبة البشر في مراقبة بعضهم بعضاً، وتكرار بعضهم بعضاً، والتنافس على ما يراه الآخرون جديراً بالرغبة.
ولذلك لم يكن غريباً أن ينظر إليه مارك زوكربيرغ بوصفه أكثر من ممول مبكر، بل مستشاراً ثميناً. وقد قال عنه: "حين لا أكون راضياً عن سير الأمور، ولا أرى خيارات جيدة كثيرة، أستطيع أن أحصل على بعض النصائح بمجرد التحدث إليه. إنه مفيد للغاية.. خصوصاً عندما يتصل بك لأنه رأى شيئاً ما".
بيتر ثيل وكارل شميت.. المسيح الدجال في وادي السيليكون!
إلا أن هجمات 11 سبتمبر جاءت، فبدا أن كل ما كان يتخمّر في ذهن بيتر ثيل وجد موضوعه دفعة واحدة. ففي صيف 2004، وبعد أشهر قليلة من خروجه ثرياً من صفقة بيع "باي بال"، نظّم في جامعة ستانفورد ندوة صغيرة مغلقة بعنوان "السياسة ونهاية العالم". دعا ثيل إلى الندوة أسماء أكاديمية وفكرية بارزة، من بينها رينيه جيرار، وولفغانغ بالاور، الباحث في الفكر السياسي والديني، كما تكفّل بتمويل نشر أوراقها.
هناك قدّم ثيل ورقته بعنوان "اللحظة الشتراوسية"، في إشارة إلى الفيلسوف السياسي الألماني الأميركي ليو شتراوس، الذي أثّر في دوائر واسعة من المحافظين الأميركيين. وفي تلك الورقة ظهرت ملامح تحوله الفكري الأكثر حسمًا، حيث لم يعد يرى الليبرالية الغربية مجرد عالم متعب أو منافق، بل عالماً فقد القدرة على تسمية أعدائه، وعلى حماية نفسه، وعلى التفكير خارج لغة الحقوق والإجراءات والطمأنينة المؤسسية.
وكان يدعو إلى تبني "أفكار غريبة جديدة"، لكن هذه الأفكار كانت، في جوهرها، أقرب إلى كارل شميت منها إلى أي مصدر آخر؛ أي إلى ذلك المنظّر القانوني والسياسي الألماني الذي ارتبط اسمه لاحقاً بالنزعة السلطوية، وانضم إلى الحزب النازي بعد وصول هتلر إلى الحكم، حتى لُقّب في بعض القراءات بـ"الفيلسوف النازي".
وقد اشتهر شميت خصوصاً بتعريفه السياسة من خلال التمييز الحاد بين الصديق والعدو، وهو تصور ظل مثيراً للريبة والاتهام بسبب صلته الفكرية بالمناخ الذي شرعن الاستثناء والفاشية في أوروبا القرن العشرين.
في تلك الورقة، امتدح ثيل ما وصفه بـ"التصور الصلب للسياسي" عند شميت: عالمٌ يُجبَر فيه البشر على التمييز بين الصديق والعدو، وتكون فيه لحظة القرار السيادي أهم من طقوس الديمقراطية التمثيلية. وكتب أن "الوقائع العارية لـ11 سبتمبر تفرض إعادة فحص أسس السياسة الحديثة". وافترض أن شميت، لو واجه لحظة مثل 11 سبتمبر، لكان سيدعو إلى حملة صليبية مقدسة ضد الإسلام.
لكن الغرب، بدلاً من ذلك، كان، في ما بدا أنه موضع خوف ثيل، ينزلق إلى ما بعد السياسة نفسها، نحو إنشاء "تنظيم اقتصادي وتقني فاتر يحتضن العالم كله".
بل وانتقد ثيل "الآلة الدستورية الأمريكية" لكونها، حسب رؤيته، تعيق المسار المباشر إلى الأمام، وأن الفعل السياسي الحقيقي قد يحتاج إلى مسارات أقل شفافية وأكثر التفافاً، بل تخيّل تنسيقاً سرياً بين أجهزة الاستخبارات العالمية بوصفه طريقاً إلى نظام أمني كوكبي يتجاوز ضوابط الديمقراطية التمثيلية كما تُدرَّس في كتب المدارس. هنا لم يعد ثيل مجرد قارئ لجيرار أو معجب بليو شتراوس؛ صار رجلاً يبحث عن صيغة فكرية تمنح الخوف جهازاً، وتمنح القلق بنية حكم.
وكان شميت مهماً عند ثيل أيضاً من زاوية لاهوتية – سياسية: من خلال مفهوم الكاتخون، وهو مصطلح مسيحي قديم أعاد شميت توظيفه سياسياً ليعني القوة أو السلطة التي تكبح الفوضى وتؤخر الانهيار النهائي وظهور المسيح الدجال. وفي قراءته، لا يكون الكاتخون خلاصاً نهائياً، بل سلطة تاريخية تؤجل الكارثة وتحفظ النظام، ولو على نحو مؤقت وملتبس؛ ولهذا ظل المفهوم عنده متصلاً بالإمبراطورية والسيادة والاستثناء أكثر من اتصاله بالخلاص الديني نفسه.
بلانتير.. من الخوف من الفناء إلى تسريع موت الآخرين
وقبل تلك الندوة بعام تقريباً، كان ثيل قد بدأ بالفعل ترجمة هذا الخيال السياسي إلى بنية تحتية. ففي أعقاب 11 سبتمبر، ووسط تصاعد هوسه بما رآه عجزاً غربياً عن الرؤية الاستباقية للخطر، موّل ثيل تأسيس Palantir Technologies عام 2003، وهي شركة برمجيات متخصصة في دمج البيانات وتحليلها لخدمة الأجهزة الأمنية والعسكرية، وبحسب مجلة Noema الأميركية، فقد وُلدت الشركة أساساً من أجل "الحرب على الإرهاب" التي قادتها الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر، وما زالت حتى اليوم توفّر أدوات للتحليل الاستخباري للجيش وأجهزة المراقبة.

وحتى اسمها لم يكن تفصيلاً عابراً لثيل: فقد استُعير من "سيد الخواتم"، وهي الملحمة الروائية الشهيرة للكاتب البريطاني ج. ر. ر. تولكين، التي تدور في عالم خيالي عن الصراع على السلطة والشر والهيمنة؛ وفي هذا العالم تظهر حجارة الرؤية بوصفها أدوات تتيح النظر إلى مسافات بعيدة وكشف ما هو مخفي، وإن كانت هذه الرؤية نفسها قد تصبح باباً للتأثير والخداع.
وقد حصلت "بالانتير" في بداياتها على دعم مبكر من In-Q-Tel، الذراع الاستثمارية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، قبل أن تمضي لتصبح جزءاً متزايد الأهمية من البنية الأمنية والعسكرية الأميركية. وبمرور الوقت، تحولت إلى جزء من الآلات التي تسرّع القرار الأمني والعسكري وتضغط الزمن الفاصل بين جمع المعلومات واتخاذ القرار وتنفيذ الاستهداف.
وقد شرعت الشركة منذ العام 2015 في توسيع أعمالها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث ارتبطت بشكل وثيق بمجمّع الاحتلال الإسرائيلي العسكري والاستخباراتي، عبر توفير خدمات تحليل البيانات وتكاملها وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وبعد أن بدأت حرب الإبادة على غزة، صرّح المدير التنفيذي للشركة أليكس كارب لقناة "فوكس بزنس": "نحن مشهورون في إسرائيل".
وفي 12 كانون الثاني/ يناير 2024، أقامت شركة "بالانتير" شراكة مع الصناعة العسكرية الإسرائيلية للمساعدة في الإبادة الجماعية في غزة. وقال جوش هاريس، نائب الرئيس التنفيذي للشركة آنذاك، إن الطرفين اتفقا على تسخير تكنولوجيا "بالانتير" المتقدمة لدعم "المهام المتعلقة بالحرب". وفي قلب هذا الدور يظهر نظام "تايتان" التابع للشركة، والمستخدم في الاستهداف الدقيق؛ غير أن دقته، في ضوء الحصيلة الهائلة للمدنيين الذين قُتلوا في غزة، بدت دقة في قتل الأبرياء.
ثم، في 30 نيسان/ أبريل 2025، وخلال منتدى "هيل وفالي"، عندما سُئل المدير التنفيذي للشركة أليكس كارب عن مقتل الفلسطينيين، أجاب بأن، "بالانتير مسؤولة عن قتل معظم الإرهابيين، وهذا صحيح". لكن هذا الكذب يصعب فصله عن الحقيقة الأوضح، أن معظم من قُتلوا في غزة كانوا من المدنيين، بحسب العديد من التقارير.
وفي 16 حزيران/ يونيو 2025، عززت فرنشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، هذا الاتهام في تقريرها المعنون "من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية"، إذ سمّى التقرير شركة Palantir بالاسم، واتهمها بتوسيع دعمها التكنولوجي للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية بعد تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بما في ذلك أدوات مرتبطة بالدمج الفوري لبيانات ساحة المعركة واتخاذ القرار الآلي.
وقد اختتمت ألبانيزي تقريرها بدعوة صريحة إلى وقف التربح من الإبادة وقطع العلاقات مع إسرائيل. لكن "بالانتير" لم تتراجع، بل واصلت حضورها داخل الحروب في المنطقة.
لكن الشركة تبدو غير معنية كثيرًا بهوية الضحايا، ما داموا لا ينتمون إلى المعسكر الغربي. وهذا ما عبّر عنه أليكس كارب بصراحة باردة حين قال إن الحل هو أن يمتلك الغرب "أكثر الأسلحة فتكًا ودقةً الممكنة"، حتى يكون "قويًا إلى درجة أن لا يهاجمه أحد".
و في اليوم الأول، 28 شباط/ فبراير 2026، من الحرب الإسرائيلية-الأميركية على إيران، طالت الغارات مدرسة "الشجرة الطيبة" للبنات في مدينة ميناب جنوب البلاد، ما أدى إلى مقتل 165 طفلة. ولم تُقدَّم هذه المجزرة، في تقارير عدة، بوصفها خطأً عسكرياً عارضاً، بل بوصفها ضربة مزدوجة متعمدة أعقب فيها القصف الأول قصفٌ ثانٍ، فيما ظهر اسم "بالانتير" مرة أخرى داخل البنية التقنية التي استهدفت المدرسة.

ترامب.. فرصة لهدم السياسة!
من هذه الزاوية، لا يعود دعم ثيل لدونالد ترامب في 2016 مفاجئاً تماماً، مهما بدا متناقضاً في حينه. فقد رأى بعض معارفه في ذلك انحيازاً يصعب فهمه: رجل يقدّم نفسه بوصفه مثقفاً، ودرس الفلسفة وتأثر بجيرار، يضع ثقله وراء سياسي فوضوي قليل الصبر. لكن هذه المفارقة تخف حدتها كثيراً إذا قُرئت من داخل تصور ثيل نفسه للعالم.
فهو لم يكن يبحث عن محافظ تقليدي، ولا عن جمهوري مهذب، بل عن أداة كسر. وقد رأى في ترامب، كما وصفه لاحقاً، المرشح الذي يقول ما لا يُقال، ويهين التفاؤل الأمريكي، ويعترف بأن شيئاً ما في تلك الإمبراطورية قد تعطّل. ففي حواره المطول مع بارتون غيلمان في The Atlantic، قال ثيل إن شعار "Make America Great Again" كان، في نظره، "أكثر الشعارات تشاؤماً لأي مرشح خلال 100 عام"، وهذا ما جعله جذاباً لديه؛ لأنه لم يبدأ من تمجيد البلد، بل من الإقرار بأن البلد لم يعد عظيماً. بالنسبة إلى ثيل، كان في هذا التشاؤم صدقٌ سياسي افتقده طويلاً عند السياسيين التقليديين.
وهكذا ذهب إلى المؤتمر الجمهوري، وقال بحماسه: "أنا فخور بكوني مثلي الجنس. وأنا فخور بكوني جمهورياً. لكنني، فوق كل شيء، فخور بكوني أمريكياً". وعلى نحو ما ركب ثيل كلماته بالطريقة التي يحبها: هويةٌ يمكن استخدامها لا لتحدي اليمين، بل لإضفاء مسحة حداثية على رهان أعمق بكثير.
إذ يرى العديد من الصحافيين أن ثيل يحاول أن يعطي بعداً غامضاً لنفسه ليظهر أن الذي يدعمه أكبر من تناقضاته الظاهرة، وأنه قادر على جمع ما لا يُجمع عادة لعمق ما لا أحد يراه سواه. في الحقيقة، كان ذلك جزءاً من موهبته الأساسية: أن يعرض التصدعات بوصفها علامة عمق، لا علامة تناقض.
ثم جاءت الخيبة، لكنها لم تكن خيبة ليبرالي صُدم بترامب أخلاقياً. فما خيّب أمله لم يكن أن ترامب ذهب بعيداً، بل إنه، في نهاية المطاف، لم ينجح في تحطيم ما أراد ثيل تحطيمه حتى الآن، إذ لم يفعل ترامب بالدولة الأمريكية ما كان يتمنى دائماً أن يفعله "الرجل العظيم" بالمؤسسات المترهلة: أن يهزّها، ويكسر رتابتها، ويعرّي عجزها، وربما يفتح الطريق إلى إعادة ترتيب أوسع.
وهنا، يمكن فهم دعم بيتر ثيل لترامب بوصفه امتداداً منطقياً لخيبة ثيل من الديمقراطية الليبرالية ومن السياسة الانتخابية التقليدية. ففي مقاله "The Education of a Libertarian" المنشور في 13 أبريل 2009 على Cato Unbound، أعلن ثيل صراحة أنه لم يعد يعتقد أن الحرية والديمقراطية متوافقتان، ورأى أن العمل السياسي لم يعد المسار الأجدى لإحداث تحول حقيقي في المجتمع، وأن المجال الأخصب للفعل بات في التكنولوجيا والابتكار، لا في صناديق الاقتراع.
من هذا المنظور، بدا ترامب في انتخابات 2016 بالنسبة إلى ثيل ليس مجرد مرشح جمهوري عادي، بل أداة صدامية ضد النظام السياسي القائم؛ أي شكلاً من السياسة المضادة التي تستثمر العملية الانتخابية نفسها للطعن في المؤسسة الليبرالية التي فقد ثيل ثقته بها. لذا فدعم ثيل لترامب لا يُفهم هنا بوصفه إيماناً عادياً بالديمقراطية التمثيلية، بل بوصفه استخداماً استثنائياً للسياسة ضد السياسة المألوفة نفسها.
وعندما خاب أمل ثيل، لم ينقلب على ترامب أخلاقياً كما فعل محافظون آخرون، ولم يُعد كتابة نفسه بأثر رجعي بوصفه من معسكر "Never Trump"، إذ لم يؤدِّ ذلك إلى تراجعه عن الاتجاه الفكري والسياسي الذي راهن عليه.
ففي مقابلاته اللاحقة، لم يُخفِ بيتر ثيل خيبة أمله من رهانه على دونالد ترامب. وحين جاءت دورة 2024، امتنع عن تمويل ترامب مجدداً. لكن هذا الانكفاء لم يكن تراجعاً عن المشروع بقدر ما كان تعديلاً في أداته.
فثيل لم ينسحب من التيار القومي المحافظ المعادي للمؤسسة داخل الحزب الجمهوري، بل واصل الاستثمار فيه – وهذه المرة عبر شخصيات يراها أقدر على حمل هذا المزاج من ترامب نفسه، وأشد انضباطاً في ترجمته إلى مشروع سياسي متماسك. وفي مقدمة هؤلاء جاء نائب الرئيس، جيه. دي. فانس. إذ لم تكن العلاقة بين الرجلين مجرد تقاطع سياسي عابر، بل قامت على رعاية ممتدة قابلها من جانب فانس تقدير شخصي وفكري بالغ لثيل. فقد وصف فانس محاضرة لثيل بأنها كانت "أهم لحظة" أثناء دراسته الأولى في جامعة ييل، وكتب عنه واصفاً أنه "ربما أذكى شخص التقيت به في حياتي".

ومن ثم، فإن صلة فانس بثيل لم تكن مجرد علاقة ممول بمرشح، بل علاقة تأثر وإعجاب فكري وشخصي عميق، ساهمت في تشكيل نظرته إلى النخبة، والطموح، والدين، ومساره المهني والسياسي. وقد تجسد ذلك أيضاً عملياً في عمل فانس لدى ثيل في Mithril Capital، وفي دعم ثيل لشركته Narya Capital، ثم في تمويل حملته إلى مجلس الشيوخ بنحو 15 مليون دولار عام 2022.
بهذا المعنى، لم يتراجع ثيل عن رهانه على اللعب في السياسة الأمريكية من داخل الفضاء الترامبي الواسع، بل انتقل من التعويل على ترامب نفسه إلى دعم رجالٍ يراهم أكثر قدرة على تحويل هذا الغضب إلى بنية، وهذا المزاج إلى عقيدة حكم. إذا كان ترامب قد مثّل بالنسبة إليه مطرقةً لكسر الواجهة، فإن فانس وأمثاله بدوا له أقرب إلى الكادر الذي يمكنه البناء فوق الأنقاض.
عودة وادي السيليكون إلى الحرب
ومع عودة ترامب، لم تعد القصة تخص الحزب الجمهوري وحده. فقد حملت عودته معها وادي السيليكون نفسه إلى واشنطن، أو بالأحرى حملت ذلك الجناح من وادي السيليكون الذي كفّ عن رؤية الدولة بوصفها عائقاً أمام جموح الابتكار التكنولوجي، وبدأ يراها شريكاً، وسوقاً، وساحةً لتحقيق طموحه التاريخي.
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وخفوت سباق التسلح، تشكّلت ثقافة التكنولوجيا والإنترنت الاستهلاكي في وادي السيليكون، منذ مطلع الألفية، على روحٍ تعلن نفورها من السلطة، وتنظر إلى الدولة بارتياب، وتتعالى على المؤسسة العسكرية بوصفها ثقيلة، رجعية، وعديمة الجاذبية. كانت الشركات الناشئة تريد أن تغيّر العالم عبر التطبيقات والمنصات، لا عبر البنتاغون؛ وكان خيال الابتكار السائد يفضّل أن يرى نفسه على الضفة المقابلة للحرب والدفاع والأمن القومي، أو على الأقل أن يتظاهر بذلك.
لكن هذه الحساسية القديمة بدأت تتآكل تدريجياً. وفي قلب هذا التحول وقفت "بالانتير" بوصفها الاستثناء المبكر الذي لم يكتفِ بأن يشذّ عن مزاج الوادي، بل مهّد، مع الوقت، لأن يصبح نموذجاً يُحتذى. فبالنسبة إلى بيتر ثيل، الذي لم يكن فكره اليميني وعدائه الطويل لليبرالية تفصيلاً طارئاً في سيرته، لم يكن هناك ما يدعو أصلاً إلى الحنين إلى الإنترنت كما عرفه جيله في التسعينيات والعقد الأول من الألفية. فمنذ وقت مبكر، كان ثيل يرى أن الإنترنت، على كل صخبه وحداثته، لم يصنع ذلك النوع من التقدم الذي يغيّر العالم المادي نفسه: الحرب، والطاقة، والفضاء، والجسد، والعمر البشري، لا مجرد تدفق المعلومات.
ومن هنا بدت له تطبيقات التواصل الاجتماعي، والإعلانات، وخدمات التوصيل، أقل من أن تستحق كل هذا الانبهار. أما أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" وشريكه في تأسيسها، فقد قال الأمر بوضوح أكثر.
من خلال كتاب شارك في تأليفه مع المستشار القانوني للشركة، اشتكى فيه من أن وادي السيليكون "ضلّ طريقه" حين أخذ ينظر إلى الحكومة الأمريكية باعتبارها "عائقاً أمام الابتكار ومغناطيساً للجدل". كان يرى أن أفضل مهندسي البلاد انصرفوا إلى تطبيقات توصل الطعام والسلع، بينما كان بوسعهم أن يكرّسوا عبقريتهم لتعزيز القوة العسكرية الأمريكية. وذهب أبعد من ذلك حين قال إن المهمة الجوهرية للشركة "كانت دائماً جعل الغرب، وخاصة أمريكا، الأقوى في العالم، والأقوى في تاريخه، من أجل السلام والازدهار العالميين".
بينما تحسّر شايام سانكار، كبير مسؤولي التكنولوجيا في بالانتير، أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي، قائلاً: "الجميع، بمن فيهم الروس والصينيون، تخلوا عن الشيوعية باستثناء كوبا ووزارة الدفاع الأمريكية."
هذا التحول لم يعد خطاباً فلسفياً أو سجالاً بين رجال أعمال. لقد صار واقعاً استثمارياً ومؤسسياً. ففي غضون 5 سنوات فقط، بين 2019 و2024، نما استثمار رأس المال المغامر في الشركات الأمريكية الناشئة العاملة في التكنولوجيا الدفاعية بأكثر من 10 أضعاف، ليبلغ نحو 3 مليارات دولار، وفق بيانات Crunchbase. لم تعد الحرب هامشاً محرجاً في اقتصاد الابتكار، بل بدأت تتحول إلى أحد آفاقه المركزية.
وفي سبتمبر 2024، دخلت بالانتير مؤشر S&P 500، وهي خطوة لا تعني فقط أن الشركة نجحت مالياً، بل إنها لم تعد تُرى داخل السوق الأوسع بوصفها حالة شاذة أو رهاناً قطاعياً مضطرباً، بل جزءاً من النخبة المؤسسية للشركات الأمريكية الكبرى. كانت تلك لحظة رمزية بقدر ما كانت مالية: التكنولوجيا الدفاعية لم تعد موجة جانبية في أطراف وادي السيليكون، بل صارت تحظى باعتراف السوق نفسه، وتستقطب رؤوس الأموال المؤسسية التي كانت، قبل سنوات قليلة، تتعامل معها بوصفها منطقةً حساسة أو ملوثة سياسياً.

في مايو/آيار 2025، دفع الطلب والاعتماد المتزايد على هذا البرنامج وزارة الدفاع الأمريكية لرفع عقد "مافن" مع "بالانتير" إلى أكثر من 1 مليار دولار. إذ يُعد مشروع "مافن" (Project Maven)، الذي طوّره البنتاغون الأمريكي بمساعدة شركة تنقيب بيانات مدعومة من وكالة الاستخبارات المركزية "بالانتير" عام 2017، أبرز تقنية يعتمد عليها الجيش الأمريكي في المعارك والحروب والنزاعات، وأصبح البرنامج مدمجاً في جميع الوحدات والقطاعات القتالية الأمريكية منذ عام 2018، كما تم منح أوكرانيا استخدامه خلال حربها مع روسيا.
وما حدث مع بالانتير لم يكن استثناءً. فـOpenAI، التي كانت قد نصّت صراحة في سياسات استخدامها على حظر توظيف منتجاتها في "تطوير الأسلحة" أو في "الجيش والحرب"، حذفت هذه اللغة في مطلع 2024، ثم حصلت في يونيو/ حزيران 2025، على عقد بقيمة 200 مليون دولار من وزارة الدفاع الأمريكية.
ثم لحقت Google بهذا التحول، حين أزالت في فبراير/شباط 2025 من مبادئها الخاصة بالذكاء الاصطناعي اللغة التي كانت، منذ 2018، تستبعد تطوير أسلحة الذكاء الاصطناعي أو الأنظمة التي تنتهك القانون الدولي وحقوق الإنسان.
وقد بررت غوغل هذا الحذف بلغة أخلاقية مألوفة في زمن التنافس الإمبراطوري، بأن هناك سباقاً عالمياً على ريادة الذكاء الاصطناعي، والعالم يزداد تعقيداً جيوسياسياً، ولذلك ينبغي أن تقود الديمقراطيات – مثل واشنطن بقيادة ترامب – تطوير هذه التكنولوجيا، مسترشدة بقيم مثل الحرية والمساواة وحقوق الإنسان.
من يحق له أن ينجو؟!
وهنا تظهر المفارقة على نحو فادح، في الوقت الذي تُقدَّم فيه التكنولوجيا الأمريكية بوصفها الحصن الأخلاقي في مواجهة القمع والخطر الخارجي، تُستخدم الأدوات نفسها في بناء بنية رقابة واستبعاد وسيطرة خارج و داخل الدولة الأمريكية ذاتها.
فبينما خارج الإمبراطورية، تتداخل هذه التقنيات مع جيوش وحروب الإبادة وعمليات استهداف ومراقبة، وتدخل في صميم ما يجعل القتل الحديث أسرع، وأكثر اعتماداً على التحليل، وأقل احتكاكاً بالمراجعة البشرية الطويلة، تبني "بالانتير" في الداخل أدوات تحليل وتعقب وتعرّف على الهوية تُستخدم في خدمة منظومات تعقب المهاجرين والمواطنين، بما في ذلك عمليات الترحيل الجماعي للمهاجرين التي عادت لتتسع مع ترامب.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لتحول وادي السيليكون في عهد ثيل ومن هم على شاكلته وما بعده. فلم يعد السؤال، هل ستتعاون شركات التكنولوجيا مع الدولة الأمنية؟ بل، إلى أي مدى ستصبح جزءاً من تعريفها الجديد لنفسها؟
لم يعد اليوم الابتكار نقيضًا للسلطة، ولا التمرّد نقيضًا للإمبراطورية. صار بالإمكان أن يتكلم رجل مثل بيتر ثيل بلغة الخيال، والمسيحية، والحرية، وفي الوقت نفسه يراهن على شركات تجعل الدولة أكثر قدرة على الرؤية، والملاحقة، والفرز، والحرب.
ولذلك، لا تبدو خيبة ثيل من ترامب نهاية قصة، بل ربما فصلاً من تحول أوسع: من فوضى الرجل الواحد إلى بنية كاملة، تلتقي فيها التكنولوجيا، والقومية، والأمن، ورأس المال، تحت راية واحدة تتماهى، في الهلاوس الدينية، مع الأمن.
فلقد تجاوز خوف ثيل من الموت كونه شذوذاً شخصياً أو هوساً مألوفاً بين مليارديرات وادي السيليكون، بل إنه، على نحو ما، يمكن النظر إليه على أنه الخيط الناظم الذي تلتف حوله بقية العناصر كلها. فالرجل الذي لا يحتمل أن يخضع، مثل سائر الناس، للنهاية نفسها، ويمضي السنين في البحث عن منافذ خاصة للهروب من الفناء، عبر أحلام الحفظ بالتبريد، وإطالة العمر، والخلود التكنولوجي، والمدن العائمة، يساهم، في الوقت نفسه، في بناء أدوات تجعل العثور على البشر، وتصنيفهم، وملاحقتهم، واستهدافهم، أكثر سهولة وانتظاماً. فالنجاة عند ثيل ليست سؤالاً إنسانياً عاماً، بل امتيازاً محتملاً؛ أما الموت، فيمكن احتماله ما دام يهبط على آخرين، بعيدين، أقل حظاً، وأقل قدرة على شراء الوقت.
لهذا فإن بيتر ثيل يستحق الانتباه لا لأنه أغرب رجال وادي السيليكون، بل لأنه قد يكون أحد أكثرهم تمثيلاً للحظة التي نعيشها: لحظة تلتقي فيها الثروة الهائلة بخيال الخلاص، وتتصالح فيها التكنولوجيا مع الدولة الأمنية، وتُعاد فيها صياغة القوة بوصفها فضيلة، لا عبئاً أخلاقياً.