هل تستهدف ألمانيا الأسر المسلمة وتختطف أبناءهم؟ أنا أعيش هناك وهذه هي الحقيقة

عدد القراءات
741
عربي بوست
تم النشر: 2023/05/03 الساعة 09:48 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/05/03 الساعة 09:48 بتوقيت غرينتش
عائلات مسلمة في ألمانيا /shutter stock

انتشر مؤخراً على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر فيه رجال شرطة ألمان برفقة موظفين من مكتب رعاية الشباب وهم يقومون بأخذ طفل من بين أسرته، وظهر الطفل في المقطع المصور وهو يبكي محاولاً الإفلات من رجال الشرطة. 

الحادثة وقعت في مدينة بريمرهافن في ولاية بريمن شمال ألمانيا، وقد أثار المقطع منذ نشره تفاعلات واسعة عبر مختلف المنصات المقروءة والمرئية، وأعاد نشر هذا الفيديو إلى الواجهة مجدداً قضية سحب الأطفال في ألمانيا من الأسر المهاجرة من قبل الدوائر المختصة في ألمانيا وبعض البلدان الأوروبية حتى إن البعض اتهم تلك الحكومات بتعمد خطف أطفال العرب والمسلمين.

وانتشر الكثير من التفسيرات والاتهامات والشائعات إلى جانب انتقادات شديدة وُجهت للسلطات الألمانية؛ مما حدا بالشرطة الألمانية إلى أن تصدر بياناً توضح فيه أن "الفيديو المتداول يظهر جزءاً صغيراً من إجراء أمرت به المحكمة لنقل طفلين لدور الرعاية" وأكدت أن قرار أخذ الأطفال من عائلاتهم هو "الملاذ الأخير" الذي لا يتم اللجوء إليه إلا إذا كانت هناك أسباب حقيقية تقتضي ذلك.

وبغض النظر عن الدوافع والأسباب، فإن أي شخص يشاهد ذلك المقطع سيشعر بالتأكيد بالكثير من التعاطف والألم حتى إن الشرطة الألمانية نفسها أكدت في بيانها أن الفيديو مزعج عاطفياً، لكن وسط هذا الكم من التفاعلات والاتهامات والانفعالات يبقى السؤال المهم وهو: لماذا يتم سحب الأطفال في ألمانيا؟ ولماذا تحصل مثل هذه الحوادث؟ وهل فعلاً تستهدف السلطات في ألمانيا أبناء الأسر العربية أو المسلمة وتقوم بـ "اختطافهم" بسبب التمييز الديني أو العرقي؟ 

سحب الأطفال في ألمانيا

من يحق له رعاية الأطفال في ألمانيا؟

بحسب الدستور الألماني، فإن رعاية الأطفال وتنشئتهم هي حق طبيعي وواجب أساسي للوالدين، بمعنى أن الأسرة في نظر القانون هي الجهة المخولة والمسؤولة عن رعاية أطفالها وهذا حق يكفله الدستور لكل الأسر التي تعيش في ألمانيا بغض النظر عن خلفيتها العرقية أو الدينية أو الثقافية. وهذا الأمر يتم تطبيقه واحترامه من جميع الجهات سواء كانت رسمية أم غير ذلك، فهناك الكثير من الأشياء التي تتعلق بتربية وتنشئة الأطفال يتم فيها مراعاة رغبات وتوجهات الأسر ما لم تتعارض بالطبع مع القانون أو مع سلامة الأطفال. فعلى سبيل المثال من حق الأسر المسلمة التي يلتحق أطفالها برياض الأطفال أو المدارس في ألمانيا أن تطلب من الجهات القائمة على هذه المرافق عدم تقديم لحوم الخنزير مع الوجبات لأطفالهم واستبدالها بأطعمة أخرى، وهذا الأمر يتم أخذه بعين الاعتبار وتقوم هذه المرافق بتوفير خيارات متعددة تراعي فيها هذه الجوانب، والأمر لا يقتصر هنا على المسلمين فقط، فهناك أسر قد تكون ألمانية أو أوروبية لا يأكل أطفالها اللحوم فتقوم رياض الأطفال والمدارس بتوفير وجبات "نباتية" لهم وهكذا.

سحب الأطفال في ألمانيا

فالقول إن هناك تمييزاً في المعاملة في هذه الناحية بسبب الخلفية الدينية أو العرقية غير صحيح، وأنا هنا أتكلم من وجهة نظر القانون وتطبيقه في الدوائر والجهات الرسمية، أما العنصرية والتمييز من قبل أفراد أو أشخاص أو جماعات فهي قطعاً موجودة وقد تحدث ليس في ألمانيا فقط وإنما في كثير من المجتمعات. 

سحب الأطفال في ألمانيا من أسرهم.. ما هي الأسباب والدوافع؟

لا شك أن انتزاع طفل من أسرته هو أمر مؤسف للغاية وصادم، لكن الأسوأ من ذلك هو انتشار الشائعات والتفسيرات الخاطئة التي لا أساس لها من الصحة، وهذا الأمر لا يساعد الأسر التي تواجه هذه المشكلة ولا الأسر التي لديها أطفال وقد تتعرض لمثل هذا الأمر؛ لأن الإلمام بالقوانين ومعرفة الحقوق والواجبات هو السبيل الأمثل لتجنب مثل هذه الحوادث. فالقول بأن سحب الطفل تم لأن أسرته لا تؤمن بالمثلية الجنسية أو لأنها عنفت الطفل أو بسبب خلفيتها الدينية هي تفسيرات سطحية وغير منطقية، صحيح أنه في هذه القضايا لا يتم نشر التفاصيل وذلك حماية للطفل ولأسرته، لكن الأسباب التي تستند إليها المحاكم المختصة في مثل هذه الحالات معروفة للمختصين بشكل عام ومتاحة لمن يسأل ويطلب المشورة. 

سحب الأطفال في ألمانيا

والقول بأن مكاتب رعاية الشباب تقوم فقط بأخذ أطفال الأسر المهاجرة والمسلمة فهو قول غير صحيح فهناك الكثير من الأطفال الذين تم أخذهم من أسر "ألمانية" وذلك بسبب وجود مخاطر تهدد سلامتهم. والشيء الذي قد لا يعرفه الكثيرون، خصوصاً من يعيش خارج ألمانيا أو لا يتعامل مع الدوائر المختصة؛ هو أن مكاتب رعاية الشباب تتلقى في كثير من الأحيان طلبات من الأهل أنفسهم تطلب منهم المساعدة والتدخل في رعاية الأطفال، فهناك الكثير من الأمهات أو الآباء في ألمانيا الذين يعولون أطفالاً بمفردهم أي في غياب الشريك وأحياناً يكون العبء المعنوي والنفسي كبيراً على البعض فيطلب من هذه الجهات الدعم والمساعدة.

هذا الأمر قد يبدو صادماً للكثيرين، لكنه يحدث! وتقوم مكاتب رعاية الشباب بالمساعدة في هذه الحالات إما عن طريق دعم هؤلاء الأمهات أو الآباء بشكل جزئي وأحياناً، وهذا يكون أيضا بناءً على طلب الأم أو الأب، عن طريق التدخل ورعاية الطفل وكفالته بشكل كامل؛ حيث يتم البحث عن أسرة أخرى تقبل رعاية الطفل أو يتم إيداعه إحدى دور الرعاية التابعة لمكتب رعاية الشباب. كما أن مكاتب رعاية الشباب من مسؤوليتها أيضاً رعاية الأطفال القصر الذين يدخلون البلاد بشكل غير شرعي غير مصحوبين بأولياء أمورهم أو وصي قانوني.

ولأن الدستور الألماني ينص بوضوح على أن مسؤولية رعاية وتنشئة الطفل هي من اختصاص الأهل، فليس من حق أي جهة رسمية أن تنتزع طفلاً من أسرته إلا إذا كانت هناك دلائل قاطعة وواضحة تؤكد أن سلامة هذا الطفل معرضة للخطر والانتهاك وهذا يشمل على سبيل المثال الحالات التالية:

  • تعرض الطفل لإيذاء بدني أو نفسي
  • تعرض الطفل لإهمال شديد من قبل الأهل
  • تعرض الطفل لاعتداء جنسي 
  • إدمان الوالدين الكحول أو المخدرات
  • آباء أو أمهات مجرمون 

ومسألة تقييم هذه المخاطر لا تخضع للمزاج الشخصي أو للتكهنات بل يجب أن تكون واضحة وقطعية حتى تقتنع بها المحكمة لأنه ليس من صلاحيات الشرطة أو مكاتب رعاية الشباب التدخل وانتزاع الأطفال إلا بإذن المحكمة، والاستثناء فقط يكون في حالة وجود خطر وشيك الوقوع ولا يمكن تجنبه أو انتظار الإجراءات المعتادة، فيمكن حينها أن تتدخل الشرطة ويتم سحب الأطفال في ألمانيا بشكل عاجل لكن يتوجب فيما بعد تقديم دلائل للمحكمة تبرر ذلك الفعل وإلا فإن المحكمة تقوم بإبطال الإجراء وتأمر بإعادة الطفل إلى أسرته إذا تبين أن الوقائع التي قدمها مكتب رعاية الشباب غير كافية أو غير مقنعة. فمثلاً إذا كان الضرر الذي قد يتعرض له الطفل ضئيلاً أو مؤقتاً لا تتم الموافقة على مسألة انتزاع الطفل. 

هل الصراخ على الأطفال أو تعنيفهم أحياناً يستوجب انتزاعهم؟

صحيح أن الأسلوب التربوي الصحيح لا ينبغي أبداً أن يقوم على ضرب الطفل أو تعنيفه بشكل حاد، لكن فقدان الأعصاب والصراخ على الطفل لا يبرر تدخل السلطات المعنية وقيامها بسحب الأطفال. 

وتجدر الإشارة إلى أن إجراء انتزاع الطفل يكون في الحالات التي يتعرض فيها الطفل لخطر حقيقي يهدد سلامته ورفاهيته، أما في حالة الاشتباه بوجود إهمال ما من قبل الأهل فإن مكاتب رعاية الشباب تقوم في العادة أولاً بالتواصل مع الأسرة وعقد لقاءات متعددة معهم في محاولة للتعرف على أسباب الإهمال وتقديم النصح والإرشاد والتوجيه عند الضرورة من خلال المختصين.

ما هي الخطوات التي يمكن أن يقوم بها الأهل الذين تم سحب أطفالهم في ألمانيا؟

إذا كان هناك خطر عاجل على رفاهية الطفل، يمكن لمكتب رعاية الشباب أو الشرطة أخذ الطفل من الأسرة بشكل فوري. وفي العادة يجب على مكتب رعاية الشباب التواصل مع محكمة الأسرة أولاً ما لم يوافق والدا الطفل على أخذ الطفل تحت الرعاية. إذا لم يعط الوالدان موافقتهما، فإن القرار بشأن رعاية الطفل متروك للمحكمة. ولهذا تقوم محكمة الأسرة بالتواصل مع الوالدين ومكتب رعاية الشباب، وإذا لزم الأمر بالعاملين الاجتماعيين أو التربويين وعلماء النفس، ثم تقرر محكمة الأسرة ما إذا كانت ستأخذ الطفل تحت الرعاية أم لا.

سحب الأطفال في ألمانيا

إذا كان الطفل قد تم أخذه بالفعل من أسرته، فيجب اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان يجب إعادة الطفل إلى الأسرة أو ما إذا كان يجب استمرار فصل الطفل عن الأسرة. جلسات المحكمة في هذه القضايا ليست علنية من أجل حماية الطفل وحماية أسرته.

وأثناء بقاء الطفل في رعاية مكتب الشباب، فإن للوالدين الحق في الحصول على معلومات حول مكان وجود طفلهما، كما لديهما أيضاً الحق في طلب المشورة القانونية والطعن في أسباب الرعاية إذا كان هناك اعتقاد أنها غير قانونية. إذا لم يوافق أحد الطرفين على قرار المحكمة، فهناك إمكانية للانتقال إلى المرحلة التالية وبالتالي تسليم القضية إلى قضاة آخرين.

هل سحب الأطفال في ألمانيا واحتجازهم لدى دور الرعاية يستمر إلى الأبد؟

لا، عادة ما يكون أخذ الطفل لغرض رعايته أو حمايته تدبيراً مؤقتاً وعادة ما يستمر لمدة أقصاها بضعة أيام إلى أسابيع. خلال هذا الوقت، يتم التحقق من الخطوات الإضافية اللازمة لضمان سلامة الطفل على المدى الطويل، وقد يكون من بين هذه الخطوات قيام الوالدين باسترجاع الطفل بالاتفاق مع مكتب رعاية الشباب مع تقديم الضمانات اللازمة بعدم تعرض سلامة الطفل لأي خطر. فالهدف هنا هو ضمان سلامة الطفل في بيئته الأسرية وإنقاذه من الانفصال عن الأسرة إذا كان ذلك ممكناً ولن يؤثر على رفاهيته في المستقبل.

وختاماً لا بد من توجيه كلمة مهمة إلى كل أسرة، بالذات الأسر المهاجرة التي تعيش في الغربة: إن تربية الأطفال وحمايتهم ورعايتهم تقع على عاتق الأهل ويجب أن يقوموا بها على أكمل وجه وذلك ليس خوفاً من جهة ما أو تنفيذاً لأوامرها، وإنما من منطلق الشعور بالمسؤولية؛ لذلك يجب دائماً الاهتمام بتربية الأطفال وبسلامتهم البدنية والنفسية ومتابعة نموهم وتطورهم وقضاء الوقت والتواصل معهم والاستماع إلى همومهم ومشاكلهم وتقديم الدعم اللازم لهم بشكل إيجابي يعزز من ثقتهم بأنفسهم ويمنحهم القوة والدفء والأمان. كما يجب أن يجد الطفل في والديه القدوة الحسنة التي تنعكس في التصرفات والأفعال، حين يتعلق الأمر بالأبناء يجب على الآباء والأمهات التحلّي دائماً بالمسؤولية ووضع مصلحة أبنائهم فوق كل اعتبار، وبهذا يكونون قد أدوا واجبهم على أكمل وجه ولهم حينها أن يشعروا بالفخر والرضا وألا يقلقوا أبداً على أولادهم أينما كانوا. 

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

أنيس الباشا
كاتب يمني مقيم في ألمانيا
مستشار لشئوون الهجرة في ألمانيا وناشط تطوعي في المنظمات الألمانية المعنية بشئوون الهجرة
تحميل المزيد