ما المؤسسات الأمريكية الخمس المتسببة في استمرار العنصرية ضد السود؟

عدد القراءات
7,216
عربي بوست
تم النشر: 2020/06/16 الساعة 11:12 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2020/06/16 الساعة 11:12 بتوقيت غرينتش

لمدة تقرب من 9 دقائق، كان الأمريكي جورج فلويد يصرخ وهو ملقى على الرصيف بينما ركبة الشرطي الأمريكي ديريك شوفين على رقبته، تلك الصرخة التي أطلقها فلويد "لا أستطيع التنفس" كانت تعبيراً عن المعاناة التي يعيشها الأمريكيون السود في علاقتهم مع الشرطة الأمريكية. ربما أطلق فلويد هذه الصرخة بعفوية شخص يحاول النجاة من الموت، لكن تلك الصرخة موجودة في المجال العام الأمريكي منذ 2014، تحديداً من شهر يوليو/تموز الذي شهد مقتل أمريكي أسود آخر، وهو إيريك جارنر، على يد الشرطة الأمريكية بنفس الطريقة تقريباً. تحولت بعدها تلك الجملة إلى شعار شهير في المظاهرات للتعبير عن التعامل الوحشي للشرطة الأمريكية مع الأمريكيين السود.

ليس ثمة شك في أن الأمريكيين السود أكثر عرضة للعنف من قبل الشرطة، ففي السنة الماضية قتلت الشرطة الأمريكية ما يقرب من 2000  مواطن أمريكي، 24% منهم من الأمريكيين السود، رغم أن الأمريكيين السود لا يشكلون سوى 13% فقط من السكان، بنظرة أكثر دقة على الإحصاءات التي تقدمها قاعدة بيانات عنف الشرطة، وهي مبادرة تجمع بيانات عنف الشرطة الأمريكية خاصة الموجه للأمريكيين السود، نجد أن احتمالية أن تقتل الشرطة مواطناً أسود تزيد بثلاثة أضعاف على احتمالية أن تقتل مواطناً أسود. الوضع أسوأ بكثير في المدن التي تحتوي على أقسام شرطة غالبيتها من البيض. تظهر تلك البيانات وغيرها من الدراسات البحثية أن المجتمع الأمريكي ما زال يعاني من التحيز العرقي، هذا التحيز الذي ينظر للأمريكي الأسود على أنه مصدر تهديد، وبالتالي يتعامل الشرطي الأبيض بنوع من العنف غير المبرر مع الأمريكيين السود.

هذا العنف يضرب بجذوره في التاريخ الحديث للولايات المتحدة، ويتم تغذيته ذاتياً من خلال بنية الاقتصاد الأمريكي المعاصر الذي يميز بين البيض والسود عن طريق إعادة إنتاجه لفقر السود في مقابل إتاحة الفرص أمام البيض للترقي الطبقي، أو بنية العمران البشري الأمريكي التي توزع فرص التنمية بشكل لا متساوٍ على المناطق المختلفة.

تمتلك الولايات المتحدة تاريخاً حافلاً من التمييز العرقي ضد السود، فالبلد نفسه تم تأسيسه على عاتق العبودية، هؤلاء العبيد الذين تم استقدامهم من كل مكان في إفريقيا وشُحنوا في سفن ليعملوا في مزارع السكر والقطن هم مَن ساهم في بناء الولايات المتحدة بالشكل الذي نعرفه الآن، وأتاح لحركات الهجرة الأوروبية اللاحقة أن تكمل تلك الطفرة الاقتصادية بعد استقلال الولايات المتحدة. بعد الحرب الأهلية الأمريكية وتجريم العبودية بشكل قانوني في الولايات المتحدة بدأت دائرة أخرى من إعادة إنتاج التمييز العرقي في الولايات المتحدة، تميزت باللامساواة القانونية، كان أهمها منع السود من التصويت الانتخابي والفصل العنصري الواضح في المعاملة أمام القانون، لكن وبفضل حركة الحريات المدنية في الستينات وتحديداً في 1964، 1968 والتي صدر فيها قانونا الحقوق المدنية، والتي نظرياً أنهت كل التمييز القانوني بين السود والبيض في الولايات المتحدة، لكن التمييز العرقي كان أبعد من أن ينتهي بفعل ديناميات مستمرة لإعادة إنتاج هذا التمييز مضمنة في بنية الاقتصاد المعاصر.

مؤسسات إنتاج التفرقة العنصرية

تحدد عالمة الاجتماع الأمريكية تريشا روز ما تسميه "أصول العنصرية المؤسسية" في الولايات المتحدة، وتركز في تحليلها لتلك العنصرية المؤسسية على 5 مؤسسات تنتج تلك العنصرية، تلك المؤسسات هي الإسكان، الإعلام، الثروة، النظام القضائي، والتعليم . تلك المؤسسات الخمس -بحسب ترييشا روز- تعمل بشكل منهجي لإعادة إنتاج العنصرية والتفرقة العرقية في السياق الأمريكي، وهي ما تقود لما يمكن أن نسميه التحيز المسبق من رجال الشرطة الأمريكيين تجاه السود، وحتى التحيز المسبق من كثير من المواطنين تجاه السود.

إذا نظرنا على سبيل المثال إلى الإسكان، نجد أن 40% فقط من الأمريكيين السود يملكون منازل، لم يكن ذلك وليد الصدفة وإنما هو شيء مضمن ومنهجي في بنية الاقتصاد الأمريكي. بعد الكساد الكبير والطفرة الإسكانية التي حدثت بفعل تشجيع الحكومة على تملُّك المنازل وإجراءات الحكومة الأمريكية التي سُميت الصفقة الجديدة (the new deal )، لكن تلك الرفاهة كانت موجهة فقط للبيض. فمع قانون 1934 للإسكان الذي سهل عملية تملك المنازل عن طريق قروض الرهن العقاري، قامت الحكومة الأمريكية برسم خرائط دقيقة للمناطق الغنية والفقيرة والتي غالباً ما كان يسكنها السود من أجل ضمان سداد تلك القروض، تلك الخرائط والإجراءات التي اتبعتها البنوك في الإقراض منعت وصول التمويل اللازم لبناء أو تجديد أو شراء أي منزل في المناطق الفقيرة، وبالتالي مع الوقت اضطر مَن تبقى في تلك المناطق من البيض للهجرة لمناطق أخرى بسبب تدني الخدمات العامة وانتشار الفقر ومعدلات الجريمة المرتفعة. 

فيما تلى الحرب العالمية الثانية، ومع انتعاش الطبقة الوسطى الأمريكية بفضل الانتعاش الاقتصادي زادت تلك الهجرات من المدن الداخلية نحو الضواحي من قبل الأسر البيضاء والتي حصلت على تسهيلات حكومية للحصول على قروض منعت عن السود، أنتج هذا في معظم الولايات الأمريكية، ثنائية "المدينة الداخلية" inner city ذات الأغلبية السوداء والضواحي التي تخلو من السود. هذا الفصل العنصري كان يعني في النهاية أن المناطق التي يسكنها السود محرومة من التطور الاقتصادي والاستفادة من الطفرة الاقتصادية التي حدثت، بالتالي مع الوقت فهي تجني ضرائب أقل، وفي نظام اقتصادي يعتمد على الضرائب في تمويل كل الإنفاق العام فإن ذلك يعني أن الخدمات العامة الأخرى من تعليم ورعاية صحية ستكون بجودة أقل في تلك المناطق.

أدت الحيلولة دون حصول الأمريكيين السود على نفس الفرص التمويلية من البنوك، في حرمانهم من الفرص الاقتصادية التي يعنيها ذلك التمويل، فامتلاك منزل يعني أنك يمكن أن تستخدم هذا المنزل في  تخزين مدخراتك وبيعه لاحقاً بسعر أفضل واستخدام المال في مشروع وهكذا. تلك التفرقة في الحصول على الفرص أدت إلى لامساواة متزايدة في الثروة التي راكمتها الأسر الأمريكية البيضاء مقابل الأسر السوداء، اليوم يصل متوسط الثروة للأسر الأمريكية السوداء لما يقرب من 200 ألف دولار، بينما يصل هذا المتوسط للأسر البيضاء لما يقارب 1.2 مليون دولار، أي ما يقرب من 6 أضعاف المتوسط. 

تلك الحالة لها أسباب عدة أهمها كما أسلفنا منع الفرص التمويلية عن الأمريكان السود، لكنها تتداخل مع عوامل أخرى مهمة لمراكمة الثروة مثل الدخل. الدخل أيضاً يمثل مشكلة كبيرة، حيث تظهر البيانات لامساواة حادة في الدخل بين الأسر الأمريكية البيضاء، فغالباً ما تعمل الأسر السوداء مقابل الحد الأدنى للأجور. تلك اللامساواة في الأجور لها عوامل أخرى مرتبطة بالتعليم.

أيضاً يلعب التعليم دوراً هاماً في إعادة إنتاج تلك اللامساوة، فإتاحة الفرص التعليمية المتساوية أيضاً ساهمت في إنتاج تلك التفرقة العنصرية، فغالباً ما تكون جودة التعليم المقدم في المدارس التي تقع في أحياء السود أقل من نظيراتها في أحياء البيض. كما أن ظروف الفقر لا تنتج خياراً لهؤلاء السود سوى بالقبول بتلك المدارس، ينعكس ذلك على مستويات التحصيل الدراسي لهؤلاء الطلاب السود، ففي حين ينجح  73% من الأمريكيين السود بالتخرج في المدارس الثانوية، نجد أن تلك النسبة تصل إلى 87% من الأمريكيين البيض، تلك الفجوة بالأساس ناتجة عن اختلاف مستويات التعليم في المدارس التي تقبع في الأحياء السود والتي غالباً ما تكون مدارس عامة تعاني من صعوبات في الحصول على التمويل بسبب تدني مستويات جباية الضرائب في تلك المدن والأحياء الفقيرة. 

لماذا لا تستطيع أمريكا تجاوز مسألة العرق

تصعّب تلك الفجوة التعليمية من قدرة على دخول الجامعات، فغالباً ما يضطر الأمريكيون السود لتأجيل دخول الجامعة عدة سنوات بعد الثانوية، لحين الحصول على المال اللازم من أجل ذلك، بالإضافة لعوامل مثل الفقر الذي يمكن أن يمنع الأمريكيين السود من الالتحاق بالجامعة لارتفاع تكاليف التعليم الجامعي في الجامعات الكبرى. أيضاً تلعب الفجوة في التعليم دوراً هاماً في إعادة إنتاج الفقر، فغالباً ما يحصل خريجو الجامعات على أجور أفضل، بالتالي فإنها تعيد إنتاج نفس العملية مرة أخرى في السكن والظروف المعيشية وتحد من قدرة الأجيال اللاحقة من الأمريكيين السود على الحصول على تعليم جيد.

يسهم الإعلام أيضاً بدوره في تدعيم الصورة النمطية عن الأمريكيين السود في الثقافة الشعبية التي تروّجها السينما كذلك عنهم بأنهم كسالي ومجرمون. وفي حين تنتج كل تلك المؤسسات كل تلك العنصرية يلعب النظام الجنائي والقضائي في الولايات المتحدة في زيادة تلك المعاناة، فالأمريكيون السود أكثر عرضة لأن يتم سجنهم بناءً على الجنح الصغيرة أكثر من الأمريكيين البيض، لأنهم أكثر عرضة للتفتيش من قبل الشرطة، ففي حين تظل نسبة تعاطي المخدرات متقاربة بين الأمريكيين السود والبيض فإن السود أكثر عرضة للحبس بتهم التعاطي. يمثل الأمريكيون السود 12.5% من مستهلكي المخدرات في الولايات المتحدة، ولكنهم يمثلون 33% من المحبوسين بتهم تعاطي المخدرات. حتى بعد الخروج من السجن يعاني الأمريكيون السود في الحصول على وظائف بالمقارنة مع نظرائهم البيض، بالتالي فإن ذلك يعيد إنتاج دائرة الفقر مرة أخرى. تلك المؤسسات المختلفة تتفاعل مع بعضها، لتنتج الوضع الحالي للأمريكيين السود حيث تزيد معدلات الفقر والجريمة في الأحياء ذات الأغلبية السوداء.

تلك المؤسسات التي تنتج العنصرية المؤسسية ما زالت حاضرة وتعمل بكفاءة كبيرة، رغم كل المحاولات الفوقية للسياسة الأمريكية لإصلاح هذا الوضع، فمحاولات إصلاح الشرطة الحثيثة التي تمت في عهد أوباما، وغيرها من الإصلاحات القانونية مثل زيادة تسجيل الناخبين السود لم تقدر على حل تلك المشكلات. بل يجادل البعض بأن وجود أوباما نفسه في سدة الحكم لم يكن يدعم فكرة تجاوز الخلافات العرقية، بل جعل السياسة الأمريكية أكثر تركزاً حول العرق خاصة في ظل التغيرات الديموغرافية التي تعيشها الولايات المتحدة في الوقت الحالي.

يُنظر على نطاق واسع لصعود ترامب على أنه نتيجة التغيرات الديموغرافية التي تعيشها الولايات المتحدة والتي ستعيشها في العقد القادم. يتوقع مكتب الإحصاء الفيدرالي أن تصبح نسبة الأمريكيين البيض في 2045 حوالي 49% فقط من نسبة السكان بسبب زيادة معدلات المواليد في المجموعات العرقية الأخرى، خاصة الأمريكيين من أصول لاتينية والسود. يدفع ذلك التغير السريع في نسب السكان المزيد من الأمريكيين البيض نحو العداء لسياسات الهجرة والشعور بتهديد أكثر من الأعراق الأخرى، ويدفع بدوره هذا التغيير الديموغرافي المزيد من الطبقة العاملة والوسطى البيضاء الأمريكية ناحية المحافظة السياسية، سواء بالتصويت للحزب الجمهوري وترامب كما حدث في الانتخابات الرئاسية الماضية أو بالتصويت للأجنحة التقليدية في الحزب الديمقراطي كجو بايدن.


بالتالي تظهر تلك المقاومة الحادة للإصلاح في اللحظة الحالية في العنف العاري من قبل الشرطة الأمريكية تجاه المتظاهرين أو تجاة الأمريكيين السود، وتظهر في عنف معنوي في السياق السياسي الأمريكي يجعل ترامب رئيس أكبر دولة في العالم يقلل من خطورة ما يحدث ويتحدى المتظاهرين الذين احتشدوا أمام البيت الأبيض. ذلك ما يصعّب أي إصلاح منشود على المدى القريب في ظل إدارة ترامب، حتى ذلك لا يبدو أنه يدعم من فرص مرشح الديمقراطيين الحالي بايدن في الانتخابات القادمة؛ لأن ذلك مرتبط بقدرته على استقطاب الطبقة الوسطى والعاملة البيضاء إلى صفة في الانتخابات القادمة، وهو ما يبدو صعب جداً في الظروف الحالية.

لعقود كثيرة حاولت الولايات المتحدة التأكيد على تجاوزها لقضية العرق، وهو أشبه بدفن النعامة رأسها في الرمال، فطالما بقيت مؤسسات إنتاج التفرقة العنصرية موجودة، وطالما هناك لامساواة في الدخل والثروة والفرص بين البيض والسود فإن ذلك لن ينتهي ولن تتجاوز أمريكا لحظات العنف الحالية بسهولة.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

محمد طارق
باحث اقتصادي ومترجم
تحميل المزيد