لماذا يختار الإنسان الانتحار؟ محاولة للفهم

عدد القراءات
1,208
عربي بوست
تم النشر: 2020/06/16 الساعة 11:09 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2020/06/16 الساعة 11:09 بتوقيت غرينتش

يثير الانتحار عادة الكثير من الإشكالات والأسئلة، ويذكرني الجدل الدائر حالياً حول انتحار "سارة حجازي"، برواية "ثلج" للأديب التركي أورهان باموق الحائز على جائزة نوبل للآداب، حيث عبرت إحدى المقبلات على الانتحار عما يخالجها من شعور قائلة "ليس ثمة شيء له معنى في هذه الحياة.. لا أريد أن أعيش"، وكانت المعنية قد سهرت على خدمة والديها ليلاً، لتختار تناول الحبوب وهي في حالة عزلة؛ وهناك من اخترن طريقاً آخر لوضع حد لحياتهن، مع أن الظاهرة_الحدث التي يكلف الصحفي والشاعر بطل الرواية البحث فيها، تهم الفتيات المتدينات في مدينة قارص والنواحي، وذلك حسب اختيار الكاتب الذي يحاول الاشتغال على توتر الهوية في المجتمع التركي، ويبحث الموضوع مع سياقات سياسية واجتماعية وثقافية مرت منها تركيا.

هذا الذي ذكرناه في رواية "ثلج Snow" يمكن لقائل أن يقول عنه، ما لنا به إنه من صنيعة خيال الأديب التركي، وكذلك الأمر بالنسبة لمقاربة دروكايم لإشكالية الانتحار في القرن التاسع عشر، والتي اقتصرت على جانب واحد وأبعدت العامل النفسي للفرد، قد يردها القارئ أو المتابع، ما يعني أن التحفظ على زاوية الأديب في روايته وشيخ السوسيولوجيين، قد تكون ممكنة ومحل نظر، ويدفعنا إلى التساؤل التالي:

 كيف نفهم حدث انتحار الفتاة المصرية سارة حجازي، وما الكامن خلف الظاهرة في الأسباب والجذور النفسية والاجتماعية والسياسية؟

  لطالما كان الانتحار من القضايا الشائكة، وسيظل كذلك يبعث الكثير من الأسئلة من زوايا متنوعة ومختلفة، لكن موضوع الفتاة المصرية، ليس له علاقة بالدين من جانب، ولا صلة له كذلك _في رأينا_ بمخلفات نزوع الإلحاد أو ما يسمى بالمثلية عند البعض والشذوذ الجنسي عند البعض الآخر.

 إن اختيار الانزواء مع تفسير طرف من هذه الأطراف، هو إعلان استقالة للتفكير في موضوع الانتحار، بعدم البحث في الأسباب الحقيقية التي تكون عادة وراء الحادث، ونقصد هنا الأسباب النفسية والاجتماعية والسياسية، التي جعلت شرائح واسعة من الجيل الحالي، تقع في هوة سحيقة نتيجة اضطرابات مختلفة، لكن لسوء حظ البعض، لم يجدوا حبالاً تنقذهم أو حنواً يأخذ بهم أو روابط ذاتية أو اجتماعية تصمد أمام الهزات العنيفة التي شملت الإنسان كفرد  والمجتمعات ككيانات. دون أن نغفل عن غياب أنظمة عادلة تعطي مساحة للتفكير والبحث العلمي بما ينعكس على دراسة الظواهر والقضايا، وفق مداخل متنوعة ومتكاملة بعيداً عن اتخاذ أحكام ومواقف متسرعة تحجب رؤية الحقيقة كما هي عليه.

يحق لنا أن نطرح السؤال الآتي، ما الذي جرى حتى دفعنا إلى الحكم بأن هزات عنيفة شملت الفرد والمجتمع؟ وكيف يكون لذلك بعض الانعكاس في موقف البعض من القيم الكبرى الدينية والثقافية للمجتمعات، وعند البعض الآخر في شكل أكثر حدة في وضع حد للحياة مرة واحدة؟

لا نحتاج إلى التذكير  بأن جيل الشباب الحالي، الذين هم في أواخر العشرينات أو الثلاثينات من أعمارهم، جايلوا يوتوبيات وأحلام التغيير مع الربيع العربي، مما استشعر جيلاً بأكمله أنه ينجز شيئاً مهماً في التاريخ هو مدعاة فخر، لقد كان بنيان الحرية والتقدم قاب قوسين أو أدنى من التشكل والاكتمال، ومعه ستترسخ بعض معالم فردوس الحرية والكرامة والتنعم بالمساواة أمام القانون في السياق العربي، بعد أن كانت مجرد صور وخيالات يتأملها في عوالم السياق الغربي.

 هذا الفردوس الأرضي الذي تتجسد فيه آمال وتطلعات شرائح واسعة في الحرية والتقدم والكرامة الإنسانية، انهار فجأة، وبعد أن كان أفق الحلم واسعاً ومساحة الآمال لا حدود لها، صار الحلم الجميل كابوساً يطارد الشباب والمجتمع، وآلاماً لا حصر لها، كيف يمكن لإنسان في سياق يملك أهم شيء معنوي يحقق به كينونته ولا يقدر بثمن، فإذا به يفقد حق الحلم أساساً وتحسس الأمل في الواقع والمستقبل؟ 

إن غياب العدل ومناخ الحرية، يرسخ توترات لدى الإنسان لما يجد نفسه أمام جبروت لا يملك القوة اللازمة لمجابهته، فيحدث الانهيار، ويقع الفرد من اختيار لآخر، في تعبير عن انكسار داخلي، يحتاج نمطاً مختلفاً من العلاج والمقاربة، نمطاً يحاول فهم الحدث والظاهر من منظور مركب يستحضر الأبعاد السياسية والاجتماعية والنفسية مجتمعة، لأننا أمام تطرفات متنوعة، وانتقالات سريعة بعد فقدان هذه الشريحة أو الشخص المعني، الروابط التي تحفظ  تماسكه من الانهيار  وتبقيه في حالة توازن يقيه الاضطراب، ذلك أن تفسيرها بالثنائيات الحادة دين_لادين أو إلحاد، شذوذ أو غيره من حالة السواء في الشخصية الإنسانية؛ مجمل تلك الثنائيات التي نجدها منتشرة اليوم مع هذا الحادث أو غيره، لا تقدم تفسيراً للمشكلة التي تنتشر عادة في لحظات المخاض التي تمر منها المجتمعات، أو الولادات الجديدة للأمم في التاريخ، حيث تتشكل البراديغمات والانتقالات الكبرى، أو بفعل الاضطرابات، فيتم ترسيخ تلك التوترات وإذكاء الانقسامات عوض معالجتها، وقبل المعالجة ينبغي فهمها والوعي بها.

أحياناً كثيرة، تجد المعنيين أنفسهم يسقطون بعض التفسيرات التي يشتغل عليها الإعلام ويستثمر فيها بعض المتاجرين في مثل هذه القضايا، ليصور الأمر على أنه صراع بين تشدد وانفتاح، وبين دعوة إلى الحرية والاختلاف ودوغمائية وانغلاق، لكن ذلك يبقى في  مجرد مبررات لمنح التوتر الحاصل صبغة فكرية ذات طابع إيديولوجي.

  إن تلك الأزمات إذن، تبطن توترات غذتها عدة أسباب، هي في طبيعتها ذات بعد سياسي كما سبقت الإشارة لذلك؛ أي في غياب مناخ للحرية بمفهومها الشامل، وليس المجتزأ، وفي جوانب كثيرة منها تكون ذات بعد نفسي أو اجتماعي، حيث إن الهزات العنيفة للأفراد تفقدهم نقطة الارتكاز على مستوى الذات فيما يغذي آمال الفرد وتطلعاته، أو على المستوى الاجتماعي فيما له صلة بالروابط العائلية وأشكال العلاقات الاجتماعية الأخرى في المجتمع، التي يكون فيها حبل قوي لعنصر الثقة، يمكن أن يؤدي انفراطه إلى اتخاذ خيارات حدية.. ومنها الانتحار، وهذا لا يعني أن المنتحر فقد شعوره، إنما قد يكون يعاني حالة إفراط حاد في الشعور، لكنه مع فقدان نقطة الارتكاز تلك صار متفلتاً، أو مع توالي حالات الاكتئاب وإجهاض الآمال والتطلعات، بالإضافة إلى تلك الانتقالات السريعة للأفراد من حالة إلى نقيضها، تبقى بحاجة إلى تفسير من الناحية النفسية والاجتماعية، لأن تلك الانتقالات الحادة لا تعكس تحولاً عميقاً، إنما هي ردود فعل نتيجة ما هو ذاتي أو موضوعي من الإكراهات.

إن الاصطفافات التي تحصل عادة في مثل هذه القضايا هي وهمية بطبيعتها، ومثل الدخان الذي يغطي على اللهب، ونشير له في مستويين: الأول، أن جانب من النقاش المتداول  في جواز الترحم من عدمه، والجنة والنار، لن يساعد على فهم المشكلة، كما أنه في الحالة المصرية وغيرها من البلدان العربية، ينبغي النظر في من يصادر جنة الناس في الحرية والكرامة في الدنيا، إلى جانب الأمل والرجاء في جنة الآخرة، والتفكير في استئناف الآمال والتطلعات المجهضة، إذ في ذلك إنقاذ لجيل يحمل معه الكثير من العذابات والآلام. أما الثاني: النظر إلى الحرية فيما له علاقة بالجندر وحسب، وذلك اجتزاء واختزال، وتغطية على الاستبداد الذي يعمل على إذكاء التناقضات بين المكونات المجتمعية، بينما ينبغي النظر في الحرية بمفهومها الشامل، أي التي يتداخل فيها الثقافي بالسياسي، حتى لا يضيع معنى الحرية، حيث فهمتها بعض النخب العربية بشكل مقلوب أو مجتزأ، بينما الحرية كل لا يقبل التبعيض.

إن اجتناب الأحكام والمواقف الجاهزة، والنظر في الأسباب العميقة للكثير من الظواهر ، والبحث في الجوانب الخفية أو الكامنة لها، برؤية مركبة لا تنزع إلى الثنائيات الحدية التي تخلق صراعات واختلافات وهمية، هو ما يمكن أن يدفع بالتفكير في مستقبل بشأن الانهيارات التي حصلت للجيل الحالي في آماله وأحلامه من جهة، بما انعكس من ارتدادات عنيفة على مستوى تمثلاته ورؤيته لذاته وللعالم، بما يشبه خيبة أمل ويأس قد ينتج عنه اكتئاب، يدفع بالبعض إلى وضع حد لحياتهم.

كيف يمكن أن ننقذ أجيال المستقبل من الارتدادات والهزات الحاصلة؟

نحتاج إلى التفكير في فهم المشكلة أولاً، ثم إلى إعمال مداخل متنوعة يتكامل فيها الديني بالاجتماعي بالنفسي بالأدبي بالسياسي والاقتصادي، والأهم من ذلك أن تصير هذه القضايا محل نقاش عمومي، لكن في علاقة بالأسباب الرئيسية ومداخل للحل في مناخ الحرية وليس الاستبداد، وكذلك ليست بالاصطفافات الوهمية.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

يحيى عالم
باحث في قضايا الفكر العربي الإسلامي والفلسفة. شارك في عدة مؤتمرات وطنية ودولية، نشرت له عدة دراسات ومقالات في قضايا الفكر والثقافة والسياسية، وأخرى قيد النشر، مقيم حالياً بألمانيا.
باحث في قضايا الفكر العربي الإسلامي والفلسفة. شارك في عدة مؤتمرات وطنية ودولية، نشرت له عدة دراسات ومقالات في قضايا الفكر والثقافة والسياسية، وأخرى قيد النشر، مقيم حالياً بألمانيا.
تحميل المزيد