في مدى خسارة المغرب من التضييق على الحريات وسجن الصحفيين

عدد القراءات
4,500
عربي بوست
تم النشر: 2020/07/11 الساعة 08:54 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2020/07/11 الساعة 08:54 بتوقيت غرينتش

عرفت العلاقة بين المغرب ومنظمة العفو الدولية بعض التوتر في الشهر الأخير، بخصوص ما ذهبت إليه المنظمة الحقوقية الدولية، في حق المغرب الذي تتهم سلطاته بالتجسس على مجموعة من الصحفيين، وذلك باستعمال برنامج عادة ما يستخدم في المجال العسكري والاستخبارات ذات الصلة بالأمن القومي، ما يعني أن استعماله في مراقبة وتتبع المواطنين يمثل تهديداً لحرية التعبير وانتهاكاً للمجال الخاص والشخصي للناشطين، هذه الواقعة وبغض النظر عن ملابساتها وحالة الشد والجذب بين الحكومة المغربية ومنظمة العفو الدولية، فإنها في بعض أوجهها تدفع إلى مساءلة طبيعة حول العلاقة بين الإعلام والسلطة، التي تعرف في المغرب في جانب منه حالة من التصدع في علاقة بالإعلام والإعلاميين الذين يمتلكون نسبة من الاستقلالية، ومن ثم فإن ما طفا إلى السطح مؤخراً مجرد تجلٍّ من تجلياتها المختلفة، منها الاعتقال والمحاكمات المتكررة لرؤساء تحرير وكتاب صحفيين. ما يدفعنا إلى التساؤل التالي:

لماذا نشهد حالة تباين بين تضييق على العمل الإعلامي والصحفي الذي يسهم في بناء الوعي السياسي والثقافي مقابل السماح لانتشار نمط آخر يتغذى على الوقائع والفضائح في المجتمع، أو من خلال خدمة السلطة ومصالحها المتشابكة كما ظهر في العديد من الأقطار؟ 

عادة ما تعيش أنساق السلطة ذات النزعة الشمولية على وقع الفوبيا من الإعلام الحر ومعه الصحفيون والكتاب الذين يسهمون في توجيه الوعي المجتمعي نحو القضايا المصيرية، ولا يشاركون في حفلة التفاهة التي تعمل على تحويل القضايا الهامشية إلى مركزية، وتسليط الضوء على القضايا الثانوية دون غيرها بغاية الإلهاء وإبعاد الرأي العام عن الاهتمام بالإشكالات التي تتصل بما يخدم مصير المجتمع برمته، ونقصد تحديث النظم والمؤسسات وتوطين الديمقراطية والحريات ونسج العلاقة بين المجتمع والدولة والمواطن والحاكم، على قواعد المساءلة والمحاسبة والنقد بدل مسرحية التصفيق الجماعي، أو كما يقول المثل المغربي منطق "العام زين"، الذي يراد له الانتشار ولو في سياق تراجعي.

  لا تنفصل طبيعة العلاقة بين الإعلام بالسلطة، عن المناخ السياسي العام السائد، فهي تتأرجح حسب اللون الذي يتلون به المشهد السياسي وطبيعة رهانات المرحلة، وذلك ما يمكن تتبعه  أوجهه المختلفة على مدى زمني متنوع في المغرب منذ التسعينيات، حيث كانت الانفراجة الحقوقية حينها بفعل  ضغط المنظمات الحقوقية ومنها منظمة العفو الدولية من جهة، ودواعي الإعداد لانتقال العرش، عاملاً في استيعاب جزء من صيرورة النقد الذي كان يمارسه مختلف الفاعلين من خارج النسق إلى الانتقال داخله، كان ذلك في الإعلام السمعي البصري أو المكتوب، غير أنه لم يكن بعيداً عن أعين السلطة حيث ظل الطابع الأمني هو المتحكم، لكن مع سياقات الإنصاف والمصالحة وتفاعلاتها، فإنه يمكن القول إن المغرب دشن هامشاً كبيراً من النقد والحريات، مع بقاء التجاوزات، مما يعني الأمر حسب رغبات ورهانات المرحلة التي يسعى مركب السلطة والثروة كسبها، وكذلك حسب المزاج العام داخل بنية الحكم وأجنحة ممارسة السلطة.

كان الاحتفال بالعهد الجديد وبالإنصاف والمصالحة، في مدة زمنية قصيرة، فاكتمال الفرح إنما كان بموازاة طغيان مقاربة أمنية في جوانب أخرى، أي أن ما يسمى انفراجة في مرحلة معينة وأسئلة عريضة علقت على مغرب الألفية الجديدة، وجدت نفسها أمام شبح عودة الداخلية والهاجس الأمني بتواز مع ترتيب المشهد السياسي لسلطوية يتداخل فيها السياسي بالأمني بما يشبه نمط الدولة "البوليسية"، حيث تكون المقاربة الأمنية هي الحكم، لكن الربيع العربي سنة 2011، فتح أفقاً جديداً للكتاب والإعلاميين والمثقفين والفاعلين بالنقد الحاد لبعض الاختلالات الكامنة في زواج المال بالسلطة، وللتمظهرات الخشنة والناعمة للاستبداد، فكان ذلك الأفق بمثابة استعادة لوهج التحليل السياسي والنقد والتفكير من زوايا مختلفة في رهانات الديمقراطية والتحديث بالمغرب على أسس المواطنة.

ذلك الباب المشرع الذي فتحه الربيع للإعلام من أجل القيام بمهام الرقابة، باعتباره سلطة مضادة للقوة التي تحوز السلطة الفعلية، سرعان ما سيتأثر بالمناخ السياسي الذي عاد فيه شبح الاستبداد، ولم يكن المغرب استثناء من ذلك، وإن حافظ على هامش من النقد مرتفع مقارنة بباقي الدول العربية، ذلك أن الحرية في التعبير في المغرب لم تكن منعدمة كلية كما هو باقي الانظمة السلطوية في الإقليم، لكن الوضع دون المأمول في المقارنة بالسياقات الديمقراطية، أو دون المستوى الذي يسمح بتأسيس عهد جديد في الحريات، وهو ما يؤشر عليه أن سياق الثورات المضادة كان صداه في المغرب على أكثر من جانب، سياسي أو إعلامي أو ثقافي أو اجتماعي، لكن الوسائط الإعلامية والكتاب كان لهم الحظ الكبير في نتائج عودة شبح السلطوية والاستبداد، إلى جانب الحركات الاحتجاجية كما حصل مع حراك الريف وغيره من احتجاجات الهامش.

لم تكن السلطات في المغرب وهي تعتقل الصحفيين وكتاب الافتتاحيات من توفيق بوعشرين إلى المهداوي وسليمان الريسوني وغيرهم، تعي جيداً أن الصوت الناطق في الجريدة، أو المقالة أو باقي الوسائط والمواد التي ينتجها صحفيون أو كتاب لهم رأي واستقلالية ما في موقفهم، هو ضمانة من ضمانات الثقة الشعبية في مسار المغرب نحو شعارات وعناوين سياسية كبيرة ظل يرفعها، بالإضافة إلى أن الصحفيين والكتاب والنقد الذي يمارسه مختلف الفاعلين، يعد وجها من أوجه حرية التعبير في البلد، ما يجنب المغرب خدش صورته المنتظم الدولي والهيئات الحقوقية والرأي العام الدولي.

لقد صار خدش الثقة مع الانتهاكات مزدوجاً، وجهاً من أوجهه في مستوى العلاقة بين المجتمع الدولة، حيث ان إلقاء الصحفيين الذين يطلعون بمهام النقد والمساءلة والتقويم في السجن، يشكل دافعاً للنفور المجتمعي وعدم الشعور بالأمان، ومن ثم فإن خلق حالة التوتر في المجتمع بإبقاء الصحفيين والكتاب والنشطاء ومتزعمي الحراك الاحتجاجي في السجن، يزيد من منسوب انعدام الثقة، وقد كان لذلك انعكاسه على الوضع الاجتماعي والسياسي برمته، ويمكن أن نشير إلى تقرير المندوبية السامية للتخطيط عن الهجرة الدولية، أن 33 ,6% يتوفرون على تعليم عال، وأكثر من 50 ألف طالب مغربي يكملون دراستهم بالخارج ويفضل أغلبهم عدم العودة، بل إن وزير التعليم أشار إلى أن المغرب يفقد سنوياً 600 مهندس خصوصاً في السنوات الأخيرة، وقد كان المهدي المنجرة "رحمه الله" قلقاً غاية القلق وشديد التشاؤم من هجرة الأدمغة والكفاءات التي ينفق عليها المغرب كثيراً، ثم لا يوفر لها المناخ الاجتماعي والسياسي والعلمي للفعالية، ووقع الاضطراب في التضييق على الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية والكتاب والنشطاء يزيد من تغذية القلق لدى فئات واسعة من الشباب، بحيث يصير الجميع في وضعية الباحث عن منفذ للهجرة نتيجة عدم الشعور بالأمان الاجتماعي نتيجة الخيارات المتهورة، التي تتجسد في إجهاض وعود الديمقراطية واعتقال صحفيين يعتبرون من أكثر المتحمسين لمغرب تسوده الديمقراطية ودولة القانون عوض الهاجس الأمني والسلطوية.

المستوى الثاني الذي خدشت فيه الثقة، على المستوى الدولي، أي في علاقة المغرب بالمنتظم الدولي، فلم تكن نقطة التجسس على صحفي إلا نقطة من عدة نقاط يسجل فيها المغرب تراجعاً بيناً في تقارير حقوق الإنسان، ليطفوا السؤال التالي الى الواجهة: ما الذي سيستفيده المغرب من توتر علاقته بالهيئات والمنظمات الحقوقية الدولية؟ أو لنقل لماذا اختار المغرب هذا النهج حتى يجد نفسه وجها لوجه معارك قد يبقى فيها الماسك بالسلطة في المغرب عاري الظهر؟ ومن ثم فإن إطلاق سراح الصحفيين، والتراجع عن تلك التهم التي يعد بعضها خياليا، يعد خطوة أولى في تصحيح المسار.

إن هذا المسار المتعدد الواجهات، سواء على المستوى الداخلي فيما يخص استعادة الثقة المجتمعية وما يتعلق بالمنتظم الدولي، لا يمكن أن يصحح بما طفا للسطح من إعلام الفضائح والوقائع، أو المؤسسات الإعلامية والاعلاميين ذات الصلة بالأجهزة الأمنية ومركب السلطة، كما أن إغداق المال على المؤسسات الصحفية لن يخدم هذا المسار؛ فقد يخدم بعض الولاءات التي بدأت تتشكل في الأفق السياسي الذي يراد زج المغرب فيه سنة 2021، لكنها على المدى الاستراتيجي على المستوى الداخلي والخارجي لن تقدم له النفع.

فطبيعة الصحافة التي يراد لها أن تسود، أي  إعلام الفضائح والوقائع الصغرى المجتزأ بدل التحليل والقضايا الكبرى المركبة، ولا يمكن أن تنصر البلد أو تخدمه في تقديم صورة حسنة عن المغرب، فمهمتها الأساسية فيما يمكن للمتتبع أن يلحظه، تهدف إلى تسطيح الوعي، بحيث تتحول الصحافة والإعلام، سيما بعض المؤسسات المشتغلة في الإعلام الجديد، إلى أداة لتضييع الوجهة وإغراق المشاهدين بالتفاهة، ونحن إذا عدنا سنوات إلى الوراء فإن مثل هذه الوسائط الاعلامية التي تعمل على إشاعة  القضايا الهامشية وتتبع خصوصيات الناس بلغة وأسلوب وأخلاقيات بعيدة عما شكل هاجس الإعلاميين المهجوسين بالتحديث والمواطنة، او بالأدوار الرقابية للإعلام وليست التسويقية للرداءة، كانت جميعها على الهامش، ذلك أن المركز كان للكتابات والإسهامات الواعية في توجيه الوعي والنقاش المجتمعي نحو البناء الديمقراطي، ولنا أن نعي خسارة التضييق على الصحافة والإعلام الذي يتمتع بشعور الحرية والمواطنة.

ختاماً: إن الفوبيا التي تسكن عقل السلطة من الإعلاميين والكتاب الذين يمارسون مهامهم في النقد والرقابة، ما يؤدي إلى طغيان المقاربة الأمنية على غيرها في أفق الإعداد لسنة 2021 بعيداً عن هاجس النقد والمساءلة لإغلاق ما تبقى من المسار الذي خطه المغرب منذ سنة 2011، يجر على المغرب خسائر كبيرة، قد رأينا تجلياتها في خدش الثقة على المستوى الداخلي والخارجي، لكن الخسارة الكبرى، أن المغرب يخسر رهان التقدم والتحديث الذي جوهره الإنسان، والمقصود بذلك، أن أدوار المؤسسات الإعلامية والاعلام والكتاب يشكلون وسيطاً من جهتين، دور الرقابة وكونهم سلطة مضادة للسلطة الحقيقية لمنع التغول؛ وهي أدوار يضطلع بها المجتمع المدني كذلك في سياق التحولات الكبرى، ومن جانب ثان العمل على بناء وعي متحرر، والدفع بالمجتمع المغربي ليكون فاعلاً في التحول، فالانسحاب والنفور الذي أشرنا له كونه من نتائج المقاربة الأمنية وإجهاض الديمقراطية، قد يؤدي الى إبقاء الدولة عارية دون سند، وعوض عن أن يشتغل المجتمع بالقضايا الكبرى، سيشتغل بالجزئيات والصراع البيني، وذلك يورث صدامات عدة، تؤدي مع استمرارها إلى سوء الأخلاق وضياع الوجهة، وإشارتنا إلى الأخلاق هنا في بعدها الفلسفي، أي مقتضى الواجب والمسؤولية. كما أن مجتمع بدون وجهة، هو مجتمع على هامش التاريخ.

كل أملنا ألا نبقى على هامش التاريخ.. بينما شعوب ودول كانت تعاني نفس إشكالاتنا صارت فاعلاً إقليمياً ودولياً، بينما نحن في وضعية التائه، الذي يجرب كل يوم وصفة.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

يحيى عالم
باحث في قضايا الفكر العربي الإسلامي والفلسفة. شارك في عدة مؤتمرات وطنية ودولية، نشرت له عدة دراسات ومقالات في قضايا الفكر والثقافة والسياسية، وأخرى قيد النشر، مقيم حالياً بألمانيا.
باحث في قضايا الفكر العربي الإسلامي والفلسفة. شارك في عدة مؤتمرات وطنية ودولية، نشرت له عدة دراسات ومقالات في قضايا الفكر والثقافة والسياسية، وأخرى قيد النشر، مقيم حالياً بألمانيا.
تحميل المزيد