ضد الترشيد والخصخصة.. من يوقف الحكومة الأردنية عن بيع القطاع العام؟

عدد القراءات
1,159
عربي بوست
تم النشر: 2020/06/04 الساعة 15:29 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2020/06/05 الساعة 21:28 بتوقيت غرينتش
عمر الرزاز رئيس الحكومة الأردنية

في خضمّ الجدل المجتمعي -الذي خلقته السلطة- حول فتح بعض القطاعات الاقتصادية والأماكن الدينية والعامة، تقوم حكومة موظف البنك الدولي السابق، الليبرالي المتعصب، عمر الرزاز، بالتخطيط لتنفيذ أحد أكبر أحلام الليبراليين الجدد، والذي يتمثّل في تدمير القطاع العام ومؤسساته، عصب الدولة وأحد مراكز صمودها التاريخية، تحت لافتة الخصخصة.

فرصة تلوح في الأفق

تعلّمنا نعومي كلاين في كتابها المرجعيّ في إطار الأزمات "عقيدة الصدمة"، أنّ افتراض سوء النيّة في السلطات الليبرالية هو القاعدة وسواه شاذ، فتقول: "عقيدة الصدمة أسلوبٌ للتلاعب، تستخدمه الحكومات وأجهزة الإعلام التابعة لها لخصخصة التعليم والمنافع العامة التي يملكها الشعب، ورفع الرقابة عن الأسواق استجابةً لسياسات الرأسمالية العالمية. الجزء الأكثر فاعليةً في هذا التلاعب يهدف إلى وضع الناس في حالة صدمةٍ، يعاني بعدها الناس من الرهبة وفقدان القدرة على الحركة، وهم في هذه الحالة يصبحون غير قادرين على التفاعل مع فقدان الحقوق الوحشي الذي قد يتعرضون له".

هنا ونحن في خضمّ إحدى أكبر الكوارث في التاريخ البشري الحديث، تسعى الحكومة الأردنية -مدعومةً بنخبةٍ من منظِّري الليبرالية- إلى استغلال أزمة كوفيد-19، لتنفيذ أجندتها، أو أجندة  مراكز الضغط العالمية والإمبريالية مثل: صندوق النقد، البنك الدولي.. إلخ.

يقول وزير الدعاية في حكومة الرزاز: "الهيكلة" ستجري على أغلب مؤسسات القطاع العام، ولابد من "ترشيق" الجهاز الإداري والإنفاق، وضمنه مؤسسات الإعلام الرسمية، ولا نتحدث عن دمج بل "هيكلة"، وبما يحسن الأداء ويرشق الجهاز الإداري.

خطاب ترشيق القطاع العام هذا ليس وليد وباء كورونا، بل هو ثيمةٌ كانت تميّز خطاب الرزاز وأصدقائه الليبراليين، ويمكن مطالعة العديد من المقالات التي تحرّض عليه في جريدة الغد "منبر الليبرالية الأردنية" أو الدراسات والأوراق التي يعدّها منتدى الاستراتيجيات الأردني التابع لنفس الخط التنظيري. هذا النهج الذي يعتمد على إلقاء بالونات اختبارٍ تمهّد لقرارات "الصدمة"، شاهدنا مثالًا ناصعاً عليه في إحدى أكبر عمليات السطو على أموال الأردنيين -سواء أموال الضمان الاجتماعي أو اقتطاعات الرواتب- التي وجّهت لدفع فاتورة كورونا، حيث أعدّ منتدى الاستراتيجيات الأردني ورقة سياساتٍ بعنوان "التداعيات الاقتصادية لكورونا واستجابة السياسات المحلية- آذار 2020" طالب فيها بتحميل فاتورة مواجهة الوباء لمؤسسة الضمان الاجتماعي "أموال الناس"، مع حثّ الحكومة على اقتطاع العلاوات التي تمّ إقرارها هذا العام من رواتب الموظّفين، وغيرها من السياسات عديمة الرحمة بأحوال الناس، التي التقطها عددٌ من الكتاب الليبراليين كسلامة درعاوي وسائد كراجة وبدأوا يروّجون لها، لتهيئة الرأي العام لتلقي الصدمة.

الرزاز، موظف البنك الدوليّ السابق -قبل أن يصبح وزيراً للتربية والتعليم- كان قد تولى منصب رئيس مجلس أمناء منتدى الاستراتيجيات الأردني، وسبق له كذلك أن اختار العديد من كتّاب الأعمدة في صحيفة الغد لمناصب وزاريةٍ في حكومته، وهو نفسه الدّاعي إلى ترشيق القطاع العام، وإعادة هيكلته بما يفيد رؤيته المرتكزة على التحوّل من الريع إلى الإنتاج.

ولكن أيّ ريعٍ وأيّ إنتاجٍ؟!

يطرح الرزاز رؤيةً للتحوّل من الريع، عبر ترشيق القطاع الحكوميّ وتقوية شوكة القطاع الخاص عبر انتهاج سياسات الخصخصة وانسحاب الدولة من أداء دورها الاجتماعي، ولكنّهم -للمفارقة- لا يطرحون رؤيةً مماثلةً للتحوّل إلى الإنتاج، ولا يقدّمون حلولًا تذكر لتوفير وظائف بديلةٍ للوظائف التي سيتم فقدانها بحكم ترشيق القطاع العام.

هنا يتّضح شكل التوحّش الذي يغلّف تصرّفات هذه الحكومة، ومحاولاتها الجادّة لتنفيذ أجندتها وفرضها على النّاس القابعين في الحجر بلا حولٍ أو قوةٍ، حتى وإن كانت هذه الأجندات تعني ببساطةٍ تزايد معدلات البطالة، التي وصلت لأرقامٍ قياسيةٍ قبل اندلاع أزمة كورونا، وارتفاعها حتميٌّ بعد الأزمة، ورغم هذا تأبى حكومة الرزاز إلّا أن تزيد الطين بلةً، وتضاعف من آثار الأزمة عبر انتهاج سياساتٍ نيوليبراليةٍ قاسية، مستغلةً الفرصة التي وفّرتها لها أزمة الوباء.

تصريحات وزير العمل المتعلّقة بتسويق الكفاءات الأردنية لا تجاوز الحلول الاستعراضيّة التي تتّبعها حكومة الرزاز، لبيع الوهم للأردنيين، الّذين لا يعيشون في عزلةٍ عن العالم الّذي يئنّ تحت وطأة آثار الوباء الاقتصاديّة والاجتماعيّة، فيما تقوم حكومة الرزاز بشنّ حربٍ تلو الأخرى على القطاعات الإنتاجيّة الفعليّة، كالزراعة والصّناعة لفائدة قطاع البنوك وقطاع الأسهم وقطاع تكنولوجيا المعلومات، والأخير يقوده صديق الرزاز المقرب مثنى غرايبة، الّذي يصرّح هو الآخر بضرورة الاستثمار في أزمة كورونا لغايات التحوّل التكنولوجي!

ما العمل؟

ما يغضّ هؤلاء الطرف عنه هو النقص الواسع في الكوادر في قطاعي الصحة والتعليم، اللّذين يشكلان عصب القطاع العام، فيما يركّزون على صورةٍ نمطيةٍ عزّزتها عقودٌ من السياسات النيوليبرالية، حول قطاعٍ عامٍ غير منتجٍ ومترهلٍ وبحاجةٍ لترشيقٍ "دائمٍ". فيما تظهر لنا أزمة كورونا أهميّة وجود مؤسسات دولةٍ قويةٍ، تتوافر على كوادر مؤهلةٍ بأعدادٍ وبصورةٍ كافيةٍ لمواجهة تداعيات مثل هكذا أزمة!

إنّ استمرار تخندقنا الاجتماعيّ خلف ظواهر صوتيةٍ تبجّل السلطة الليبرالية -التي تتحكّم بكل خيوط اللعبة اليوم- لن يعني سوى تنفيذ هذه الأجندة المتطرّفة، فيما نخوض صراعاً دونكيشوتياً حول من يتحمّل مسؤولية نشر الفيروس في الأردن: عرس إربد أم سائق الخناصري!

يقول سلامة درعاوي: "جزء من السياسات التي يجب على الحكومة الاستمرار في تنفيذها هي خطة إعادة هيكلة القطاع العام، والتي تبعث برسالة إيجابيّة للمانحين والمؤسسات بأن الاقتصاد الوطنيّ مستمر بالإصلاحات التي هي أساس دعم المجتمع الدولي للمملكة". هذا الأمر ليس بخافٍ على أحدٍ، فارتباطات الحكومات النيوليبرالية بالمؤسسات المانحة هو الأساس في تشكيل وهيكلة الاقتصاد لا المصلحة الوطنيّة، وعليه فإنّ ما يبشّرنا به هذا السيد درعاوي هو ما علينا الاستعداد له في حال لم تستيقظ القوى الوطنيّة من سباتها وخنوعها تحت وطأة تجبّر حكومة البنوك، وتحاول التصدي لمشروع هدم مؤسسات الدولة وإشاعة الفقر والجوع أكثر مما قد تفعل أزمة كورونا نفسها.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

ياسر المعادات
مدرس وكاتب أردني
مدرس وكاتب أردني
تحميل المزيد