مصادر تتحدث عن “دور إماراتي”.. لماذا انهارت قوات طارق صالح أمام الحوثيين في مناطق الساحل؟ 

عربي بوست
تم النشر: 2026/09/25 الساعة 13:08 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/09/25 الساعة 13:08 بتوقيت غرينتش

لم يكن وصول الحوثيين إلى باب المندب مجرد تقدم عسكري جديد على خريطة الحرب اليمنية، بل تطوراً أعاد طرح سؤال أكثر حساسية: ماذا حدث للقوات التي كانت تسيطر على الساحل الغربي، ولماذا انهارت خطوط دفاعها وانسحبت من مناطق استراتيجية بهذه السرعة؟

خلال أيام، تمكن الحوثيون من التقدم في مناطق واسعة من الساحل الغربي والجنوبي لمحافظتي الحديدة وتعز، وصولاً إلى المخا وذوباب وباب المندب، بالتزامن مع وصولهم إلى جزر استراتيجية في البحر الأحمر.

كان اللافت في هذا التقدم الانسحاب المفاجئ للقوات التابعة لـ"المقاومة الوطنية" بقيادة طارق صالح، وهي القوات التي ارتبط تأسيسها وتسليحها ودعمها خلال سنوات الحرب بالإمارات.

تقول مصادر يمنية حكومية تحدثت لـ"عربي بوست" إن ما جرى لا يمكن فهمه فقط من زاوية موازين القوى العسكرية، بل يجب وضعه في سياق الخلاف السعودي–الإماراتي، وتغير حسابات أبوظبي في اليمن بعد التطورات التي شهدها جنوب وشرق البلاد.

الإمارات والساحل الغربي

رغم انسحاب الإمارات في أواخر 2025 من اليمن، إلا أن القوات المحسوبة عليها لا سيما قوات طارق صالح المعروفة باسم "حرس الجمهورية" بالإضافة إلى ألوية العمالقة وغيرها استمرت في النشاط مسيطرة على الساحل الغربي.

تمثل قوات طارق صالح "حرس الجمهورية"، المكون الثاني من قوات المقاومة الشعبية الموالية للشرعية والتي تعمل بالتنسيق مع التحالف العربي الذي تقوده السعودية، إلا أن التقارير الصحفية استمرت في وصفه رجل الإمارات في اليمن.

واعتبر الساحل الغربي خلال سنوات الحرب أحد أهم مناطق النفوذ العسكري الإماراتي في اليمن، إذ لعبت أبوظبي دوراً رئيسياً في بناء وتسليح وتدريب تشكيلات عسكرية مختلفة قاتلت الحوثيين، وفي مقدمتها "المقاومة الوطنية" بقيادة طارق صالح.

مع مرور السنوات، أصبحت هذه القوات لاعباً رئيسياً في مناطق الساحل الغربي، من جنوب الحديدة وصولاً إلى المخا ومحيط باب المندب.

لكن خلال التطورات الأخيرة، انسحبت القوات الحكومية من عدد من المواقع والمديريات التي كانت تشكل عمقاً دفاعياً مهماً، بينها حيس والخوخة في جنوب الحديدة، والمخا وموزع والوازعية، وصولاً إلى ذوباب جنوب غربي تعز.

وأفادت تقارير حديثة بأن الحوثيين تمكنوا من السيطرة على المخا والتقدم نحو ذوباب وباب المندب، فيما امتد نفوذهم إلى جزيرة ميون ومناطق وجزر أخرى في البحر الأحمر. وهنا تحديداً، بدأ السؤال عن أسباب ذلك.

"تصفية حسابات" مع السعودية

مصدر يمني مسؤول قال لـ"عربي بوست" إن "أيادي الإمارات حاضرة بقوة" في التطورات التي شهدها الساحل الغربي، رابطاً ذلك بالخلاف المتصاعد بين أبوظبي والرياض، خصوصاً بعد التطورات التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة شرقي اليمن، التي يقول إنها انتهت بهزيمة القوى الانفصالية المدعومة من الإمارات وتراجع الدور الإماراتي في اليمن، على حد قوله.

بحسب المصدر، فإن الانسحاب من مناطق تمتد من الخوخة جنوب الحديدة إلى ذوباب جنوب تعز يصعب تفسيره عسكرياً بالنظر إلى الإمكانات التي كانت تمتلكها قوات "المقاومة الوطنية".

أضاف أن ما حدث، من وجهة نظره، يعكس انتقال أبوظبي إلى مرحلة جديدة من "تصفية الحسابات" مع السعودية.

يذهب المصدر إلى اتهام أكثر خطورة، مفاده أن "الإمارات أرادت من خلال ترك الطريق مفتوحاً أمام الحوثيين للوصول إلى باب المندب توجيه ضربة سياسية وعسكرية للسعودية، التي كانت قد قلصت نفوذ حلفائها في جنوب اليمن".

اتفاق مع إيران؟

كما يربط المصدر ذلك بما وصفه بمحاولة إماراتية لترميم العلاقة مع إيران وتجنب تعرض أراضيها لهجمات إيرانية، مقابل تسهيل تقدم حلفاء طهران الحوثيين نحو باب المندب.

غير أن هذه الرواية لم تقدم، ضمن المعلومات المتاحة لـ"عربي بوست"، دليلاً مستقلاً يثبت وجود اتفاق إماراتي–إيراني بهذه الصيغة، لكن مصادر رسمية يمنية تحدثت للموقع عن وجود مؤامرة.

يذهب القيادي في حزب المؤتمر الشعبي العام عادل الشجاع إلى أبعد من ذلك.

إذ ربط الشجاع في حديثه لـ"عربي بوست"، بين التطورات الحالية وبين الخلاف السعودي–الإماراتي والضربات التي تعرضت لها الإمارات من إيران، معتبراً أن أبوظبي أبرمت "اتفاقاً مع إيران" تتوقف بموجبه طهران عن توجيه الضربات إلى الإمارات، مقابل تسهيل مهمة الحوثيين في الساحل الغربي، دون تقديم يدلل على هذه المزاعم.

ويقدم الشجاع ذلك باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لفهم سرعة الانهيار العسكري في المنطقة.

لم يتوقف اتهام الشجاع عند مسألة الانسحاب، فلم يستبعد دوراً استخباراتياً للإمارات، مستنداً إلى أن أبوظبي لعبت دوراً في إنشاء منظومة الاستخبارات التابعة لقوات الساحل.

بحسب الشجاع، فإن الإمارات حاولت من خلال هذا المسار تحقيق هدفين في وقت واحد: حماية أراضيها من الضربات الإيرانية، وتصفية حساباتها السياسية مع السعودية في اليمن، وفق اتهامه.

كما يرى أن أبوظبي قد تواصل استخدام القوى التي بنتها في اليمن، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي وقوات العمالقة، لإحداث تغييرات جديدة في موازين القوى بالمناطق الجنوبية.

ولم يصدر أي تعليق بعد من الإمارات على الاتهامات المشابهة المثارة إعلامياً.

الحديدة تتحدث عن "مؤامرة"

التطورات الميدانية نفسها دفعت مسؤولين يمنيين إلى استخدام لغة شديدة اللهجة في وصف ما حدث.  

محافظ الحديدة الحسن طاهر وصف التطورات في الساحل الغربي بأنها "مؤامرة كبيرة"، وقال في تصريح مصور بثّه مكتب الإعلام بالمحافظة إن ما جرى لا يمثل، في رأيه، هزيمة عسكرية، وإنما نتيجة "خديعة ومؤامرة كبيرة".

وأضاف أن القوات كانت تواجه الحوثيين وإيران وداعميها، مشيراً إلى وجود تمويل بمليارات الدولارات وراء العملية، من دون تسمية الجهات التي قال إنها تقف خلفه. وتعهد طاهر بكشف الجهات التي قال إنها "تآمرت" وموّلت وسهلت مهمة الحوثيين.

لكن تصريحات المحافظ، شأنها شأن الاتهامات الأخرى المتعلقة بدور الإمارات، لا تحدد بصورة علنية الأدلة التي تستند إليها لإثبات وجود تواطؤ أو تسهيل من طرف إقليمي.

أين تقف قوات طارق صالح؟

يكتسب موقف طارق صالح أهمية خاصة في هذه الرواية، باعتباره قائد "المقاومة الوطنية" وعضو مجلس القيادة الرئاسي. 

فالقوات التابعة له كانت تمثل القوة الرئيسية في أجزاء واسعة من الساحل الغربي، فيما كان باب المندب أحد أبرز الملفات التي ارتبط بها خطابه العسكري خلال الفترة السابقة.

قبل التطورات الأخيرة، كان صالح يؤكد أن قواته تمنع الحوثيين من الوصول إلى الممر الملاحي الاستراتيجي. وفي أغسطس/آب، قال إن قواته حرمت إيران من استخدام ورقة باب المندب عبر الحوثيين، وإن المعركة في الساحل مرتبطة بمواجهة المشروع الإيراني.

لكن التطورات اللاحقة قلبت المشهد بصورة حادة، إذ تمكن الحوثيون من الوصول إلى المخا ثم ذوباب ومحيط باب المندب، في وقت كانت القوات الحكومية تعيد ترتيب صفوفها.

هذا التناقض بين خطاب ما قبل المعركة والواقع الميداني اللاحق هو أحد أسباب اتساع الأسئلة حول أسباب الانهيار، وليس دليلاً بحد ذاته على وجود قرار إماراتي بتسليم المنطقة.

وكانت قوات طارق صالح قوة عسكرية حقيقية على الأرض، لكنها، وفق مصادر مطلعة، لم تكن تمتلك عقيدة عسكرية واضحة، كما أن ولاء طارق صالح وقيادات قواته كان موزعاً بين الإمارات والسعودية، مع ميل أكبر نحو أبوظبي، على حد قولها.

وترى المصادر في المناطق التي تنشط فيها قوات صالح، أن دمج تشكيلات أخرى بينها المقاومة التهامية وألوية الزرانيق ضمن قوات صالح، كانت إحدى المشاكل الرئيسية. 

وتلك القوات من أبناء محافظة الحديدة، معتبرة أن ذلك "أضعف هذه التشكيلات وأثر في قدرتها على أداء دورها، لا سيما أن طارق صالح تعامل مع هذه القوات بنظرة تمييزية، كما جرى تحويل جزء من الدعم المخصص لها إلى ما يُعرف بـالمكتب السياسي التابع للمقاومة الوطنية، الذي أنشأه طارق صالح عام 2021 ليكون ذراعاً سياسية له".

ولم يتسن أخذ تعليق من قوات طارق صالح.

إخفاق عسكري أم قرار بالانسحاب؟

ثمة قراءة أخرى لا تتطلب افتراض وجود "صفقة" إماراتية–إيرانية لتفسير ما حدث، فالتقدم الحوثي جاء عبر هجوم سريع ومتعدد المحاور، بالتزامن مع انسحابات حكومية وإعادة تموضع للقوات.

تشير مصادر ميدانية تحدثت لـ"عربي بوست"، إلى أن الحوثيين ضغطوا على عدة جبهات في الوقت ذاته، وتمكنوا من السيطرة على المخا ومناطق أخرى قبل الوصول إلى ذوباب وباب المندب.

كما أن السؤال لا يتعلق فقط بالقوات التابعة لطارق صالح، بل بقدرة منظومة القوات الحكومية ومجلس القيادة الرئاسي على تنسيق الدفاع عن منطقة استراتيجية بهذا الحجم.

وأفاد مصدران يمنيان أحدهما عسكري والآخر حكومي، بأن قوات المقاومة الوطنية التي يقودها طارق صالح، لم يكن ينقصها العتاد أو القوة البشرية، لخوض المعركة مع الحوثيين. 

وأوضحا لـ"عربي بوست" أن هذه القوات التي تلقت دعماً وتسليحاً من الإمارات في البداية، ثم من السعودية لاحقاً، لا يمتلكه أو لم تحصل عليه وحدات الجيش الأخرى التابعة للحكومة المعترف بها.

طبيعة قوات "المقاومة الوطنية"

بحسب المصدر العسكري، فإن قوات "المقاومة الوطنية" تتألف من 15 لواء  بمسمى "حراس الجمهورية والمغاوير" إضافة إلى لواءين تحت "ألوية الزرانيق" وأربعة ألوية من "المقاومة التهامية"، ولواءين من "العمالقة"، وبقوام تتجاوز ثلاثين ألف مقاتل. 

إلى جانب هذه القوات العسكرية، تنتشر قوات أمنية وشرطية تحت مسمى  قطاع الأمن في الساحل الغربي"، إضافة إلى تشكيلات استخباراتية ومهام خاصة بقيادة عمار صالح، وكيل جهاز الأمن القومي سابقا وشقيق طارق. 

من تلك التشكيلات الاستخباراتية، وحدة أطلق عليها "الوحدة 400″، وهي عبارة عن جهاز أمني واستخباراتي يديرها عمار صالح، ضمن نطاق سيطرة قوات الساحل الغربي المرتبطة بشقيقه طارق. 

تضاف إلى التشكيلات السابقة، قوات "خفر السواحل" التي كانت تتمركز في أربع جزر في البحر الأحمر، بدءا بأرخبيل حنيش  الذي يتكون من "حنيش الكبرى وحنيش الصغرى" وجزيرة زقر، قبالة مدينة الخوخة جنوبي الحديدة. 

بينما تبرز جزيرة "ميون" الاستراتيجية الواقعة في مدخل مضيق باب المندب، كواحدة من الجزر الأربع التي كانت خاضعة لقوات خفر السواحل التابعة لقوات طارق صالح. 

فيما أوضح المصدر الثاني أن حسابات الحكومة وكذلك السعودية، كانت خاطئة على الأرجح، حينما اعتقدوا أن قوات "المقاومة الوطنية" قادرة على الصمود في وجه الحوثيين، بالنظر إلى غياب العقيدة القتالية، وتأرجح ولاء قيادتها.

وقال إن "الجميع يشعر بخيبة الأمل، بعد التقدم السريع للحوثيين من دون قتال من قوات طارق صالح، رغم أنها كانت تتلقى الأموال والتسليح بانتظام بخلاف سائر التشكيلات العسكرية سواء الحكومية أو الموالية لها".

وأكد أن الأمر حقاً كان مخيباً للأمال، بعد سيطرة الحوثيين على تلك المدن والشريط الساحلي الاستراتيجي وصولاً إلى مضيق باب المندب، حيث ممر الملاحة الدولية، فضلاً عن ترك تلك القوات لذلك العتاد والأسلحة التي ظلت تتلقاه منذ 8 سنوات على تشكيلها.

ما الذي فقدته قوات طارق صالح؟

خسرت قوات طارق صالح، المعروفة باسم "المقاومة الوطنية"، ست مديريات كانت خاضعة لسيطرتها على الساحل الغربي، هي حيس والخوخة جنوبي الحديدة، والمخا وموزع والوازعية وذوباب، إضافة إلى أربع جزر هي زقر، وحنيش الكبرى، وحنيش الصغرى، وجزيرة ميون عند مدخل باب المندب.

وكانت هذه المناطق تحت سيطرة تشكيلات "المقاومة الوطنية"، التي تضم ألوية حراس الجمهورية، وألوية المغاوير، وألوية المقاومة التهامية، وألوية من قوات العمالقة.

تلك المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة طارق صالح انتقلت إلى الحوثيين من دون قتال، باستثناء معارك دارت في المرتفعات التابعة لمديرية الوازعية، في الريف الغربي الجنوبي من تعز.

لكن أهمية التطورات لا تتعلق فقط بخسارة مديريات يمنية، إذ إن وصول الحوثيين إلى ذوباب وجزيرة ميون ومحيط باب المندب يعني أن الجماعة باتت أقرب إلى واحد من أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن، ما يمنح التطور أبعاداً تتجاوز حدود الحرب الداخلية في اليمن.

تكتسب المنطقة أهمية إضافية في ظل اضطرابات طرق الطاقة والملاحة في المنطقة، وهو ما دفع الحكومة اليمنية إلى التحذير من أن التطورات الأخيرة لم تعد شأناً داخلياً فقط، بل تمثل تهديداً لأمن المنطقة وحرية الملاحة وإمدادات الطاقة.

ومن هنا، فإن السؤال المتعلق بدور الإمارات لا يقتصر على معرفة من انسحب ومن تقدم، وإنما يمتد إلى طبيعة التحول الذي طرأ على خريطة السيطرة في الساحل الغربي: هل نحن أمام انهيار عسكري مفاجئ، أم إعادة تموضع محسوبة، أم نتيجة لتداخل حسابات يمنية وإقليمية أوسع؟

بموجب إرشادات موقع “عربي بوست”، نستخدم المصادر المجهولة للمعلومات التي تأكدنا من مصداقيتها من خلال مصدرين موثوقين على الأقل. يرجى تفهم أن المصادر غالباً تخشى على وظائفها أو سلامتها.

تحميل المزيد