كشفت مصادر مصرية مطلعة لـ"عربي بوست" أن القاهرة بدأت تنفيذ حزمة من الإجراءات الاحترازية تحسباً لأي تصعيد قد يطال مضيق باب المندب، في ظل تصاعد التهديدات الحوثية للملاحة البحرية، واتساع المخاوف من انتقال المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى ممرات بحرية استراتيجية تمثل شرياناً للتجارة والطاقة.
وتتحرك مصر على أكثر من مسارٍ متوازٍ، يشمل تكثيف الاتصالات الدبلوماسية مع دول الخليج وإيران، ورفع الجاهزية الأمنية والعسكرية في البحر الأحمر، إلى جانب الإسراع في تنفيذ مشروعات النقل والربط اللوجستي بين البحرين الأحمر والمتوسط، لتقليل تداعيات أي اضطراب محتمل في الملاحة.
وتشير المعلومات إلى أن القاهرة تنظر إلى التهديدات الأخيرة باعتبارها تطوراً يتجاوز أمن البحر الأحمر، إذ قد ينعكس مباشرة على قناة السويس، وخطوط نقل النفط الخليجية، وإيرادات الدولة المصرية، وهو ما دفعها إلى تعزيز التنسيق مع شركائها الإقليميين لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
ثلاثة مسارات لمواجهة أي تصعيد
دفع تصاعد التهديدات الحوثية باستهداف الملاحة في مضيق باب المندب، والهجمات التي طالت سفناً سعودية، القاهرة إلى التحرك لاتخاذ إجراءات احترازية للتعامل مع أي متغيرات أمنية قد تؤدي إلى اضطراب جديد في حركة الملاحة، خاصة مع اعتماد بعض الدول الخليجية على الموانئ المصرية وقناة السويس لنقل النفط إلى أوروبا.
وقال مصدر مصري مطلع لـ"عربي بوست" إن الدولة المصرية وأجهزتها تتحرك حالياً عبر ثلاثة مسارات متوازية لضمان حماية الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، والحد من أي تداعيات قد تمس الأمن القومي أو الاقتصاد المصري.
ويتمثل المسار الأول في التحرك الدبلوماسي، حيث كثفت وزارة الخارجية والجهات المعنية بإدارة الملفات الخارجية اتصالاتها مع أطراف عربية وخليجية، إلى جانب إيران، لبحث سبل خفض التصعيد، ومنع توظيف الحوثيين في المواجهة الحالية، لما قد يترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة.
أما المسار الثاني، فيركز على تعزيز الاستعدادات الأمنية والعسكرية لمواجهة أي تهديد قد يستهدف حركة الملاحة في قناة السويس أو السفن الخليجية التي تستخدم القناة لنقل النفط إلى الأسواق الأوروبية، وذلك من خلال رفع مستوى الجاهزية في المناطق الحيوية المطلة على البحر الأحمر.
ويتمثل المسار الثالث في تسريع تنفيذ بدائل لوجستية تقلل من الاعتماد الكامل على الممرات البحرية، وفي مقدمتها الإسراع في مشروع الربط السككي بين البحرين الأحمر والمتوسط عبر القطار الكهربائي السريع، بما يوفر ممراً برياً إضافياً لنقل البضائع والطاقة إذا شهدت المنطقة اضطرابات أكبر.
واستشعرت القاهرة مبكراً خطورة التطورات الأخيرة، وهو ما انعكس على زيارة وزير الخارجية بدر عبد العاطي إلى قطر، عقب مشاركته في مؤتمر رابطة الآسيان في الفلبين، واستهدفت الزيارة تكثيف الجهود الدبلوماسية لدفع واشنطن وطهران إلى استئناف المفاوضات، ومنع اتساع دائرة المواجهة في المنطقة.
وأشار المصدر إلى أن الوزير نقل، خلال تحركاته، رسائل مصرية واضحة تؤكد أن القاهرة تملك خيارات متعددة إذا تعرض أمنها القومي للخطر، وأن هذه الرسائل وصلت أيضاً إلى سلطنة عُمان وإيران عبر اتصالات هاتفية أجراها عبد العاطي مع نظيريه في البلدين قبل وصوله إلى الدوحة.
ولفت إلى أن القاهرة كانت هذه المرة أكثر وضوحاً في التشديد على رفض استهداف الملاحة في البحر الأحمر، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على الاقتصاد المصري، مع استمرار تمسكها بخيار الحلول السياسية باعتباره السبيل الأمثل لخفض التصعيد، بدلاً من توسيع رقعة الصراع في المنطقة.
تحركات دبلوماسية ورسائل ردع
لم تقتصر التحركات المصرية على الاتصالات الرسمية، بل شملت أيضاً قنوات تواصل غير مباشرة مع جماعة الحوثي عبر وسطاء يتمتعون بعلاقات جيدة معها، للتأكيد على ضرورة عدم جر القاهرة إلى دائرة التصعيد، خاصة أن السياسة المصرية ما زالت تقوم على عدم الانخراط في أي مواجهة مع أطراف الصراع.
وأوضح مصدر "عربي بوست" أن هذه الرسائل حملت مضموناً واضحاً، مفاده أن مصر لا تسعى إلى التصعيد العسكري، لكنها، في الوقت نفسه، لن تسمح بأي تهديد يطال أمن الملاحة في البحر الأحمر أو قناة السويس، باعتبارهما جزءاً من الأمن القومي المصري.
ولا يزال الحديث عن تحرك عسكري مصري منفرد ضد الحوثيين مستبعداً في المرحلة الحالية، يقول المصدر، موضحاً أن القاهرة تفضل الوصول إلى تفاهمات سياسية تحول دون توسع الأزمة، مع الاحتفاظ، في الوقت نفسه، بدرجة عالية من الجاهزية العسكرية إذا فرضت التطورات ذلك.
فيما رفعت القوات المسلحة المصرية مستوى الاستعداد في القواعد العسكرية المطلة على البحر الأحمر، بالتوازي مع تعزيز الوجود البحري في محيط مضيق باب المندب، بما يهدف إلى حماية خطوط الملاحة ومنع تكرار سيناريو اضطرار شركات الشحن إلى تحويل مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح.
ولفت مصدر "عربي بوست" إلى أن القاهرة تعمل أيضاً على بلورة ترتيبات إقليمية مشتركة لتأمين البحر الأحمر، بما يضمن حماية الممرات البحرية دون تحويل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الإقليمية والدولية.
تسريع الربط بين البحرين الأحمر والمتوسط
إلى جانب التحركات السياسية والعسكرية، كشف المصدر أن الحكومة المصرية تعمل على تنفيذ إجراءات اقتصادية ولوجستية لتقليل تأثير أي اضطرابات محتملة في حركة الملاحة، وفي مقدمتها تسريع مشروع الربط السككي بين البحرين الأحمر والمتوسط عبر القطار الكهربائي السريع.
وأوضح أن المشروع يمثل أحد البدائل التي تعول عليها القاهرة لضمان استمرار حركة نقل البضائع والطاقة في حال تعرض الملاحة البحرية لمزيد من التعقيدات، مشيراً إلى وجود توجيهات رئاسية بالإسراع في إنجاز المرحلة الأولى والبدء في تشغيلها فور الانتهاء منها.
وأضاف المصدر أن هذه الخطوات تأتي في ظل تقديرات رسمية تتوقع تصعيداً أكبر في الممرات البحرية إذا أخفقت الجهود الحالية لإعادة الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات، وهو ما يدفع الحكومة إلى تسريع خططها الخاصة بتطوير البنية اللوجستية.
فيما تعمل الحكومة المصرية، بالتوازي، على توسيع الخدمات اللوجستية داخل الموانئ المصرية، وإنشاء مستودعات إضافية لتخزين الوقود، بما يعزز قدرة مصر على استيعاب حركة التجارة والطاقة القادمة من دول الخليج.
وتحظى هذه المشروعات باهتمام متزايد من الدول الخليجية، ولا سيما المملكة العربية السعودية، التي تأثرت بصورة مباشرة بحالة الاضطراب التي شهدها مضيق هرمز، وأصبحت تعتمد بدرجة أكبر على المسارات التي تمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس لنقل النفط إلى الأسواق الأوروبية.
وعاد مضيق باب المندب إلى صدارة الاهتمامات السياسية والأمنية في القاهرة، مع تصاعد المخاوف من أن يؤدي اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى تعطيل أحد أهم الممرات البحرية العالمية، بما يهدد حركة السفن في البحر الأحمر وقناة السويس، وينعكس مباشرة على الاقتصاد والأمن القومي المصري.
لماذا يثير التصعيد قلق القاهرة؟
تعكس التحركات المصرية المتسارعة إدراكاً متزايداً بأن مضيق باب المندب قد يتحول إلى ساحة جديدة للصراع الإقليمي، بعدما أصبح مضيق هرمز إحدى أوراق الضغط الرئيسية في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران منذ اندلاع الحرب بينهما في فبراير/ شباط 2026.
ويمر عبر باب المندب نحو 12% من التجارة البحرية العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه تهديداً مباشراً لسلاسل الإمداد العالمية، وحركة تجارة الطاقة، فضلاً عن انعكاساته المباشرة على قناة السويس، التي تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري.
وتشكل إيرادات قناة السويس ما بين 3% و5% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر، كما توفر ما بين 10% و12% من إجمالي دخلها من العملات الأجنبية، فيما فقدت القناة أكثر من نصف إيراداتها منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة عام 2023، نتيجة اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر.
وفي هذا السياق، كثفت القاهرة اتصالاتها السياسية مع العواصم الإقليمية، إذ بحث وزير الخارجية المصري مع نظيره السعودي التطورات الإقليمية وسبل احتواء التصعيد، حيث أكدت القاهرة أن الجانبين شددا على أهمية حماية حرية الملاحة وفق قواعد القانون الدولي، ورفض أي محاولات تعرقل حركة السفن في الممرات المائية الدولية.
وفي اليوم ذاته، توجه عبد العاطي إلى العاصمة القطرية الدوحة، كما أجرى اتصالين هاتفيين مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ونظيره العُماني بدر البوسعيدي، في إطار الجهود المصرية الرامية إلى منع اتساع دائرة المواجهة.
ومن جانبها، أكدت وزارة الخارجية القطرية أن رئيس الوزراء وزير الخارجية شدد، خلال لقائه نظيره المصري، على ضرورة التزام جميع الأطراف بالحوار والدبلوماسية، وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، بما يشمل ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، والحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها.
استعدادات لسيناريوهات التصعيد
وبحسب مصدر دبلوماسي مصري، فإن التحركات المصرية لا تتم بصورة منفردة، وإنما في إطار تنسيق وثيق مع الدول الخليجية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، التي تأثرت بصورة مباشرة بالهجمات الحوثية الأخيرة على السفن.
وأوضح أن هناك تنسيقاً أمنياً مستمراً يهدف إلى ردع أي محاولات قد تهدد المصالح الاقتصادية والأمنية للدول العربية، مع استمرار تركيز القاهرة على الردع والاستعداد دون السعي إلى فتح جبهات جديدة في البحر الأحمر.
وأوضح المصدر الدبلوماسي أن الموقف الرسمي المصري ما زال يستند إلى مبدأ حماية حرية الملاحة ومنع التصعيد، وهو النهج الذي تبنته القاهرة منذ اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، غير أن انتقال التهديدات إلى باب المندب منح هذا الملف أولوية أكبر، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بقناة السويس وإيراداتها.
وأشار إلى أن الاتصالات المصرية تتركز حالياً على إدارة الأزمة ومنع تحول الممرات البحرية إلى ساحات صراع، بالتوازي مع تنسيق مستمر بين مؤسسات الدولة المصرية وشركائها الخليجيين لحماية المصالح المشتركة وتقليل التداعيات الاقتصادية المحتملة.
وتسعى القاهرة أيضاً إلى منع دخول أطراف جديدة على خط المواجهة، مستفيدة من قدرتها على التواصل مع مختلف الفاعلين الإقليميين، بما في ذلك الحوثيون، ومن حرصها خلال السنوات الماضية على تجنب الانخراط في تحالفات تجعلها طرفاً في الصراع، وهو ما يمنحها هامشاً للتحرك في اتجاه التهدئة ومحاولة الحد من توظيف الجماعة اليمنية كورقة في الصراع الإيراني الأمريكي.
لكن أكثر ما يثير القلق داخل دوائر صنع القرار المصرية هو احتمال تحول مضيق باب المندب إلى ساحة تنافس مشابهة لما يحدث في مضيق هرمز، بحيث يصبح جزءاً من صراع أوسع على السيطرة على الممرات البحرية الاستراتيجية، وهو ما قد يفسر لجوء إيران إلى دفع الحوثيين لاستهداف السفن السعودية في هذا التوقيت.
وتوقع المصدر أن تلعب كل من مصر وقطر دوراً أكبر في جهود الوساطة خلال المرحلة المقبلة، مع استمرار الهجمات الحوثية على الملاحة في البحر الأحمر، لافتاً إلى أن المملكة العربية السعودية، بدورها، تبدو معنية بتهدئة الأوضاع للحفاظ على انسيابية صادراتها النفطية إلى أوروبا.
ويُنقل النفط الخام السعودي عبر خط أنابيب "شرق – غرب" التابع لشركة أرامكو إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، قبل شحنه إلى ميناء العين السخنة في مصر، ثم نقله عبر خط أنابيب سوميد إلى ميناء سيدي كرير على البحر المتوسط، حيث يُعاد تحميله على ناقلات النفط المتجهة إلى أوروبا، فيما يظل العبور عبر قناة السويس مساراً مكملاً لهذا الخط.
وتزامنت هذه التطورات مع مؤشرات تحسن نسبي في أداء قناة السويس، إذ أعلن رئيس الهيئة، أسامة ربيع، ارتفاع عدد السفن العابرة خلال أول 25 يوماً من يوليو بنسبة 25% ليصل إلى 1033 سفينة، مقارنة بـ821 سفينة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، كما ارتفعت الإيرادات الدولارية بنحو 36%، في مؤشر على بداية تعافٍ تدريجي للحركة الملاحية.
لكن ربيع أكد، في الوقت نفسه، أن أزمة البحر الأحمر ما زالت تلقي بظلالها على التجارة العالمية، موضحاً أن القناة تكبدت خسائر تراكمية تقترب من 12 مليار دولار خلال عامي 2024 و2025، مع استمرار التأثيرات السلبية خلال العام الحالي، رغم ظهور مؤشرات إيجابية تدعم توقعات بانتعاش الملاحة مستقبلاً.
وتأتي هذه المخاوف في ظل استمرار الهجمات الحوثية على السفن التجارية، وهو ما دفع شركات شحن عالمية إلى تجنب البحر الأحمر والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، قبل أن تتفاقم الأزمة مع استخدام إيران مضيق هرمز كورقة ضغط خلال الحرب، الأمر الذي يفسر الاستنفار المصري لمنع انتقال السيناريو نفسه إلى باب المندب.