في مواجهة ما تصفه القاهرة بـ"المراوغات الإسرائيلية" المتكررة بشأن إعادة فتح معبر رفح، انتقلت مصر من مربع الانتظار إلى توسيع هامش الحركة السياسية، عبر الدفع باتجاه ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي بهدف إنهاء الذرائع الأمنية التي يلوّح بها الاحتلال الإسرائيلي ويتخذها مزاعم للتماطل.
فبعد وعود إسرائيلية بقرب فتح المعبر، عاد التعطيل مجددًا بشروط جديدة، ما دفع القاهرة إلى البحث عن أدوات ضغط بديلة تحفظ دورها كوسيط رئيسي وتمنع تفريغ اتفاق وقف إطلاق النار من مضمونه. وتُراهن القاهرة على أن التوافق الفلسطيني يشكّل مدخلًا عمليًا لتجاوز الاعتراضات الإسرائيلية.
وتشدد القاهرة على موقف ثابت لا يقبل المساومة، يتمثل في رفض أي وجود مباشر لجيش الاحتلال الإسرائيلي على الجانب الفلسطيني من معبر رفح. وترى مصر أن أي صيغة لإعادة تشغيل المعبر يجب أن تلتزم باتفاق 2005، وتضمن فتحه في الاتجاهين، ومنع استخدامه أداةً للضغط أو التهجير.
بحث عن توافق فلسطيني ورفض للتواجد الإسرائيلي
قال مصدر مصري مطلع لـ"عربي بوست" إن النقاشات التي أجراها نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ في القاهرة خلال الأيام الماضية تطرقت إلى خطوات فتح معبر رفح، إلى جانب تذليل الفجوات بين الأطراف الفلسطينية للانتقال إلى المرحلة 2 من وقف إطلاق النار، وذلك عبر تفعيل لجنة إدارة غزة وتجهيزها لتتسلم إدارة القطاع بعد خلافات سابقة قادت لعدم التوصل إلى تفاهمات فلسطينية تتوافق على رئيسها، واعتراض السلطة الفلسطينية على أن تكون اللجنة من التكنوقراط.
وأوضح المصدر ذاته، الذي تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، أن المباحثات شهدت تفاهمًا حول اسم وزير الصحة في حكومة رام الله ماجد أبو رمضان ليرأسها، وأن حركة حماس وافقت على هذا الطرح، وطالبت القاهرة بأن يصدر مرسوم من الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن بتكليفه، ما يشكل ورقة ضغط مقابلة على إسرائيل التي تراوغ بشأن فتح معبر رفح.
وأشار المتحدث إلى أن القاهرة من المزمع أن تستضيف الأسبوع المقبل لقاءات أخرى للفصائل الفلسطينية، بما فيها حركة حماس، غير أن مصدر "عربي بوست" شدد على أن الاجتماع تُجرى مشاورات لإمكانية إرجائه لحين التفاهم مع إسرائيل بشأن فتح المعبر، بعد أن تراجعت عن وعودها السابقة.
وربطت مصر بين إعادة تشغيل المعبر بشكل كامل وضمان فتحه في الاتجاهين، وبما يسمح بخروج ودخول الفلسطينيين بشكل متوازن كي لا يتحول إلى أداة للتهجير، كما أصرت القاهرة على إبعاد الجانب الإسرائيلي عن الناحية الأخرى المباشرة للمعبر.
فيما قبلت بوجود دور إشرافي عبر آليات إلكترونية بعيدة، مع نشر عناصر الأمن الفلسطينية بالتعاون مع الإدارة الأوروبية للمعبر وفقًا لاتفاق المعابر عام 2005، مشددة على أن أي صيغة لا تلتزم نصًا وروحًا بهذا الاتفاق، وتكفل عدم وجود إسرائيلي مباشر، ستظل مرفوضة مهما بلغت الضغوط.
وشدد المصدر ذاته على أن التحركات المصرية بشأن تحديد لجنة إدارة غزة تأتي ضمن تحركات أوسع تهدف إلى أن تكون السلطة الفلسطينية شريكة في إدارة قطاع غزة، ففي تلك الحالة سيكون هناك وجود لها على المعبر عبر عناصر الحرس الرئاسي، وكذلك في الجوانب الإدارية.
وبالتالي فإن مصر والوسطاء يعملون في المقابل على تقديم خطط بشأن تسليم السلاح الخفيف لحركة حماس على مراحل، بما يعمل على تطويق كل حجج نتنياهو الساعية للانقضاض على اتفاق وقف إطلاق النار وعدم تنفيذه، وبما يضمن عدم تفريغ الاتفاق من محتواه، في ظل تضييق الخط الأصفر ووجود رغبة أميركية بأن تتم إعادة الإعمار في مناطق سيطرة إسرائيل فقط.
رهان على الوسطاء لكسر تعطيل فتح معبر رفح
التحركات المصرية، يضيف المصدر، تأتي بالتوازي مع تفاهمات سبق أن توصلت إليها مع الإدارة الأميركية بشأن مهام قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة، بما فيها عدم قيامها بمهام هجومية تتعلق بنزع سلاح المقاومة، كما أن إشراك السلطة الفلسطينية في إدارة معبر رفح حظي كذلك بموافقة أميركية.
كما أن الوسطاء قدموا قائمة بالأسماء المطروحة لتشكيل لجنة إدارة غزة من قيادات تكنوقراط فلسطينية، وترى القاهرة أن الكرة الآن في ملعب الإدارة الأميركية للضغط على نتنياهو نحو المضي قدمًا في تنفيذ الاتفاق، وتمارس أطراف عربية أخرى، بما فيها المملكة العربية السعودية، ضغوطًا خلال الأيام المقبلة لإحراز تقدم على مستوى الاتفاق.
وبعد تأكيدات إسرائيلية قرب فتح معبر رفح، عاد نتنياهو للمراوغة مجددًا بشأن فتح المعبر من الجانب الفلسطيني، ورهن الخطوة باستعادة جثمان آخر رهينة إسرائيلية من قطاع غزة. وأفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن نتنياهو أصر على رفضه فتح معبر رفح الحدودي في قطاع غزة مع مصر، وأكد وجود اتفاقيات مع الإدارة الأميركية بشأن ذلك.
من جانبه، كشف متحدث وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري، الثلاثاء، عن اتصالات مع الشركاء من أجل فتح معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة من الجانب الفلسطيني، مشددًا على رفض الابتزاز السياسي الإسرائيلي. وقال في مؤتمر صحفي بالدوحة: "هناك اتصالات ومناقشات جارية بشأن ذلك، لكن هناك عقبات كثيرة".
كما بحثت مصر وقطر جهود دفع تنفيذ المرحلة 2 من خطة دونالد ترامب لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، خلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ورئيس مجلس الوزراء وزير خارجية قطر محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.
خطط مرحلية لنزع سلاح حماس وانسحاب لم يتحقق
أكد مصدر مصري مطلع على المحادثات الجارية أن زيارة الوفد الفلسطيني إلى القاهرة كان هدفها الاتفاق على آلية تشغيل معبر رفح، والأهم وضع خطط لآلية خروج المغادرين من القطاع، وكان من المفترض أن تستقبل القاهرة وفدًا من حركة حماس، لكن بعد التراجع الإسرائيلي ليس معروفًا موقف الزيارة.
وأشار إلى أن النقاشات مع الفصائل خلال الفترة المقبلة ستناقش الأفكار التي تقدمت بها القاهرة والدوحة للإدارة الأميركية بشأن خطط نزع سلاح حماس، بحيث يكون ذلك على مراحل، على أن يتضمن السلاح الخفيف فقط، مع عدم وجود سلاح ثقيل بالأساس لدى المقاومة في الوقت الحالي.
كما أن الوسطاء يستهدفون، عند الاتفاق على آليات نزع السلاح، أن تكون هناك تعهدات إسرائيلية بالانسحاب من القطاع، وهو أمر لم يحدث بعد، يوضح مصدر "عربي بوست"، مشيرًا إلى أنه من المقرر أن تكون هناك لجان لاستلامه، سواء الشرطة الفلسطينية أو الجهات الدولية الوسيطة، وليس مطروحًا تسليم السلاح لإسرائيل.
ورغم أن مسألة لجنة إدارة غزة خرجت من الوسطاء بشكل كبير مع عدم التوافق الفلسطيني، فإن القاهرة عملت على إحياء الأمر مع التوصل إلى تفاهمات بين فتح وحماس لتشكيل اللجنة، رغم أن مستشار الرئيس الأميركي ويتكوف لم يسلّم الوسطاء ردًا حول الأسماء المطروحة بعد.
وذكر المصدر المصري المطلع على المحادثات أن الوسطاء يضعون في اعتبارهم أن هناك انتخابات داخل إسرائيل في غضون 10 أشهر، وأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يسعى لمغازلة الداخل والتأكيد على أنه حقق انتصارًا كاملًا في قطاع غزة، وهو ما يجعله يراوغ مجددًا بشأن جثمان الرهينة الموجودة في القطاع، رغم تفاهمات سابقة بتجاوز الأمر.
وبينما لا يلقى الموقف الإسرائيلي الحالي معارضة أميركية، وهو ما يصعّب الموقف، فإن الضغوط على الطرفين ستستمر خلال الأيام المقبلة لوقف عملية تعميق الخط الأصفر التي تسعى إليها إسرائيل، مع بناء ما تسميه "رفح الجديدة" و"خان يونس الجديدة" كبديل لإعمار غزة.
ترتيبات مصرية–أوروبية لإدارة عملية العبور
زار وفد فلسطيني القاهرة الأحد 4 يناير/ كانون الثاني 2026، بقيادة نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، والتقى وزير الخارجية المصري، وناقشوا تطورات الأوضاع في غزة والضفة الغربية. وكان من المرتقب أن تصدر الحكومة الإسرائيلية قرارًا بفتح المعبر خلال اجتماعها مساء الأحد الماضي، إلا أن تقارير إعلامية عبرية أفادت بوجود تردد في اتخاذ القرار "لأسباب أمنية".
وتسبب إغلاق المعبر بتوتر بين القاهرة وتل أبيب نتيجة عرقلة تدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع بصورة منتظمة، ما أدى إلى تدهور الأوضاع على نحو غير مسبوق، وضاعف مخاوف القاهرة من استغلال المعبر لتهجير سكان غزة، ودفعها إلى إصدار تحذيرات رسمية من تلك الخطوة.
وأكد مصدر فلسطيني أن اجتماعات القاهرة الأخيرة ركزت على الآلية التي يجري العمل عليها، وعلى السماح بخروج الفئات الإنسانية بالدرجة الأولى، خاصة كبار السن والحالات المرضية الحرجة التي تحتاج إلى عمليات جراحية أو علاج عاجل، إضافة إلى المصابين بالأمراض المزمنة مثل السرطان وأمراض القلب، على أن يُسمح لكل حالة حرجة بمرافقة 1 أو 2 من أفراد الأسرة وفق تقارير طبية معتمدة.
وأوضح المصدر الفلسطيني لـ"عربي بوست" أن الفئات المسموح لها بالخروج هم حاملو الجنسيات الأجنبية، ومن لديهم تأشيرات سفر سارية بموافقة فلسطينية وإسرائيلية، مع التأكيد أن لمصر الحق في الاعتراض ومنع دخول أي شخص لا تتوافر بشأنه الموافقات الأمنية المطلوبة.
كما أشار إلى أن مصر قامت خلال الفترة الماضية بتدريب أكثر من 100 عنصر من ضباط الجوازات والأمن الفلسطيني للمشاركة في الإشراف على عملية تنظيم الخروج والعبور من الجانبين، وأن الاتحاد الأوروبي سيواصل التأكد من وثائق السفر وفحصها بما يتوافق مع اتفاق عام 2005، وذلك عبر بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية على معبر رفح.
وشدد على أنه بموجب الاتفاق الذي سبق أن وافقت عليه إسرائيل أثناء زيارة وفدها إلى القاهرة الشهر الماضي، سيخضع الفلسطينيون المغادرون للقطاع للفحص الإسرائيلي باستخدام طريقة تعتمد على الحساب الآلي، بينما سيخضع الراغبون في دخول القطاع لفحص بدني، ولكن على مسافات بعيدة من المعبر الذي ستتواجد فيه قوات الحرس الرئاسي الفلسطيني وعناصر الاتحاد الأوروبي.