بدا الاهتمام الإسرائيلي واضحاً بمراقبة نتائج الانتخابات الأمريكية، فمنذ أن بدأ الاقتراع خصصت قنوات التلفزة والصحف الإسرائيلية مساحة كبيرة لمراقبة عمليات الاقتراع وفرز الأصوات.
تزامن الاهتمام الإسرائيلي بهذه الانتخابات مع توقع وتحليل للسياسات الخارجية للمرشح الديمقراطي الفائز جو بايدن، وإلى أي مدى ستكون سياساته مختلفة عن سلفه الخاسر دونالد ترامب.
انقسم الإسرائيليون بمواقفهم بعد إعلان فوز بايدن، فزعيم المعارضة يائير لابيد من أوائل من هنأوه بالفوز، وتبعه أفيغدور ليبرمان، ومعهما شركاء نتنياهو في الائتلاف بيني غانتس وغابي أشكنازي.
جاء لافتاً تأخر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تهنئة بايدن، الذي اكتفى بتغريدة أشار فيها أن "بايدن صديق لإسرائيل، ويتمنّى أن يعملا معاً لتعزيز التحالف الإسرائيلي- الأمريكي، دون أن يشير بصراحة لفوزه في الانتخابات"، ما يعني أن نتنياهو تلقَّى صدمةً كبيرة بخسارة ترامب للانتخابات.
عصمت منصور، الكاتب المختص بالشؤون الإسرائيلية قال لـ"عربي بوست" إن "تأخر نتنياهو بتهنئة بايدن يعكس حالة القلق لديه من تراجع رصيده السياسي أمام خصومه في المعارضة، التي باتت الآن في موقف الطرف القوي، لأن إزاحة ترامب ستكسر ساق نتنياهو التي اتكأ عليها، ولن تكون هناك هدايا مجانية تنقذه من الانتقادات داخل الحكومة، وفي المقابل لن يستطيع فرض ما يشاء من إملاءات على المعارضة كالتي فرضها في وقت سابق".
وأضاف أن "نتنياهو تأمل وتمنى صراحة أن يستمر ترامب لدورة رئاسية قادمة، لأن خسارته تهدده على المستوى الشخصي والسياسي كزعيم لأكبر حزب في إسرائيل، ما قد ينعكس سلباً على استمراريته رئيساً للوزراء، فمع حلول يناير/كانون الثاني القادم، سيخضع نتنياهو أمام القضاء لجلسات محاكمة قد تكون حاسمة هذه المرة في تهم الفساد الموجهة ضده".
إسرائيل تضع قضاياها على الطاولة
تضع إسرائيل أجندة الملفات والسياسات المرتقبة أمام بايدن على الطاولة، خصوصاً بعد أن قطع سلفه ترامب شوطاً كبيراً بإنجاز الكثير من القضايا التي خدمت إسرائيل طيلة سنوات حكمه الأربع، خاصة ما يتعلق بصفقة القرن، ومدى إيمانه بهذه الخطة كحل سياسي في إنهاء الصراع مع الفلسطينيين، وقضية البناء الاستيطاني الإسرائيلي غير المشروع في الضفة الغربية.
تيسير نصر الله، عضو المجلس الثوري لحركة فتح، قال لـ"عربي بوست" إن مع قدوم بايدن نتطلع لبناء شراكة حقيقية تقوم على مبدأ احترام سيادة كل طرف، ورفض أي إملاءات أو شروط خارجية، والحفاظ على مكتسباتنا وحقوقنا الثابتة، وعدم التنازل عنها، وعدم اعتماد صفقة القرن كحل للصراع مع إسرائيل، لأنها خطة منحازة بشكل كبير لطرف دون آخر، ولم تراعِ أدنى حقوقنا السياسية".
تبدو القضية الفلسطينية حاضرة على أجندة السياسة الإسرائيلية، لأنها في فترة ترامب كانت طرفاً قوياً في المعادلة السياسية، ليس فقط تجاه الفلسطينيين، بل على مستوى دول الإقليم، حيث ترى إسرائيل أن صفقة القرن بمثابة خارطة الطريق الوحيدة لأي مسار سياسي لإنهاء الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وأن العدول عنها، أو إجراء تعديلات عليها من بايدن سيضع السلطة الفلسطينية في موقف متوازن مع إسرائيل.
شهدت فترة ترامبضغوطاً شديدة على السلطة، من أبرزها وقف كافة أشكال التمويل، وإجبار دول أخرى على قطع مساعداتها المالية، وما أقر في السابق من خطوات سياسية كالاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها ضمن سياسة فرض الأمر الواقع، وإغلاق مكتب بعثة منظمة التحرير في واشنطن.
رويد أبو عمشة، الباحث بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، والأكاديمي المتخصص بالعلاقات الفلسطينية-الأمريكية، قال لـ"عربي بوست" إن "محددات السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل وفلسطين، لن تشهد انقلاباً عن السابق، لأنها تضع خطوطاً عامة لا يمكن لأي رئيس تجاوزها، وتتلخص بضمان التفوق الإسرائيلي في المنطقة سياسياً وعسكرياً، صحيح أن العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية قد تعود في عهد بايدن، ولكن ليس بالقدر الذي تتأمله السلطة، أو تخشاه إسرائيل".
وأضاف أن "إسرائيل ستبقى ضمن دائرة الاهتمام الأمريكي، ولكن ليس كأولوية، على الأقل خلال العامين القادمين، ولن يكون هناك اندفاع بتقديم دعم منقطع النظير كما كان في فترة ترامب، لذلك تكمن الخشية الإسرائيلية في تراجع مكانتها في أولويات بايدن".
وتابع أنه "فيما يخص صفقة القرن، فما أُنجز من ملفات على الأرض لن يستطيع بايدن تغييرها، ستبقى السفارة الأمريكية في القدس، ولكن ربما يقابله إعادة افتتاح مكتب بعثة منظمة التحرير في واشنطن، وعودة المساعدات الأمريكية للسلطة، ولكن بشروط.
رؤية جديدة للملف الإيراني
على الجهة الأخرى، يبدو واضحاً أن بايدن ليس متحمساً للاستمرار بنهج سلفه ترامب، بل هو متقارب إلى حد كبير مع سياسة الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي وُقع في عهده اتفاق إيران النووي في 2015، الخاص بضمان حصولها على الطاقة النووية للأغراض السلمية، مقابل رفع العقوبات المالية المفروضة عليها، حيث عارضته إسرائيل، واعتبره نتنياهو هدية مجانية منحتها واشنطن لطهران للحصول على الطاقة النووية التي قد تستغلها ضدها.
يرى منصور أن "الملف النووي الإيراني يزعج إسرائيل أكثر من غيرها، لأنها ترى نفسها مستهدفة من برامج التسليح العسكري التي تقودها إيران في المنطقة، وأي تغير في الموقف الأمريكي إزاء العودة للعمل بالاتفاق النووي، سيمنح إيران متنفساً للخروج من الأزمات التي تعاني منها، وكانت بقرار من ترامب بإيعاز إسرائيلي واضح".
من الواضح أن الملف الإيراني يحظى بمركزية لدى إسرائيل، وتحديداً من نتنياهو، لأنه روّج في خطاباته أمام دول الخليج العربي، بأنه صاحب فكرة ومبدأ استمرار الضغط على إيران، وأي عدول أمريكي عن هذا الاتفاق سيضعه في حرج كبير أمام أصدقائه في الخليج، لذلك فإن الملف الإيراني سيكون محل خلاف جذري ورئيسي بين نتنياهو وبايدن طيلة السنوات الأربع القادمة، ما لم ترضخ إسرائيل، أو تقتنع بوجهة النظر الأمريكية.