إسقاط الطائرتين السوريتين في اليوم الأول من عملية درع الربيع ليست الحادثة الأولى من نوعها. فمنذ اندلاع المواجهات التركية مع النظام السوري، والطائرات السورية تتساقط بالمضادات الجوية التي قيل إنها مضادات محمولة على الكتف دعمت بها القوات التركية المعارضة السورية التي تقاتل إلى جانب الجيش التركي المنتشر على حدود اتفاق سوتشي. هذا الدعم يراه المراقبون تغيراً نوعياً في موازين القوى بين القوات المتصارعة منذ اندلاع الثورة في سوريا، وفي المقابل بدأت المضادات الجوية للنظام تتهاوى وكذا مطاراته بفعل القصف الجوي التركي بالطائرات المسيرة تارة وبالمقاتلات تارة أخرى.
لطالما اشتكى الثوار السوريون من سيطرة النظام وداعمه وحليفه الروسي على الجو، فرغم التفوق النسبي لقوات المعارضة على النظام على الأرض، إلا أن المشكلة المزمنة التي كانت ولا تزال أمام قوات المعارضة هي القصف الجوي، وتفاقمت تلك الأزمة بعد دخول روسيا على الخط، وتبنيها سياسة الأرض المحروقة والتي نجحت بشكل كبير في استعادة الكثير من المدن والمحافظات خلال السنوات الأربع الأخيرة، وإجلاء ليس فقط المقاتلين، بل حتى أهالي تلك المدن والمحافظات، لتتفاقم أزمة نزوح في الداخل إلى إدلب ولجوء في الغالب إلى تركيا.

الآن وبعد دخول المسيّرات التركية على الخط في إدلب انقلبت المعادلة بشكل ملفت، وهو ما يؤكد أن المعادلة بالأساس لم تكن لترتب على النحو الذي صارت إليه إلا بعد دخول طائرات الدب الروسي على خط الأزمة. بالعودة إلى تصريحات بشار الأسد قبل دخول الروس على الخط، نجده طالما اشتكى من ضعف قواته أمام قوات المعارضة رغم البراميل المتفجرة التي كان يضغط بقصفها على الأهالي وعلى قوات المعارضة. ومع ذلك فإن الميليشيات الحليفة للنظام مثل حزب الله لم تحقق المرجو من تدخلها، ولا الحرس الثوري ولا زينبيون ولا فاطميون ولا النيجيريون ولا كل شذاذ الآفاق، حتى دخلت روسيا بقاذفاتها الثقيلة ومنحتهم التفوق النوعي على الأرض. لكن الآن، تعادلت القوى في إدلب، وجعلت الثوار يستنفرون قواهم ويستعيدون ما سلب منهم في الشهر الأخير ويستمرون في ذلك بدعم الغطاء الجوي التركي.
لتبقى معضلة استمرار هذا الدعم، وإمكانية التوافق على وقفه تدور في خلد الثوار، فالكرملين الذي أعلن منذ أيام عدم صحة حديث الرئيس أردوغان عن زيارة مرتقبة له إلى موسكو لمقابلة بوتين، يرحب الآن بزيارته المرتقبة يوم الخامس من الشهر الجاري. وأوروبا التي كانت لا تحرك ساكناً وهي تنظر لعشرات المدنيين يقتلون بوحشية بقذائف الطائرات الروسية والسورية، تحركت، والأمين العام للأمم المتحدة المسؤول عن حماية أرواح البشر لم يتكلم إلا مدفوعاً من ألمانيا التي تخشى موجة نزوح كبيرة، بعد فتح تركيا الباب أمام راغبي الهجرة إلى أوروبا، لتبقى كلمة السر في المسيرات والطائرات التي ملأت الأجواء فوق إدلب وتعدتها إلى الداخل السوري.
إيران وميليشياتها تصرخ الآن من بيرقدار وأخواتها الأبابيل، والنظام يعاني خسائر كبيرة جعلته يعلن غلق مجاله الجوي!
لكن هل ينفع إغلاق النظام المجال الجوي أمام المسيرات التركية؟ والإجابة بالطبع إن المسيرات التركية بالأساس تعمل من أجل تلك الظروف، وبعد الاتفاق الضمني الذي توصل إليه وزير الدفاع التركي خلوصي أكار مع نظيره الروسي بفتح المجال الجوي في إدلب أمام المسيرات، أصبحت بيرقدار وأخواتها تتحرك بحرية أكثر بعيداً عن صدام لا يرغب أن يقع بين كل من الروس والأتراك، ولكل في ذلك مصلحة، فالأخيرة تريد وقف زحف النظام والثأر لجنودها الــ33 وحفظ هيبتها أمام نظام متهالك محمي بطائرات روسيا، وروسيا تريد تحجيم الحليف الإيراني وميليشياته المنتشرين على الأراضي السورية والذين يمثلون إشكالية للروس الحالمين بنفوذ خالص في سوريا.
ياسر عبد العزيز هو كاتب وباحث سياسي، حاصل على ليسانس الحقوق وماجستير في القانون العام.
كما حاز على دبلوم الإدارة والتخطيط الاستراتيجي، وهو الآن عضو مجلس إدارة رابطة الإعلاميين المصريين بالخارج في اسطنبول ومدير مركز دعم اتخاذ القرار بحزب الوسط المصري.
أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]
مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.