رغم أن بعض الدول العربية تتمتع بأمن واستقرار سياسي واقتصادي، لكن ما زال البعض من شبابها يُنفقون الكثير من المال ويُخاطرون بحياتهم للهجرة إلى أوروبا وأميركا لإيمانهم بأن المُستقبل هناك أفضل من وطنهم، وأنهم سَيعيشون في سَعادة دائمة، مُتناسين أن الهجرة تعني بداية جديدة لتعلم كل شيء مَرة ثانية، اللغة والعادات والتقاليد أسلوب الحياة، وأيضاً بناء خبرة جديدة في عَمل جديد، بمعنى كأنه ولد مرة أخرى، بذلك سَيخسر الشباب المهاجر كل شيء عَرفه وتعلمه خِلال سنوات حَياته التي قضاها في وطنه، أيضاً الشباب المهاجر لم يُفكروا بأن دول المهجر لن تُقدم عمل الأحلام،
بل سَتقدم أعمالاً بَسيطة جداً لا توفر المال الكثير لكي يَستطيع أن يبني مُستقبله أو يُحقق السعادة التي يَحلم بها، ولن يكفيه للذهاب إلى المطاعم أو مُدن الألعاب أو الأماكن السياحية إلا لمرة واحدة كل ستة أشهر وأكثر، وهناك لن يقدر أن يُنفق كأبناء البلد نفسه، لأنه من أصحاب الدخل المحدود جداً، الغريب بالأمر أن الشباب المهاجر إلى الدول الأوروبية وأميركا يستطيعون أن يعملوا في أي عَمل مَهما كان بَسيطاً وفي أي مكان دون خجل أو رفض؛ لأنهم يقولون هذا "الواقع" ويجب التكيف معه وفعله، مع شعورهم بمعنويات عالية وسَعادة غامرة، ولكن في وطنهم سيكونونَ مُنزعجين من هذه الأعمال البسيطة أو سَيشعرون بالخجلِ وقد يرفضونها أصلاً، أليس هذا "غير منطقي"، نفس العمل البسيط في الوطن غير مقبول وفي أوروبا وأميركا مقبول؟!
هذه هي المعادلة العجيبة للشباب المهاجر "الواقعي غير المنطقي"، وقد يتحدث البعض عن المُميزات الموجودة في دول أوروبا وأميركا التي لا توجد في وطنه، وهذا شيء "واقعي".
ولكن السؤال أليس هناك مُميزات مَوجودة في الوطن نفسه أفضل من الدول الأوروبية وأميركا، إذاً "منطقياً" المعادلة مُتساوية، واقعياً ومَنطقياً الهجرة وجدت لإنقاذ الهاربين من الدول المنكوبة مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا وباقي الدول التي تُعاني من الحروب الطاحنة، أما الدول التي لا تعاني من شيء فلماذا الهرب منها؟! أليس هذا "غير واقعي وغير منطقي"، صَحيح أن هُناك حالات خاصة تستحق الهجرة ولكنها مَعدودة، وهناك حالات هجرة ناجحة ولكنها نادرة جداً، مثل حالة الممثل "بروس لي" الذي وصل إلى شواطئ أميركا ومعه ما لا يزيد على 20 دولاراً وقد عمل في الأعمال البسيطة حتى حالفه الحظ صدفة ليتحول إلى مُمثل مَشهور، وكذلك "أرنولد شوارزنيجر" الذي جاء من النمسا واشتهر أيضاً.
ولكن السؤال "المنطقي" كم مُهاجراً يُشبه "بروس لي" ويشبه "أرنولد" سافر إلى الولايات المتحدة وله نفس القدرة والقابلية بل أكثر ولم يُحالفه الحظ؟ الجواب "الواقعي" هو مِئات الآلاف، كذلك في أوروبا مئات آلاف من الشباب هاجروا وعاشوا دهراً دون أن يُحالفهم الحظ، بل لو قارنا ما تم تحقيقه في السنوات التي عاشها الشباب المهاجر في دول المهجر مع ما حققه أقرانهم في وطنهم، سَتظهر النتيجة "الواقعية والمنطقية" مَن بَقي في وطنهِ كان أكثر سعادة وأكثر ضماناً لمستقبلهِ بين عائلتهِ وأصدقائهِ ومُجتمعهِ،
إن فكرة الهجرة إلى الحياة السعيدة مُجرد حلم كاذب تأثر به شبابنا بواسطة الأفلام السينمائية ووسائل التواصل الاجتماعي مع بعض الإشاعات والأحاديث غير الصحيحة، جميعها صَنعت صورة ذهنية نمطية خاطئة، وجدت على أثرها مُعادلة "واقعي غير منطقي"، وهنا نقول: كيف يُمكن أن نُصلح المعادلة الخاطئة للشباب المهاجرة لتكون "واقعية ومنطقية" في نفس الوقت؟
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.