أفلس فعيَّن نفسه “إمبراطوراً لأمريكا” وأحبه الناس فسايروه في ادعائه.. قصة “نورتون الأول”

عربي بوست
تم النشر: 2022/09/11 الساعة 13:50 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/10/20 الساعة 19:16 بتوقيت غرينتش
إمبراطور أمريكا نورتون الأول / Wikimedia Commons

إذا قمت بزيارة مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، فهناك فرصة جيدة لأن تسمع باسم الإمبراطور نورتون "إمبراطور أمريكا وحامي المكسيك"، على الرغم من أن أمريكا منذ إعلان تأسيسها دولة مستقلة، لم تكن إمبراطورية قط.


تلك الشخصية الغريبة التي جمعت التناقضات، لها محبون ومعجبون لغاية اليوم، وبعض التماثيل والنصب التذكارية، في المدينة التي عاش فيها معظم حياته، وأدار منها "إمبراطوريته" التي لم يعترف بها أحد.

بداية إمبراطور أمريكا لم تكن على أرضها

وُلد جوشوا أبراهام نورتون عام 1818 في إنجلترا، وهاجرت عائلته إلى جنوب إفريقيا عندما كان صغيراً، وهناك أسس والده مشروعاً ناجحاً لإمدادات السفن.

حين كان نورتون في سن الـ21، وبمساعدة والده، افتتح شركته الخاصة، لكن الأمور لم تسر على ما يرام، وأفلست الشركة في غضون 18 شهراً. وسارت الأمور من سيئ إلى أسوأ خلال السنوات القليلة التالية، وبحلول عام 1848، توفي والدا نورتون واثنان من أشقائه.

إمبراطور أمريكا
إمبراطور أمريكا نورتون الأول / Wikimedia Commons

وحيداً في جنوب إفريقيا، قرر نورتون البحث عن بداية جديدة في مكان آخر، خاصةً أنه ورث 40 ألف دولار من ممتلكات والده، وكان هذا المبلغ يعتبر ثروة صغيرة في ذلك الوقت.

وقتها انتشرت أخبار عن وجود الذهب في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، وجذب الحلم الأمريكي الحالمين بالثروة من كل مكان، فقرر نورتون أن يجرب حظه مع الثروة هناك، لكنه لم يكن مهتماً بمناجم الذهب؛ بدلاً من ذلك، بدأ نشاطاً تجارياً ناجحاً في مجال سفن الشحن وتجارة الدقيق والأرز.


الخسارة التجارية الكبيرة التي أدت لظهور شخصية "إمبراطور أمريكا"

بعد سنوات قليلة فقط من وصوله إلى سان فرانسيسكو، كان أداء نورتون جيداً للغاية، حيث حوّل الـ40 ألف دولار إلى نحو 250 ألف دولار، ما يعادل 8 ملايين دولار اليوم، وأضاف إلى نشاطه التجاري مصنع سيجار، وطاحونة أرز، ومبنى إدارياً. لكن حظه السعيد لم يدم طويلاً.

حدثت أزمة اقتصادية أدت إلى قطع شحنات الأرز، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الأرز أضعافاً مضاعفة، ورأى نورتون فرصة لكسب مزيد من المال عندما أخبره أحد أصدقائه عن سفينة تحمل أرزاً رخيصاً جداً من بيرو، والذي إذا تم شراؤه، فسيكون نورتون قادراً على اكتساح السوق بشكل كبير.

لسوء الحظ، استثمر نورتون مبلغاً كبيراً من ثروته على حمولة تلك السفينة؛ على أمل أن يكون الوحيد الذي سيوفر الأرز في وقت ندرته بالسوق، لكنه فوجئ بوصول سفينة إلى ميناء سان فرانسيسكو تحمل كميات كبيرة من الأرز، وأبحرت المزيد والمزيد من السفن التي تحمل الأرز إلى الميناء. 

وانخفض سعر الأرز بشكل كبير، قبل أن تصل سفينة نورتون، مما يعني أنه لن يحقق ربحاً فحسب، بل سيخسر قدراً كبيراً من المال في هذه العملية. 

حاول نورتون إبطال الصفقة على أساس أن صديقه خدعه، وخاض معركة قضائية مدتها سنتان ونصف السنة لإثبات حقه، لكن النتيجة كانت لصالح صديقه واضطر نورتون إلى تكبد خسائر فادحة بالمحكمة وفي شحنة الأرز.

في هذه المرحلة، كانت حياة نورتون على وشك الانهيار، حجز البنك على العديد من أعماله وممتلكاته، ولم يعد قادراً على الإقامة في الفنادق الفاخرة أو حياة الأثرياء التي تعود عليها. بحلول عام 1859، أصبح التاجر الذي كان ثرياً في يوم من الأيام والذي كان يملك كل شيء، إلى شخص فقير يعيش بغرفة مستأجرة في نُزل متواضع.

البيان رقم واحد من الإمبراطور نورتون الأول

لا يُعلم على وجه التأكيد هل أصيب نورتون بالاكتئاب وكانت هذه طريقته للتكيف مع الصدمة، أم أنه أصيب بحالة نفسية بسبب خسارة كل ما يملك وأثرت في قواه العقلية، لكن المعروف أنه في 1859، نشر نورتون إعلاناً مدفوعاً في صحيفة محلية، كان بداية قصة "إمبراطور أمريكا"، التي ستصبح لاحقاً حديث الصحف والمجتمع في أمريكا.

إمبراطور أمريكا
إمبراطور أمريكا نورتون الأول / Wikimedia Commons

كان الإعلان بياناً مختصراً موجهاً إلى مواطني الولايات المتحدة. يوضح الأزمة الوطنية كما رآها نورتون واقترح ضرورة العمل لمعالجة هذه الأزمة على المستوى الأساسي، وجاء فيه:

"بناء على طلب قطعي من غالبية كبيرة من مواطني هذه الولايات المتحدة، أنا جوشوا نورتون، أُعلن نفسي إمبراطوراً لهذه الولايات المتحدة، وبحكم السلطة المخولة لي بموجب هذا الأمر.

أصدر أمراً وتوجيهات لممثلي مختلف الولايات، للتجمع، لإجراء التعديلات على القوانين الحالية التي قد تخفف من الشرور التي تعمل البلاد في ظلها، وبالتالي يمكن تحقيق الثقة، في الداخل والخارج على حد سواء، في استقرارنا وسلامتنا".

وتم توقيع البيان: "نورتون الأول، إمبراطور الولايات المتحدة". وفي عام 1863، عندما غزا نابليون الثالث المكسيك، أضاف نورتون لقب "حامي المكسيك".

وتوالت البيانات لاحقاً و"القرارات الإمبراطورية" التي دعت إلى إلغاء الكونغرس، وتلتها دعوة للجيش إلى إخلاء قاعات الكونغرس بالقوة، وحل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وحتى إلغاء الولايات المتحدة نفسها لصالح نظام ملكي، والتي طبعاً لم يُنفذ أي منها ولكن الصحف كانت تنشرها على أي حال على سبيل السخرية والدعابة.

آراء نورتون الأول إمبراطور أمريكا السابقة لأوانها

قرر نورتون ارتداء زي عسكري وخوذة مزينة بالريش، وأصبح يتجول في المدينة يومياً وهو يتفقد أحوال "رعيته"، وكان محط سخرية للبعض لكن البعض الآخر من سكان المدينة كان يشعر بالتعاطف معه بسبب الأزمة الاقتصادية التي أثرت على الجميع، وكانوا يرون فيه رجلاً طيب القلب لم تساعده الظروف. 

إمبراطور أمريكا
إمبراطور أمريكا نورتون الأول / Wikimedia Commons

يذكر الموقع الخاص بتاريخ نورتون الأول إمبراطور أمريكا، بعض أعماله وآراءه التي زادت من شعبيته وكانت سابقة لأوانها:
1- كان خصماً للفساد والاحتيال بجميع أنواعه  السياسي والشركات والشخصي.

2- لقد كان يدعو إلى المعاملة العادلة وتعزيز الحماية القانونية للمهاجرين والأقليات العرقية والإثنية.

3- طالب بالسماح للسود بركوب عربات الترام العامة وبأن يتم قبولهم في المدارس العامة.

4- أعلن أن "عيون الإمبراطور" ستكون على أي شخص يتعرض للجالية الصينية بأي اعتداء.

5- أعلن، فيما يتعلق بالأمريكيين الأصليين، أن جميع الأطراف المرتبطة بعمليات الاحتيال ضد "القبائل الهندية"، يجب أن يعاقبوا علانية أمام أكبر عدد ممكن من "الزعماء الهنود" الذين يمكن تجميعهم معاً.

6- لقد كان إنسانياً دينياً وتعددياً، فضل الفصل بين الكنيسة والدولة، وحذّر من مخاطر التزمت والطائفية.

7- أيد حق المرأة في التصويت.

8- كان مدافعاً عن حق الشعب في الضرائب العادلة والخدمات الأساسية، بما في ذلك الشوارع المصونة جيداً وعربات الترام والعبّارات والقطارات.

تم اعتقال الإمبراطور نورتون الأول مرة واحدة، لكن لم يكن ذلك بسبب التآمر للإطاحة بالحكومة أو أي شيء من هذا القبيل؛ لكن تم القبض عليه بسبب التشرد واتُّهم بالجنون، وتسبب اعتقاله في احتجاج غاضب من الجمهور أمام قسم الشرطة.
ونشرت الصحف المحلية التي كانت تنشر بيانات "إمبراطور أمريكا"، على الفور مطالب الجمهور بحضور جلسة استماع الإمبراطور والاحتجاج على الظلم الذي تعرض له جلالة الإمبراطور.
وحدث فعلاً التأثير المطلوب، تم ​​إطلاق سراح الإمبراطور نورتون الأول باعتذار كامل، وأمر قائد الشرطة جميع أفراد الشرطة بتحية الإمبراطور نورتون الأول عندما مروا به في الشوارع، حيث كان يتواجد غالباً وهو يتفقد المدينة ويتواصل معه رعاياه.

لاحقاً أصدر نورتون عملته الخاصة، التي كان أصحاب المحلات التجارية يقبلونها منه بكل سرور، ويعطونه احتياجاته اليومية مجاناً في أحيان أخرى، ويخبروه بأنها ضرائب لصاحب الجلالة.

إمبراطور أمريكا
عملة أصدرها إمبراطور أمريكا نورتون الأول / Wikimedia Commons

وإلى جانب الأشياء المجانية، كان نورتون قادراً على ركوب وسائل النقل العام مجاناً، وحصل أيضاً على وجبات مجانية في العديد من المطاعم الراقية، حيث كان يُعامَل كضيف من كبار الشخصيات.

وعندما كان يرغب في حضور مسرحية أو أوبرا أو ما شابه ذلك، لم يكن يواجه صعوبة في الحصول على مقعد بالصف الأمامي مجاناً.
وبعد 21 عاماً من تنصيب نفسه إمبراطوراً لأمريكا، سقط الإمبراطور نورتون فجأة على الرصيف في أثناء مسيرته المسائية. وجمع سكان المدينة الأموال لإقامة جنازة حضرها الآلاف لوداع إمبراطورهم المحبوب.

تحميل المزيد