من تجارة السمك والخضراوات إلى النسيج والأسمدة.. تاريخ شركة “سامسونج” قبل تفوقها في الهواتف الذكية

عربي بوست
تم النشر: 2023/02/06 الساعة 13:04 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/02/06 الساعة 13:47 بتوقيت غرينتش
تأسست شركة سامسونج عام 1938، من دون أن تكون معنية بالتكنولوجيا/ Shutterstock

تخيّل معي أنك جالس في غرفة معيشتك، تُمسك بهاتفك الذكي من ماركة "سامسونج" الكورية، لتختار قطعة ملابس أمريكية الصنع من على أحد التطبيقات. ثم تخيّل معي أن مؤسّس سامسونج، لي بيونغ شول، لم يقرر تغيير نشاط الشركة في أول السبعينيات.

لماذا قد تتخيّل ذلك؟ لأن شول، لو لم يفعل ذلك، لربما انفردت "أبل" بمبيعات جميع الهواتف الذكية في العالم. والأهم أنه، لربما انتهى بك الأمر ممسكاً بهاتف أمريكي الصنع، لتختار قطعة ملابس كورية من طراز سامسونج.

تاريخ شركة سامسونج (Samsung) طويل ومليء بالتحولات الجذرية؛ فقبل أن تصبح واحدة من أضخم الشركات التكنولوجية في العالم، بدأت صغيرة ومن مكانٍ آخر تماماً لا علاقة له بالإلكترونيات. 

في بداياتها، كانت الشركة عبارة عن مركزٍ لتجارة المواد الغذائية والخضراوات والفاكهة، قبل أن تنتقل إلى مرحلة تصنيع وإنتاج النسيج، ثم الإسمنت والأسمدة وتكرير السكر؛ حتى دخلت عالم الإلكترونيات لاحقاً وتحوّلت إلى عملاق الهواتف الذكية الذي التهم العالم. 

تاريخ سامسونج بدأ مع اليابان 

في عام 1910 أعلنت اليابان، الإمبراطورية التي كانت تسعى إلى تثبيت مكانتها كدولة استعمارية كبرى، بسط سيطرتها على كوريا. انتصرت في معركتها مع الكوريين المسالمين، وأصبحت كوريا ولاية يابانية مدجنة عام 1945، تخضع للقوانين اليابانية وتحكمها الثقافة واللغة اليابانيتان. 

لكن قبل ذلك بسنوات، وتحديداً في العام 1938، أسّس كوري طموح يُدعى لي بيونج شول مركزاً لتجارة المواد الغذائية في مدينة "تايجو" (دايجو حالياً) الساحلية، أطلق عليه اسم "سامسونج".

اختار شول مكاناً حكيماً يصلح تماماً لأداء مهمته بنقل البضائع، من وإلى الصين في الأساس. تاجر الرجل في الشعرية والسمك والخضروات والفاكهة، وقد نقل بضاعته عبر الميناء القريب من المدينة الذي أمّنه اليابانيون، وكانت تجارته مُربحة.

ومع هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، انسحبت من كوريا تاركةً خلفها غنيمة من الشركات والأصول. ورغم أن كوريا كانت فقيرة في كل شيء، فإن هذا الأمر -وبطريقةٍ ما- صبَّ في مصلحة لي بيونغ.

فقد تلقت شركة سامسونج، صاحبة النجوم الثلاث، دفعة اقتصادية قوية.

كانت الحكومة الكورية ترعى الوجوه الوطنية، مثل "لي بيونغ"، الذي لم يدخر جهداً في توطيد علاقته بالحكام منذ ذلك الوقت، وقدّم نفسه كفردٍ من عائلة اقتصادية معنية بمعاونة الحكومة على تخطي النكبة.

اقتدى لي بعائلة "متسوبيشي" اليابانية، وأراد تأسيس ما يُشبه الـ"تشايبول" (Chaebol)، وهي عبارة عن عائلة تملك شركة -أو عدة شركات- تديرها مع تعاقب الأجيال.

لي بيونغ شول، مؤسس شركة سامسونج/ وكيبيديا
لي بيونغ شول، مؤسس شركة سامسونج/ وكيبيديا

الحرب الكورية ومساحة أخرى للتمدد

بعد نهاية الاجتياح الكوري الشمالي لكوريا الجنوبية في 1950، تضررت البنية التحتية الكورية كثيراً. فقد تحولت إلى حلبة صراع بين الشرق الاشتراكي والرأسمالية الغربية، وخسرت البلاد نصف قاعدتها التصنيعية، إضافةً إلى 75% من السكك الحديدية. 

وهنا تدخل لي بيونغ شول مرة أخرى مستفيداً من الوضع القائم، وقرر وضع الأساس الفلسفي الذي سوف ترتكز عليه شركة سامسونج فيما بعد: التغيير المستدام. فمن النقل إلى التصنيع، ومن المواد الغذائية إلى النسيج، انتقل نشاط سامسونج بسلاسة في صفقةٍ مُعلنة مع الحكومة.

أرادت الحكومة المدعومة من أمريكا، في مواجهة حكومة كوريا الشمالية المدعومة من الاتحاد السوفييتي، أن تعتمد على كيانات اقتصادية صديقة مستقرة في إعادة إعمار البلاد، وإلحاقها بركب التصنيع. 

من جهتها، أرادت سامسونج افتتاح أكبر مصنعٍ للصوف، والاستحواذ على ثلاثة من أكبر البنوك في كوريا، وكان لكلٍّ ما أراد.

لم يقف طموح سامسونج عند هذا الحدّ؛ فقد دخلت الشركة مجالات التأمين، والفندقة، وصناعة الإسمنت والأسمدة، وتكرير السكر، كما استحوذت على مصفاة للنفط، ومتاجر متنوعة البضائع. 

ما رآه البعض خراباً، اعتبره لي بيونغ فرصةً مثالية من أجل إقرار المرونة الدائمة، كمبدأ يقود انحيازات الشركة، والاعتماد على التصنيع في كلّ ما هو جديد من سلع أو خدمات؛ حتى لُقّبت الشركة بـ"الحرباء". 

الحرباء

في ستينيات القرن الماضي، أصبح دخول شركة سامسونج إلى صناعة الإلكترونيات بداهة لأيّ مراقبٍ لسياسات الشركة التوسعية. وبالتزامن مع الطفرة التي أحدثتها الشركة في صناعة الملابس الكورية، كانت بدأت بتصنيع التليفزيونات الأبيض والأسود، وتصديرها إلى الخارج. 

وكما تقتضي الضرورة، فقد طرقت سامسونج عام 1974 باباً واعداً، وهو باب أشباه الموصلات، بشراء 50% من أسهم شركة "كوريا لأشباه الموصلات"، وبعدها أسّست شركة لنظم البيانات؛ أفادت الشركة الأم كثيراً من ضمّها لسبعين شركة صغيرة باختصاصات مختلفة، واستطاعت إتمام عمليات تصنيع كاملة في المجالات التي اقتحمتها.

في العام 1987 مات مؤسس إمبراطورية سامسونج؛ وبعد صراعٍ قصير، آلت الشركة -التي تُعدّ درة تاج الإمبراطورية- إلى ابنه الأصغر "لي كان هي"، الذي افتتح عصراً جديداً لنفوذ الشركة العالمي في مجال الإلكترونيات.

لكن الرجل أراد نقل مبدأ التغيير الذي أقرّه والده إلى الموظفين أنفسهم، والذي كان بعنوان "غيّر كل شيء سوى عائلتك". صرّح بذلك معترضاً على رضا الشركة بالتربع على عرش التصنيع الكوري فقط، فقد أراد الابن الطموح أن يحكم العالم.

سياسة "لي كان" تجاه الموظفين استهدفت تحفيزهم من أجل بذل أقصى جهدٍ دائماً، حتى بأكثر الطرق تطرفاً، "لا بدّ أن يشعر الموظفون دائماً أنهم على شفا الهاوية. وظائف اليوم لن تكون موجودة خلال 10 أعوام، لا الوظيفة ولا الموظف في أمان".

"لي كان هي" مع والده "لي بيونغ شول"/ وكيبيديا

التغيير ولا شيء غيره

في العام 1997 بدأ تسلسل للتفاعلات الاقتصادية في تايوان؛ ومثل أي شيء معدٍ في آسيا، بدأت العملات المحلية تنهار تباعاً أمام الدولار مسبّبة خسائر بالجملة في جميع الأصول المجمدة. فقد خسر الوون الكوري 50% من قيمته أمام الدولار. 

كانت كارثة قادرة على ابتلاع دولٍ في جوفها.

مثل قطع الدومينو، انهارت الأعمال العائلية التي تديرها الـ"تشايبول"، مطيحة بمبدأ العائلات الاقتصادية ذاته. فمن أصل 30 شركة، 16 منها فقط استطاعت النجاة بعد المذبحة المالية. وقد امتدت التأثيرات إلى روسيا والبرازيل، وأعادت رسم الحياة الاجتماعية لأفراد الشرق الآسيوي.

خسرت سامسونج 170 مليار وون شهرياً، وفقد موظفو الشركة ثقتهم في قدرتها على الصمود. لكن الإدارة وضعت خطة لإعادة الهيكلة بشكلٍ عاجل، وتخلت عن 30% من عمالتها كما هجرت 100 مجال كانت تستثمر فيه -من دون المساس بصناعة الإلكترونيات- وأعطى "لي" إجازات إجبارية لعمال مصانعه. 

في بعض الأحيان، كان المصنع يغلق لأسبوعٍ كامل، ولأكثر من مرة.

اغتنم "لي" الفرصة لتنفيذ أكبر قدرٍ ممكن من التغيير، لا سيما أن نظرة المستهلكين إلى منتجات الشركة كانت تتمثل في أنها منتجات رخيصة بجودة متوسطة.

كانت شركة سامسونج تورّد الكثير من المكونات إلى "سوني"، من دون أن تكون مهتمة بمنافسة اسم الأخيرة التجاري. رأى لي أن الوقت ملائم لتغيير تلك النظرة، وصناعة اسم تجاري ثابت لا يتأثر بالتقلبات المزاجية لسوق المنتجات الرخيصة.

لي بيونغ شول (أقصى اليسار) مع ستيف جوبز/ مواقع التواصل
لي بيونغ شول (أقصى اليسار) مع ستيف جوبز/ مواقع التواصل

وفي 1999 عيّن ايريك كيم مديراً للتسويق الدولي في الشركة للهدف نفسه، الذي تعاقد فوراً مع 50 وكالة دعائية مختلفة، وأشرف على تقديم الشركة للأجهزة -التي تبدو مستقبلية- والاستعانة بها في تصوير الفيلم العالمي The Matrix Reloaded عام 2003، ثم حصل على عقدٍ لرعاية دورة الألعاب الأولمبية 2004 في أثينا. 

شاهد كيم كيف يتغير شعور الناس تجاه شركة سامسونج ومنتجاتها، وهو يعتمد على زيادة أخرى لميزانية الدعاية. الميزانية الجديدة كانت تساوي 3 مليارات دولار.

وفي العام 2004 وصل جريجوري لي بديلاً لكيم الذي رحل إلى شركة "إنتل"، وقد استهدف المدير الجديد استراتيجية أكثر راديكالية في التسويق. كان جريجوري يرى أن الاسم التجاري لا بد أن يعيش ويزدهر، حتى لو لم يكن هناك منتج من الأساس.

أراد أن يفكّر الناس في سامسونج قبل أن يفكروا فيما يحتاجونه منها، وأطلق حملة دعائية كبرى مستفيداً من قدرة الشركة الفائقة على الدمج. صنعت الشركة جوالاً مزوداً بالكاميرا، وذاكرة لتخزين الأغاني، وأطلقت سلسلة هواتف غالاكسي مجبرة مبيعات "أبل" على التراجع، ثم صنعت اللوح الذكي الخاص بها عام 2010، الذي يقوم بكل شيء تقريباً. وبذلك، أصبحت سامسونج في الهواء الذي نتنفسه من دون أن ندري.

وجه آخر للعملاق سامسونج

عام 2022 بلغت مبيعات سامسونج للإلكترونيات حول العالم رقماً مرعباً، هو 244.4 مليار دولار، وبزيادة قدرها 18% عن مبيعاتها في العام 2021. وقد بلغ رأس مالها السوقي 336.6 مليار دولار، محققة زيادة في الأرباح قدرها 18.1% عن مثيلاتها في العام 2021.

ووفقاً لموقع Global Data، فقد نتجت تلك الزيادة من زيادة مماثلة في المبيعات قدرها 27.4%. هذه أرقام تليق بتحالفٍ اقتصادي دولي، لا بشركة لا زال مقرّها في العاصمة سيول.

مقرّ شركة سامسونج في سيول/ Shutterstock
مقرّ شركة سامسونج في سيول/ Shutterstock

تدير الشركة الأم 79 شركة تابعة، ويعمل فيها قرابة الـ100 ألف موظف، وتمتلك مصانع عملاقة في الصين والولايات المتحدة الأمريكية، وتستثمر مليارات الدولارات في التكنولوجيا الخضراء والأجهزة الطبية والأدوية.

وعندما تسببت عيوب التصنيع في بطارية هاتف جالاكسي 7 في حوادث مؤسفة موثقة للمستهلكين في عام 2017، استطاعت الشركة التعافي سريعاً من كارثة كان يمكنها أن تودي بمستقبل شركات أخرى.

لكن العائلة التي احتفظت بعلاقات جيدة مع الحكام، حتى أثناء الانقلابات الداخلية والانقلابات المسلحة، لم تكن نظيفة الثوب على الدوام. 

ففي عام 2017 حكم على جاي لي، حفيد مؤسس الشركة، بالسجن خمس سنوات على خلفية فضيحته السياسية التي ربطته بالرئيس الأسبق (بارك جوين هي) الذي سُجن أيضاً. 

وعندما انتخب مون جاي إن خلفاً لبارك، أصدر عفواً رئاسياً عن فرد التشايبول السجين. وقد علّل قراره بأنه أراد أن يخرج الحفيد ليقود إمبراطوريته، "وإذا كانت سامسونج بخير، أصبحت كوريا بخير".

وكما قال لي كويل هنغ، مدير وضع السياسات في سامسونج للإلكترونيات، فإن لدى الكوريين أفكاراً متضاربة حول تشايبول. لكن ووفقاً لمعظم الكوريين، فإن كوريا هي بدرجة كبيرة "جمهورية سامسونج".

تحميل المزيد