مؤتمر الصومام.. الاجتماع الذي أنقذ الثورة الجزائرية من الفشل وأجج الصراع على الحكم بين قادتها

تم النشر: 2022/08/20 الساعة 12:14 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/11/26 الساعة 14:43 بتوقيت غرينتش
Getty Images/ مؤتمر الصومام

مرت الثورة الجزائرية بمحطات تاريخية عديدة، ولعل أبرز تلك المحطات كان مؤتمر الصومام الذي عُقد في سفوح جبال وادٍ يحمل ذات اسم، والذي استطاع من خلاله منظموه، إرساء مرحلة جديدة من الكفاح المسلح، بعد أن عاشت الثورة الجزائرية قبل هذا الحدث التاريخي ضربات قاصمة من الاحتلال الفرنسي، أنذرت بقرب فشلها. 

مؤتمر الصومام الذي كان مبرمجاً أن يُعقد بعد ثلاثة أشهر من بداية الثورة

في 23 أكتوبر/تشرين الأول 1954، اجتمع مجموعة من ستة شبان جزائريين، سيطلق عليهم لاحقاً "مجموعة الستة"، في منزل بحي رايس حميدو بالجزائر العاصمة، وفي أجندة اجتماعهم، الاتفاق على تفجير الثورة الجزائرية بعد أسبوع واحد من ذلك اللقاء، كما اتفق الشبان الستة على عمل اجتماع مماثل بعد ثلاثة أشهر، من أجل تقييم مسار الثورة المخطط لها.

وبالفعل اندلعت في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1954، الثورة الجزائرية كما خططت لها مجموعة الستة، إلا أنّ موعد اللقاء التقييمي المتفق عليه لم يُكتب له الانعقاد في وقته المحدد، بسبب التضييق والحصار اللذين فُرضا على الثورة وقادتها، فقد سقط كثير من القادة الجزائريين في دائرة الاعتقال والسجون، بينما قُتل آخرون.

مؤتمر الصومام/ مواقع التواصل
مؤتمر الصومام/ مواقع التواصل

قصة طريفة وراء تحويله إلى منطقة الصومام

سُمّي بمؤتمر "الصومام" نسبة إلى مكان انعقاده بسفوح جبال وادي الصومام، بمحافظة بجاية، بعد فشل مناطق أخرى في احتضانه، أبرزها منطقة الشمال القسنطيني، التي كانت تنوي عقده في منطقة بوزعرورة بمحافظة الطارف، ثم منطقة البيبان بمحافظة برج بوعريريج. 

كواليس تحضير المؤتمر لم تخلُ من الطرفة، فبينما كان أحد الوفود  المشاركة في طريقه إلى مكان انعقاد المؤتمر، تعرّض لاشتباك مع السلطات الفرنسية، جعله يفقد كل وثائق المؤتمر ومخططاته، وذلك بعد هروب بغلة كانت تحمل الوثائق وتوجهها أثناء الاشتباك إلى ثكنة فرنسية، فتم اكتشاف مكان انعقاد المؤتمر وتفاصيله، الأمر الذي دفع قادة الثورة الجزائرية إلى تغيير المكان والزمان وأجندة الاجتماع. 

حتى تقرر عقد المؤتمر في 20 أغسطس/آب 1956، وفي مرحلة حاسمة كانت الثورة الجزائرية في طريقها إلى الفشل. 

أولوية "الداخل" على "الخارج"، والسياسي على العسكري

حضر المؤتمر عضوان فقط من "مجموعة الستة" التي فجرت الثورة الجزائرية، هما كريم بلقاسم ومحمد العربي بن مهيدي، إضافة إلى كل من عبّان رمضان، وعمر أوعمران محمد السعيد، وآيت حمودة عميروش، وعبد الله بن طوبال، وزيغود يوسف، ممثلين عن الولايات التاريخية الجزائرية، فيما تغيّبت قيادة المنطقة الأولى؛ نظراً إلى استشهاد قائدها مصطفى بن بولعيد ونائبه بشير شيهاني.

المناضل عبان رمضان مهندس مؤتمر الصومام/ Getty Images

 

أشغال المؤتمر جرت على شكل جلسات عمل وورش نقاشية بين الأعضاء المشاركين طيلة أسبوع كامل، ففي كل جلسة عملٍ قدَّم قادة كل منطقة تفاصيل عن الوضع في منطقته العسكرية، فالمنطقة الثانية قدمت تقريراً مكتوباً تلاه المناضل زيغود يوسف.

المنطقة الثالثة قرأ حصيلتها المناضل كريم بلقاسم، والرابعة فصّل تقريرها عمر أوعمران، أمّا الخامسة فعرض تقريرها المناضل العربي بن مهيدي، وذلك حسب ما نقله الدكتور يعيش محمد أستاذ التاريخ بجامعة المسيلة في بحثه المعنون بـ"مؤتمر الصومام عام 1956 وإشكالية تجسيد قراراته".

بعد الانتهاء من عرض التقارير الخاصة بالمناطق العسكرية، شرع المؤتمر في دراسة قراراته، كإنشاء مجلس وطني للثورة، وإعادة التقسيم بإدراج ولاية سادسة تشمل الصحراء الجزائرية، وتنظيم جيش التحرير ومنح الرتب العسكرية لمنتسبيه، وإعطاء أولوية للعمل السياسي على العسكري، وأولوية للعمل الداخلي على الخارجي.

فتح صراع السلطة بين القادة الجزائريين قبل الاستقلال 

لا شك في أن مؤتمر الصومام شكّل مرحلة حاسمة في مسار كفاح الشعب الجزائري، حيث تمكن من إعادة تفعيل النشاط السياسي والعمل العسكري للثورة الجزائرية على حدٍّ سواء، وأمدها بهيكلة تنظيمية تتماشى مع المراحل الجديدة التي عاشتها، وساعد في ذلك الإجماعُ الكبير من القادة المشاركين في هذا الاجتماع المصيري.

إلا أن غياب بعض المناطق وقادتها، مثل منطقة الأوراس، والوفد الذي كان يمثل الثورة الجزائرية في الخارج، عن حضور هذا الحدث المهم، جعلها تبدي مواقف معارضة من قراراته، وشكّل تحدياً لتجسيد مقرراته، وفتح باب الصراع بين قادة الثورة الجزائرية على مصراعيه. 

تجلت أبرز مظاهر الصراع بين الجزائريين بعد مؤتمر الصومام في اغتيال مهندسه، عبان رمضان، في 26 ديسمبر/كانون الأول 1957، واعتبار أحمد بن بلة، أوّل رئيس للجزائر، أن المؤتمر كان طعنة خنجر في ظهر الثورة الجزائرية.

 أمّا  المنطقة الأولى فقد ذهبت ضحية للاقتتال الداخلي بين قياداتها بين معارض ومؤيد لمخرجات المؤتمر، حسبما ورد في بحث تاريخي للباحثين بجامعة باتنة قيرود عمراوي وبوقريوة لامية بعنوان "الولاية التاريخية الأولى بين تفكك قيادتها، وتجسيدها لقرارات مؤتمر الصومام"

الرئيس الجزائري أحمد بن بلة كان من أشد المعارضين لمقررات مؤتمر الصومام / Getty Images

وتنامى الصراع بين الثوار مع اقتراب نيل الجزائر استقلالها، خصوصاً بين قادة الوفدين الداخلي الذي يقوده عبان رمضان، والخارجي الذي يمثله أحمد بن بلة، على شرعية من يقود الثورة ويحكم البلد. 

على أثر ذلك، قام الوفد الخارجي بتنظيم مؤتمر جديد بالقاهرة بعد عام من مؤتمر الصومام، في  الفترة ما بين 20 و27 أغسطس/آب 1957، ألغى من خلاله مقررات مؤتمر الصومام، خصوصاً قراري أولوية الداخل على الخارج والسياسي على العسكري.

وبعد نيل الجزائر استقلالها في يوليو/تموز 1962، استطاع الوفد الخارجي فرض منطقه، فحكم الجزائر قادة عسكريون وسياسيون زحفوا مع جيش الحدود، بقيادة  كل من هواري بومدين وأحمد بن بلة، من الحدود المغربية والتونسية إلى العاصمة وتسلموا الحكم.

تحميل المزيد