كيف تخطط أمريكا لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة؟

عربي بوست
تم النشر: 2026/02/06 الساعة 11:20 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/02/06 الساعة 11:24 بتوقيت غرينتش
كيف تخطط أمريكا لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة؟ /عربي بوست

ضمن مساعيها لإعادة رسم خريطة الموارد العالمية، تخوض الولايات المتحدة سباقاً استراتيجياً محموماً لمحاولة كسر الهيمنة الصينية على سوق المعادن النادرة، الذي تحظى فيه بكين بحصة كبيرة تتجاوز 70%، ما يمنحها نفوذاً لافتاً في حربها التجارية مع واشنطن، وخاصة خلال الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وفي ظل هيمنة بكين شبه الكاملة على تعدين ومعالجة هذه المواد الأساسية واللازمة لصناعة كل شيء تقريباً، من الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية وصولاً إلى الترسانات العسكرية، أطلقت واشنطن خطة طموحة متعددة الأبعاد على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وتتمحور الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لكسر الهيمنة الصينية على المعادن النادرة حول 3 مرتكزات رئيسية: بناء تحالفات دولية، وضخ استثمارات رأسمالية ضخمة، وفرض سياسات حمائية ذكية.

المعادن النادرة
المعادن النادرة/عربي بوست

ولم تكن أيضاً مطالبة ترامب باستحواذ الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند الغنية بالمعادن النادرة سوى جزء من الجهود الأمريكية الحثيثة لكسر القبضة الصينية على هذه المعادن.

ومنذ بدء الولاية الثانية للرئيس الأمريكي في يناير/كانون الثاني 2025، كانت المعادن النادرة حلقة مهمة في سلسلة الحروب التجارية التي أشعلتها الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على عدد كبير من الدول الحليفة، وفي مقدمتها الصين.

وقادت حرب الرسوم الجمركية المتبادلة بين الصين وأمريكا بكين إلى تقييد إمدادات المعادن النادرة أو "الحرجة" في أبريل/نيسان الماضي. 

ووسعت بكين أنذاك قيودها التصديرية لتشمل 7 عناصر أرضية نادرة ومغناطيسات حيوية للسيارات الكهربائية وطواحين الهواء والطائرات المقاتلة، قبل أن تعود وتلغي هذه القيود بعد القمة التي جمعت ترامب بالرئيس الصيني، شي جين بينغ، في نوفمبر/تشرين الأول 2025.

ما هي المعادن النادرة وكيف تسيطر الصين عليها؟

تُعتبر المعادن الأرضية النادرة، وهي مجموعة من 17 عنصراً كيميائياً، مكونات أساسية في تصنيع المنتجات العالية التقنية وأشباه الموصلات وحتى صناعة الصواريخ الفضائية.

وتُستخدم هذه المعادن في الصناعات التالية:

  • المغناطيسات فائقة القوة داخل المحركات الكهربائية والطائرات.
  • الأنظمة الدفاعية مثل أجهزة التوجيه الصاروخية، والرادار، والغواصات.
  • تقنيات الاستشعار في الهواتف، والمجسّات الطبية، ومعدات الاتصالات.
  • الأقمار الصناعية وأنظمة الطاقة المتجددة كالألواح الشمسية وتوربينات الرياح.

ويُعد الليثيوم ضرورياً لإنتاج بطاريات أيونات الليثيوم عالية الكفاءة، بينما يُعد الكوبالت والنيكل مهمين أيضاً لتخزين الطاقة وتحسين أدائها.

وتُعتبر معادن أخرى، مثل الجرافيت والمنغنيز، أساسيةً لمجموعة متنوعة من الاستخدامات الصناعية وتكنولوجيا البطاريات.

علاوةً على ذلك، تعتمد الحلول الصناعية والفضائية والمتجددة المتقدمة على النيوبيوم والتنتالوم وعناصر مجموعة البلاتين والتنغستن والتيتانيوم والألمنيوم. وتُعزز هذه المعادن مجتمعةً التقدم التكنولوجي وتُبرز أهميتها الاستراتيجية في شبكات التوريد الدولية والتوسع الاقتصادي.

التنافس على صناعة المعادن الحرجة يشتد مع دخول لاعبين جدد مثل السعودية والإمارات، تعبيرية (رويترز)
التنافس على صناعة المعادن الحرجة يشتد مع دخول لاعبين جدد مثل السعودية والإمارات، تعبيرية (رويترز)

وتستخرج الصين 70% من المعادن الأرضية النادرة في العالم، بينما تستخرج ميانمار وأستراليا والولايات المتحدة معظم الكمية المتبقية. إلا أن الصين تُجري المعالجة الكيميائية لـ90% من المعادن الأرضية النادرة في العالم، لأنها تُكرر جميع خاماتها، بالإضافة إلى إنتاج ميانمار بأكمله تقريباً، وما يقرب من نصف إنتاج الولايات المتحدة.

وتمتلك الصين بعضاً من أفضل رواسب المعادن الأرضية النادرة الثقيلة في العالم. توجد هذه الرواسب في شريط من الخام غنيّ بها بشكل خاص في وادٍ بالقرب من لونغنان في جنوب وسط الصين، ويمتد غرباً إلى أقصى شمال ميانمار.

ما هي خطط واشنطن لكسر الهيمنة الصينية؟

تشمل المساعي والتحركات الأمريكية لتحصين مخزوناتها من المعادن النادرة، ولإعادة رسم خارطة الجغرافيا السياسية للمعادن، عدداً من الخطط والإجراءات التي تبنتها إدارة ترامب في ولايته الثانية، ومن أبرزها:

أولاً: سلسلة توريد محلية للمغناطيسيات

أفادت وسائل إعلام أمريكية في يونيو/حزيران 2025 بأن واشنطن سعت لتأسيس سلسلة توريد محلية للمغناطيسات عالية الأداء لكسر احتكار الصين لهذه المعادن النادرة.

وأشارت صحيفة واشنطن بوست إلى شركة "يو إس إيه رير إيرث" بوصفها جزءاً من محاولة أمريكية متأخرة لإعادة إنشاء سلسلة توريد محلية للمغناطيسات عالية الأداء المستخدمة في منتجات مثل الطائرات بدون طيار والمركبات الكهربائية والهواتف الذكية والأجهزة الطبية والأسلحة العسكرية.

وأضافت الصحيفة أن الشركة تسارع إلى إنشاء خط إنتاج، وتوظيف عشرات المتخصصين المهرة، وتحسين تركيباتها العلمية استعداداً لصنع ملايين من مغناطيسات النيوديميوم القوية، أو "النيو".

وقالت واشنطن بوست إنه بينما تسعى الشركات الأمريكية جاهدةً لاستعادة مكانتها في سوق المعادن الأرضية النادرة بعد فترة طويلة من الهيمنة الصينية، فإن المرحلة التأسيسية لشركة "يو إس إيه رير إيرث" – التي طُرحت للاكتتاب العام في مارس/آذار 2025 – والعقبات التي تعترض طريقها، تُشير إلى حقيقة مقلقة: سيستغرق الأمر سنوات قبل أن تتمكن الولايات المتحدة من التخلص من اعتمادها على خصمها الاستراتيجي الرئيسي.

وقال جوشوا بالارد، الرئيس التنفيذي لمركز أبحاث الجيش الأمريكي: "لدينا مصادر مستقبلية. لكن العالم يمر بظروف صعبة خلال السنوات القليلة المقبلة. للأسف، نحن نعتمد إلى حد ما على الصين. هذا هو الوضع الذي وصلنا إليه خلال العقود القليلة الماضية، وسيستغرق الأمر بعض الوقت للخروج منه".

وتستهدف شركة "يو إس إيه رير إيرث" إنتاج 1200 طن متري من المغناطيس بحلول نهاية العام الجاري. وصرح بالارد للمستثمرين أنه من المتوقع أن تنتج الشركة 5000 طن متري – أي مئات الملايين – من المغناطيس، خلال عدة أعوام، وأن تحقق إيرادات سنوية تبلغ 800 مليون دولار.

ومع ذلك، تواجه الشركة عقبات عدة، من أبرزها إيجاد عدد كافٍ من العمال المهرة، والحصول على دعم حكومي، ومنافسة المنتجين الصينيين ذوي التكلفة المنخفضة.

وبرزت تساؤلات هامة حول قدرة الشركة على استغلال رواسب المعادن التي تمتلكها في جبل راوند توب، بالقرب من الحدود المكسيكية. وقد أثبتت الشركة أن الموقع يحتوي على كميات كبيرة من العديد من العناصر الأرضية النادرة، بما في ذلك المعادن "الثقيلة" ذات القيمة العالية.

ثانياً: مشروع "القبو"

أعلن الرئيس الأمريكي، الثلاثاء 3 فبراير/شباط، عن خطط لإطلاق احتياطي استراتيجي من المعادن الحرجة مدعوم بتمويل أولي حجمه 10 مليارات دولار من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي، فيما عُرف باسم مشروع "القبو".

وقال ترامب: "خاطرت الشركات الأمريكية لسنوات بنفاد المعادن الحيوية خلال الاضطرابات التي شهدتها الأسواق".

وأضاف: "واليوم، نطلق ما سيُعرف باسم 'المشروع فولت' لضمان عدم تعرض الشركات والعمال في الولايات المتحدة لضرر بسبب أي نقص".

وتتحرك واشنطن لتعويض ما يعده صانعو السياسات تلاعباً صينياً بأسعار الليثيوم والنيكل والمعادن الأرضية النادرة وغيرها من المعادن الحيوية التي تُعد أساسية في صناعة السيارات الكهربائية والأسلحة عالية التقنية والعديد من السلع المصنعة الأخرى. وأعاق ذلك شركات التعدين الأمريكية لسنوات، وفق وكالة رويترز.

وقال ترامب إن المشروع سيجمع بين تمويل خاص قيمته مليارا دولار وقرض حجمه 10 مليارات دولار من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي لشراء المعادن وتخزينها لصالح شركات صناعة السيارات والتكنولوجيا وغيرها.

المعادن النادرة
خطط أمريكية لكسر الهيمنة الصينية على المعادن النادرة؟/عربي بوست

وقال بنك التصدير إنه وافق على القرض.

وجذب المشروع اهتمام مجموعة واسعة من شركات السيارات والتكنولوجيا الأمريكية.

وقال مسؤول في إدارة ترامب مطلع على الخطة لرويترز إن مشروع "فولت" يهدف إلى مساعدة صناعة السيارات الأمريكية، مع السماح للشركات بإبعاد المخاطر ذات الصلة عن ميزانياتها العمومية.

وأضاف المسؤول أن الهدف الآخر هو الحفاظ على مخزون من المعادن يكفي 60 يوماً للاستخدام في حالات الطوارئ، مشيراً إلى أن تخزين المعادن بدأ بالفعل.

ثالثاً: تشكيل تكتل تجاري للمعادن الحرجة

ولم يمضِ سوى يوم واحد على إعلان الرئيس الأمريكي عن مشروع "القبو" حتى كشف نائب الرئيس الأمريكي، جيه. دي فانس، الأربعاء 2 فبراير/شباط، عن خطط لحشد الحلفاء في تكتل تجاري للمعادن الحيوية قائم على المعاملة التفضيلية، واقترح وضع حد أدنى منسق للأسعار.

واستغلت الصين سيطرتها على معالجة عدد من المعادن كميزة جيو-اقتصادية، فحدّت في بعض الأحيان من الصادرات، ومنعت زيادة الأسعار، وقوضت قدرة دول أخرى على تنويع مصادر من هذه المواد المستخدمة في تصنيع أشباه الموصلات والسيارات الكهربائية والأسلحة المتطورة.

وقال فانس في اجتماع لوزراء زائرين في واشنطن، دون أن يذكر الصين بالاسم: "نريد القضاء على مشكلة إغراق أسواقنا بمعادن حيوية رخيصة لتقويض مُصنّعينا المحليين".

وأضاف: "سنضع أسعاراً مرجعية للمعادن الحيوية في كل مرحلة من مراحل الإنتاج، تعكس القيمة العادلة في السوق الفعلية، وبالنسبة لأعضاء المنطقة التفضيلية، ستعمل هذه الأسعار المرجعية كحد أدنى يتم الحفاظ عليه من خلال رسوم قابلة للتعديل بما يضمن نزاهة التسعير".

وقال فانس إن 55 دولة شاركت في المحادثات التي عُقدت في واشنطن، من بينها كوريا الجنوبية والهند وتايلاند واليابان وألمانيا وأستراليا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وجميعها تمتلك قدرات متفاوتة في مجالي التعدين والتكرير.

وأضاف فانس أن المعادن "تتركز بشدة في يد دولة واحدة"، دون الإشارة إلى الصين، مضيفاً أن هذا الوضع أصبح "أداة للضغط" الجيوسياسي.

ومن خلال ضمان حد أدنى للأسعار عبر قواعد تجارية منسقة، تأمل واشنطن في فتح الباب أمام الاستثمارات الخاصة في مشروعات التعدين والمعالجة التي واجهت صعوبات في منافسة الإمدادات الصينية الأرخص.

وقد يؤدي هذا النهج إلى إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية للمواد الأساسية المستخدمة في السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات والأنظمة الدفاعية، مع زيادة التكاليف على الشركات المصنعة في الأمد القصير وتصعيد التوتر التجاري مع بكين، بحسب رويترز.

وتسببت قيود الصين الموسعة على تصدير المعادن الأرضية النادرة العام الماضي في تأخير الإنتاج ووقف بعض خطوط التصنيع لدى شركات سيارات في أوروبا والولايات المتحدة، كما أدى فائض الليثيوم الذي تسببت فيه الصين إلى تعطيل خطط توسيع الإنتاج في الولايات المتحدة.

ومن جانبها، انتقدت الصين الخطوة الأمريكية لتشكيل تكتل تجاري للمعادن النادرة، وقالت وزارة الخارجية الصينية إن بكين تعارض أي دولة تقوض النظام الاقتصادي والتجاري الدولي من خلال قواعد تفرضها مجموعات صغيرة.

تحميل المزيد