حديقة واشنطن الخلفية.. خارطة النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي

عربي بوست
تم النشر: 2026/01/27 الساعة 18:31 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/01/27 الساعة 18:31 بتوقيت غرينتش
حارطة النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية والكاريبي/عربي بوست

تشكل التحركات الأمريكية الأخيرة في فنزويلا وإطاحة الرئيس نيكولاس مادورو جانباً من مساعي واشنطن لكسب معركة النفوذ في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، التي يُنظر إليها بوصفها الحديقة الخلفية لواشنطن، والتي تمتلك فيها الصين نفوذاً ملحوظاً على كافة الأصعدة، وخاصة الصعيدين الاقتصادي والعسكري.

وتُهدد الخطوة الأمريكية التي صاحبها تحركات عسكرية الطموحات الصينية في أمريكا اللاتينية، وهي سوق ناشئة مهمة لطالما كانت مصدراً رئيسياً للسلع الأساسية الصينية وميدان اختبار استراتيجي لنفوذ بكين العالمي.

ففي الوقت الذي يشتري فيه 670 مليون مستهلك في أمريكا اللاتينية العلامات التجارية الصينية، تستخرج شركات التعدين الصينية النحاس من بيرو والليثيوم من الأرجنتين. وتستورد الشركات الزراعية الصينية سلعاً أساسية مثل فول الصويا من البرازيل. وتُزوّد شركات الكهرباء الصينية مدناً بأكملها بالطاقة. وتسيطر الصين على جزء كبير من البنية التحتية للشحن والموانئ التي تعبر البضائع عبر المحيط الهادئ، وفق تقارير أمريكية.

الصين
الحرب التجارية بين أمريكا والصين – تعبيرية

ودأبت الصين على تعزيز دبلوماسيتها واستثماراتها مع دول أمريكا اللاتينية لسنوات، في تحدٍّ للنفوذ الأمريكي في حديقة واشنطن الخلفية.

وفي العام الماضي، استضافت بكين حواراً بين الصين ودول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، وأعلنت أن حجم التبادل التجاري بين الصين وأمريكا اللاتينية بلغ مستوى قياسياً قدره 519 مليار دولار.

في هذا التقرير نستعرض عدداً من التساؤلات بشأن خارطة النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، واستراتيجية الصين في هذه المنطقة، ونظرة واشنطن لنفوذ بكين في حديقتها الخلفية، وإلى أي مدى سيتأثر النفوذ الصيني بعد التحركات الأمريكية الأخيرة في فنزويلا.

ما هي استراتيجية الصين في أمريكا اللاتينية والكاريبي؟

في أوائل شهر مايو/أيار 2025، وخلال حفل افتتاح منتدى الصين-مجموعة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي (سيلاك)، كشف الرئيس الصيني، شي جين بينغ، عن خطة تشمل خمسة محاور لعلاقات الصين مع 33 دولة في المنطقة على مدى السنوات الثلاث المقبلة.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أصدرت وزارة الخارجية الصينية ورقتها السياسية الثالثة بشأن أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي. وتُحدد هذه الوثيقة الرسمية السياسة الصينية تجاه دول المنطقة.

وتتمحور الرؤية الصينية حول خمسة برامج استراتيجية تشمل التضامن السياسي، والتنمية الاقتصادية عبر مبادرة الحزام والطريق، والتبادل الثقافي، والأمن العالمي، والروابط الشعبية.

وتهدف برامج التعاون الخمسة التي أعلنت عنها الصين مع أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي إلى "بناء مجتمع ذو مستقبل مشترك" يتسم بالمساواة والمنفعة المتبادلة والابتكار والانفتاح والرفاهية للشعوب.

وتتمثل الأهداف الرئيسية لكل برنامج فيما يلي:

1- برنامج التضامن 

يهدف هذا البرنامج إلى تعزيز الثقة السياسية المتبادلة والدعم الاستراتيجي عبر:

  • تعزيز الدبلوماسية الرئاسية: الحفاظ على تبادل الزيارات والاجتماعات رفيعة المستوى لتعزيز تبادل الخبرات في مجال الحكم.
  • الدعم المتبادل للمصالح الجوهرية: دعم الصين لدول المنطقة في حماية سيادتها واستقلالها، وفي المقابل التزام دول المنطقة بمبدأ "الصين الواحدة" ومعارضة استقلال تايوان. 
  • إصلاح الحوكمة العالمية: العمل معاً لتعزيز تمثيل وصوت "الجنوب العالمي" في المحافل الدولية (مثل الأمم المتحدة ومجموعة العشرين)، والدفاع عن التعددية ومعارضة الهيمنة والتنمر الأحادي.
  • التعاون الجماعي: دعم التكامل الإقليمي وتعزيز التعاون من خلال "منتدى الصين-سيلاك".

2- برنامج التنمية 

يركز هذا البرنامج على تحقيق التحديث والازدهار المشترك من خلال:

  • مواءمة الاستراتيجيات: دمج مبادرة "الحزام والطريق" ومبادرة التنمية العالمية (GDI) مع استراتيجيات التنمية لدول المنطقة.
  • تعزيز التجارة والاستثمار: استكشاف اتفاقيات التجارة الحرة، وتوسيع تجارة المنتجات عالية القيمة والخدمات الرقمية، ودعم التصنيع المحلي.
  • التعاون المالي: تشجيع استخدام العملات المحلية في التسويات، وتعزيز التعاون بين البنوك المركزية والمؤسسات المالية.
  • البنية التحتية والطاقة: التعاون في المجالات التقليدية (النقل، الكهرباء) والمجالات الناشئة (البنية التحتية الرقمية، الطاقة النظيفة، وسلاسل توريد المعادن الخضراء).
  • الابتكار التكنولوجي: تعزيز التعاون في الذكاء الاصطناعي، والفضاء (بما في ذلك نظام بيدو للملاحة)، والزراعة الحديثة.
الصين
استراتيجية الصين في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي/عربي بوست

3- برنامج الحضارة 

يسعى هذا البرنامج إلى تعزيز التفاهم المتبادل والتعايش بين الثقافات عبر:

  • تنفيذ مبادرة الحضارة العالمية: التمسك بقيم المساواة والتعلم المتبادل والحوار بين الحضارات.
  • حماية التراث: التعاون في استعادة الآثار المفقودة، والحفريات الأثرية المشتركة، وحماية التراث الثقافي.
  • التعليم والتدريب: تقديم المنح الدراسية الحكومية، وتعزيز التعليم المهني (مثل "ورشة لوبان")، ودعم تعليم اللغة الصينية، والتعاون في التعليم الرقمي.
  • التبادل الإعلامي والفكري: تعزيز الحوار بين مراكز الفكر والجامعات، والإنتاج المشترك للمحتوى الإعلامي.

4- برنامج السلم 

يهدف إلى ضمان الأمن المشترك والاستقرار الإقليمي والعالمي من خلال:

  • تنفيذ مبادرة الأمن العالمي: التمسك بمفهوم الأمن المشترك والشامل والمستدام، وحل النزاعات سلمياً.
  • التعاون العسكري والأمني: تعزيز التبادلات العسكرية، والتدريب، والمشاركة في عمليات حفظ السلام، ومكافحة الإرهاب.
  • إنفاذ القانون ومكافحة الفساد: التعاون في تسليم المجرمين، واسترداد الأصول، ومكافحة غسيل الأموال وتهريب المخدرات.
  • الأمن السيبراني: بناء فضاء إلكتروني مفتوح وآمن، ومعارضة الهيمنة السيبرانية.

5- برنامج تواصل الشعوب 

يركز هذا البرنامج بشكل مباشر على تحسين معيشة السكان والرفاه الاجتماعي عبر:

  • الحوكمة الاجتماعية: تبادل الخبرات في تحديث نظام الحكم الاجتماعي ورعاية الفئات الضعيفة.
  • الحد من الفقر: التعاون في تقنيات التخفيف من حدة الفقر وتبادل المعلومات حول تحديد الفئات المستهدفة.
  • الصحة العامة: إرسال فرق طبية، والتعاون في الوقاية من الأمراض المعدية، والطب التقليدي.
  • السياحة والتواصل المحلي: تسهيل السفر المتبادل وحماية حقوق المستهلكين، وتشجيع التوأمة بين المدن والمقاطعات لتعزيز الصداقة على المستوى الشعبي.

ما هي خارطة النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية والكاريبي؟

يغطي الجانب الاقتصادي والدبلوماسي غالبية الحضور الصيني في دول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي مقارنة بالحضور العسكري الأصغر حجماً، والذي يظهر غالباً عبر مبيعات السلاح والتعاون الأمني أكثر من كونه انتشاراً عسكرياً مباشراً.

وفيما يلي تفصيل لخارطة النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي:

المحور الأول: النفوذ العسكري

برز طموح الصين لتوسيع التعاون العسكري مع دول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي لأول مرة في ورقة السياسة الصينية لعام 2008 بشأن أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، ثم تعزز لاحقاً في ورقة السياسة لعام 2016، وفق تقرير لموقع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS). 

ويبرز الحضور العسكري الصيني في دول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي في النقاط التالية:

1- التدريب العسكري

  • وفقاً لبحث أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فقد شارك ضباط عسكريون من 20 دولة في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، بين عامي 2022 و2025، في برامج تبادل قصيرة الأجل في الصين.
  • ومن أمثلة هذه الدورات والبرامج: دورة كبار القادة وندوة ضباط أمريكا اللاتينية العسكرية لكبار الضباط التي استضافتها جامعة الدفاع الوطني التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني، فضلًا عن دورات متخصصة مثل دورة صيانة المروحيات في كلية قيادة القوات الجوية لجيش التحرير الشعبي الصيني. 
  • وتُتيح هذه البرامج فرصاً أكبر للضباط ذوي الرتب الأدنى، على عكس النهج الأمريكي في اختيار الضباط ذوي الرتب العليا بشكل انتقائي.

2- الزيارات المتبادلة

  • قام ممثلون عن الكليات العسكرية الصينية ومسؤولون عسكريون بزيارات متكررة إلى الكليات العسكرية في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي.
  • وعقدت الصين اجتماعات رفيعة المستوى بشكل متكرر بين مسؤولين في قطاعات الدفاع والجيش والدبلوماسية. 
  • ففي عام 2022، استضافت الصين المنتدى الدفاعي الخامس بين الصين وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، بمشاركة مسؤولين من 24 دولة، من بينهم وزراء دفاع تشيلي والأرجنتين وسورينام، ورئيس أركان القوات المسلحة البرازيلية، ووزير الدفاع الصيني، ونائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية الصينية. 
  • وإجمالاً، أجرت الصين 97 تبادلاً عسكرياً مع 18 دولة مختلفة خلال الفترة من 2022 إلى 2025. إلا أن التعاون الدفاعي الأكثر تواتراً للصين في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي كان مع البرازيل والأرجنتين. 
الصين
خارطة النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي/عربي بوست

3- صفقات الأسلحة

شملت صادرات الأسلحة الصينية لدول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي بين عامي  2000–2016 الدول التالية: باهاماس، بوليفيا، الإكوادور، غيانا، المكسيك، بيرو، ترينيداد وتوباغو وفنزويلا، وفق ورقة بحثية صادرة عن كلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي.

ومن أبرز صفقات الأسلحة الصينية لدول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي: 

فنزويلا: 

  • تظل فنزويلا أكبر مشغل للسلاح الصيني في المنطقة، حيث استبدلت ترسانتها الأمريكية تدريجياً بالروسية ثم الصينية.
  • وشملت صفقات الأسلحة الفنزويلية من الصين عربات القتال المدرعة من طراز (VN-4)، وطائرات التدريب والهجوم الخفيف من طراز K-8 Karakorum، التي تمتلك فنزويلا منها أسطولاً نشطاً يتألف من حوالي 24 طائرة تم تسليمها في صفقات سابقة، بحسب تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.

بوليفيا:

  • تعتمد القوات المسلحة في بوليفيا بشكل متزايد على التكنولوجيا الصينية.
  • وشملت الصفقات العسكرية لبوليفيا مع الصين صفقة حصلت بموجبها بوليفيا على مروحيات Z-9 القتالية والعربات المدرعة من طراز "تايجر" الصينية لتحديث أسطول الجيش المتقادم.

الأرجنتين: 

  • باعت الصين للأرجنتين مدرعات من طراز (WMZ-551) وشاحنات عسكرية، وتستمر المحادثات حول معدات المراقبة والدفاع المدني.

بيرو:

  • من أبرز مبيعات الأسلحة الصينية لبيرو توريد ما لا يقل عن 27 عربة راجمات صواريخ من طراز 90B MLRS من انتاج شركة نورينكو الصينية للصناعات الدفاعية. 

4- بنى تحتية مزدوجة الاستخدام (عسكري–فضائي)

تشير صور الأقمار الصناعية إلى أن الصين أنشأت مواقع مراقبة إلكترونية في كوبا.

وفي الأرجنتين، أنشأت الصين محطة فضائية عسكرية في منطقة باتاغونيا، والتي أثارت نقاشات بشأن الشفافية واحتمالات الاستخدام المزدوج ومخاوف التجسس، وفق تقرير لوكالة رويترز.

المحور الثاني: النفوذ الاقتصادي

بدأ سعي الصين لتعزيز علاقاتها في أمريكا اللاتينية قبل عقدين من الزمن حينما كانت الشركات الصينية تجوب العالم بحثاً عن النحاس والنفط وخام الحديد لدعم النمو الاقتصادي الصيني المذهل، حسبما تقول صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.

وقدمت البنوك الصينية قروضاً متزايدة الحجم لدول أمريكا اللاتينية مقابل النفط والمعادن الحيوية، وفي خضم ذلك، بدأت الصين ببناء خطوط السكك الحديدية والطرق السريعة وبيع منتجاتها.

وشهدت أمريكا اللاتينية تدفقاً كبيراً لمجموعة متنوعة من السلع من المصانع الصينية، بدءاً من قطع غيار السيارات والأجهزة الإلكترونية والمنزلية وصولاً إلى معدات الأقمار الصناعية والبنية التحتية الفضائية – وهو مجال آخر استثمرت فيه الصين بكثافة.

وبدورها، أصبحت المنطقة أهم مصدر للمعادن الحيوية بالنسبة للصين، بما في ذلك العناصر الأرضية النادرة، ولا سيما "مثلث الليثيوم" الذي يربط بين تشيلي والأرجنتين وبوليفيا.

وتفوقت الصين اقتصادياً على الولايات المتحدة في 10 من أصل 12 دولة في أمريكا الجنوبية وحدها، وفقاً لبحث أجراه فرانسيسكو أوردينيز، الأستاذ المشارك في العلوم السياسية بالجامعة البابوية الكاثوليكية في تشيلي.

وتشمل أولويات الصين الاقتصادية في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي عدداً من الأهداف التي أوردها تقرير خدمة أبحاث الكونغرس، ومن أبرزها:

  1. تأمين الوصول إلى المواد الخام والمنتجات الزراعية (مثل النفط وفول الصويا والمعادن بما فيها الليثيوم).
  2. تعزيز أسواق السلع والخدمات الصينية، بما في ذلك قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
  3. الشراكة مع شركات أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي للوصول إلى التكنولوجيا وتطويرها بشكل مشترك. 
  4. إيجاد فرص في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي لشركات البنية التحتية الصينية كوسيلة لهذه الشركات للتوسع دولياً وتصريف الطاقة الإنتاجية الفائضة.

وتشير البيانات الصادرة عن الإدارة العامة للجمارك الصينية إلى أن القيمة الإجمالية للتجارة بين الصين وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي بلغت 482.6 مليار دولار في عام 2022. 

ولدى الصين اتفاقيات تجارة حرة مع تشيلي وكوستاريكا وبيرو، ومع الإكوادور اعتباراً من مايو/أيار 2023. 

وبحسب تقرير "متتبع الاستثمار العالمي الصيني" الصادر عن معهد المشاريع الأمريكية، استثمرت كيانات صينية 148.9 مليار دولار  في دول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي بين عامي 2005 و2022، حيث بلغت حصة البرازيل 66 مليار دولار (44%)، وحصة بيرو 25.5 مليار دولار (17%). 

وشكّلت مشاريع الطاقة 62% من الاستثمارات، بينما بلغت حصة المعادن والتعدين 21%. 

كما تُظهر قاعدة البيانات أن قيمة مشاريع البناء الصينية في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي خلال الفترة نفسها بلغت 68.6 مليار دولار، وتركزت بشكل رئيسي في قطاعي الطاقة (50%) والنقل (30%).

وقدمت البنوك الحكومية الصينية (مثل بنك التنمية الصيني وبنك التصدير والاستيراد الصيني) العديد من التزامات القروض للمنطقة على مدى السنوات العشرين الماضية. 

ووفق تقارير، قدمت الصين ما يقدر بنحو 303 مليار دولار من التمويل في جميع أنحاء المنطقة بين عامي 2000 و2023، وفقاً لمعهد أبحاث AidData التابع لكلية ويليام وماري في ولاية فيرجينيا. 

وقال براد باركس، المدير التنفيذي لمعهد AidData، لصحيفة نيويورك تايمز، إن الصين قدمت 3 دولارات مقابل كل دولار واحد أقرضته أو قدمته الولايات المتحدة كمساعدات في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي بين عامي 2014 و2023.

ووقعت 22 دولة في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي مذكرات تتعلق بمبادرة الحزام والطريق – وهي مبادرة متعددة الأوجه في السياسة الاقتصادية الخارجية تهدف إلى توسيع النفوذ الاقتصادي العالمي للصين من خلال تطوير البنية التحتية العالمية والنقل والتجارة وشبكات الإنتاج التي تتمحور حول الصين وتسيطر عليها.

ورصد تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في أكتوبر/تشرين الأول 2025 عدداً من الصفقات التجارية التي أبرمتها الصين مع دول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي منذ سبتمبر/أيلول 2025، ومن أبرزها:

  • في الفترة بين سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2025، اشترت الصين نحو 12 مليون طن من فول الصويا من البرازيل والأرجنتين لتعويض النقص في واردات فول الصويا الأمريكي. 
  • ارتفعت صادرات لحوم الأبقار البرازيلية إلى الصين بنسبة 38% على أساس سنوي حتى شهر سبتمبر/أيلول 2025، في حين انخفضت الصادرات إلى الولايات المتحدة بنسبة 41% منذ بداية العام، وسط فرض الولايات المتحدة تعريفة جمركية بنسبة 50% على الواردات من البرازيل. 
  • ارتفعت الصادرات الصينية إلى أمريكا اللاتينية بنسبة 15% على أساس سنوي في سبتمبر/أيلول 2025، مدفوعة جزئياً بتحويل الصادرات من الولايات المتحدة.
  • فتحت الصين رسمياً أسواقها أمام استيراد المأكولات البحرية البرية من الإكوادور، مما عزز العلاقات التجارية بينهما. وتُعد الإكوادور أكبر مُصدّر للروبيان إلى الصين، ويُمثل هذا المنتج ركيزة أساسية في التجارة الثنائية بين البلدين.
  • أطلقت شركة BYD، أكبر شركة لصناعة السيارات في الصين، مبيعات سياراتها الكهربائية في الأرجنتين، مما يعزز حضورها المتنامي بسرعة في المنطقة.
  • أطلقت شركة ميتوان الصينية علامتها التجارية لتوصيل الطعام "كيتا" في البرازيل، لتكون بذلك أولى عملياتها في أمريكا اللاتينية.
  • وافقت نيكاراغوا على منح امتيازين جديدين للتعدين لشركة صينية، يغطيان أكثر من 41 ألف هكتار (101313 فدانً)ً ليصل إجمالي المساحة الممنوحة إلى ما يقرب من 700 ألف هكتار (1.7 مليون فدان).

كيف تنظر واشنطن إلى النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية والكاريبي؟

تنظر الولايات المتحدة إلى التوسع الصيني في أمريكا اللاتينية والكاريبي بوصفه "تطويقاً استراتيجياً" يهدد الأمن القومي الأمريكي، وليس مجرد منافسة اقتصادية تقليدية.

وفي يناير/كانون الثاني 2025، قال ماوريسيو كلافير كارون، المبعوث الأمريكي الخاص لأمريكا اللاتينية، إن وجود الصين حول قناة بنما يمثل مصدر قلق للأمن القومي يتعين على حكومة بنما التعامل معه.

وفي تقريره السنوي عن الجيش الصيني الشهر الماضي، قال البنتاغون إن بكين توسع نفوذها في أمريكا اللاتينية من خلال "تطوير البنية التحتية والطاقة، والمساعدة الاقتصادية، والتجارة".

وترى واشنطن أن بكين تسعى لإعادة هندسة النظام الدولي انطلاقاً من نصف الكرة الغربي، مما حوّل المنطقة في العقيدة الأمنية الأمريكية من "حديقة خلفية" آمنة إلى "خط مواجهة أمامي".

تغريدة تساوي المليارات.. هل قدم ترامب هدية لأصدقائه أم رضخ لغضبهم؟
الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب في البيت الأبيض – shutterstock

وتستند هذه الرؤية إلى قناعة بأن الاستثمارات الصينية ليست تجارية بحتة، بل هي أدوات نفوذ جيوسياسي تهدف إلى تقويض التحالفات الأمريكية التقليدية وعزل واشنطن عن شركائها الإقليميين.
ويتمحور القلق العسكري الأمريكي حول مفهوم "الاستخدام المزدوج" للبنية التحتية، حيث تُصنّف القيادة الجنوبية الأمريكية (ساوثكوم) الموانئ التي تديرها شركات صينية ومحطات الفضاء الأرضية (مثل تلك الموجودة في الأرجنتين) كمنشآت عسكرية كامنة.

وتخشى واشنطن من أن هذه الأصول التجارية ظاهرياً يمكن تحويلها بسرعة إلى مراكز دعم لوجستي أو استخباراتي لجيش التحرير الشعبي الصيني في أوقات الأزمات، مما يمنح الصين قدرة غير مسبوقة على تهديد البر الرئيسي الأمريكي أو تعطيل الملاحة في قناة بنما الحيوية.

وسعت الولايات المتحدة إلى إعادة تنشيط العلاقات مع دول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي في ظل استمرار تنامي الوجود والنفوذ الصيني في المنطقة.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2022، سنّ الكونغرس الأمريكي قانوناً يُلزم بتقديم تقارير عن الأنشطة التي تقوم بها الصين وروسيا بهدف تعزيز نفوذهما في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، وعن مشتريات الصين من البنية التحتية للموانئ واستثماراتها على مستوى العالم.

كيف سيتأثر النفوذ الصيني بعد التحركات الأمريكية في فنزويلا؟

تباينت الآراء بشأن الكيفية التي سيتأثر بها النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي بعد الهجوم الأمريكي على فنزويلا.

فبينما قال خبراء إنه من غير المرجح أن يؤدي التحرك الأمريكي الأخير إلى إزاحة الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، من أمريكا اللاتينية، رأى البعض الأخر أن الأحداث الجارية تهدد الطموحات الصينية في أمريكا اللاتينية.

وقال كوي شوجون، مدير مركز دراسات أمريكا اللاتينية في جامعة رينمين، لموقع ساوث تشاينا مورنينغ، إنه في حين أنه من غير المرجح أن يلجأ نظام موالٍ للولايات المتحدة إلى التأميم القاسي أو المصادرة المباشرة للأصول الصينية في فنزويلا، فمن المرجح أن يعلن عن مراجعة لعقود عهد مادورو.

وحذر محللون من أن قطاع الاتصالات معرض للخطر بشكل خاص. وأشار شو تيانتشن، كبير الاقتصاديين الصينيين في وحدة الاستخبارات الاقتصادية، إلى أن هذه الاستثمارات الصينية قد تثير الآن مخاوف تتعلق بالأمن القومي.

وقال كوي: "إن شركات مثل هواوي وزد تي إي متجذرة بعمق في فنزويلا منذ سنوات، ومن المرجح أن تأمر حكومة موالية للولايات المتحدة بتفكيك أو حظر معدات الاتصالات الأساسية التي توفرها الشركات الصينية".

وقال شي يينهونغ، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة رينمين، لصحيفة فايننشال تايمز، إنه من الضروري أن تعيد الصين النظر في الاستثمار الخارجي، "وخاصة في القارات البعيدة والنائية".

في المقابل قال محللون إن التواجد الاقتصادي المتزايد الصين في أمريكا اللاتينية ساعد بكين على اكتساب نفوذ سياسي في السنوات الأخيرة، حيث تبنت العديد من دول المنطقة الموقف الدبلوماسي للصين بشأن جزيرة تايوان، وكان آخرها هندوراس .

وفي استراتيجيته للأمن القومي التي صدرت الشهر الماضي، أعلن البيت الأبيض عزمه على "منع المنافسين من خارج نصف الكرة الأرضية" من امتلاك أو السيطرة على أصول حيوية استراتيجية في الأمريكتين. ويشمل ذلك السعي إلى "إخراج الشركات الأجنبية التي تبني البنية التحتية في المنطقة".

وقال أندريس بوركيز، الأستاذ المساعد ومدير برنامج الماجستير في الدراسات الآسيوية في جامعة تشيلي، لموقع إن بي سي نيوز الأمريكي، إن هناك "عقبات سياسية واقتصادية كبيرة" أمام تحقيق ذلك، خاصة عندما يتعلق الأمر بالصين.

وأضاف بوركيز: "أقامت بكين علاقات تجارية واستثمارية في قطاعات متعددة في المنطقة، من الطاقة إلى الموانئ والطرق والتكنولوجيا، كجزء من استراتيجيتها العالمية لطريق الحرير الجديد".

وقال بوركيز قال إنه لا يوجد ما يشير إلى أن أمريكا اللاتينية ككل تنأى بنفسها عن الصين رداً على التهديدات الأمريكية.

وقال: "إن ما يسود هو تنوع الاستراتيجيات المختلطة، التي تهدف إلى تحقيق التوازن في العلاقات مع كلا القوتين".

وأشارت كارول وايز، أستاذة السياسة الدولية في جامعة جنوب كاليفورنيا والمتخصصة في أمريكا اللاتينية، لموقع إن بي سي نيوز، إلى مدى انتشار العلامات التجارية الصينية في المنطقة.

وقالت إنه حتى لو أعلنت الولايات المتحدة هيمنتها على أمريكا اللاتينية، فإن "الحياة اليومية من حيث الوجود الصيني لن تتأثر بذلك".

تحميل المزيد