في لحظة سياسية معقدة، برزت تسريبات عن المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا، المنسوبة إلى مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، تقوم على إعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا عبر صيغة تُبقي عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة، وتطرح صدّام حفتر ضمن المجلس الرئاسي، بالتوازي مع دفع واشنطن نحو ميزانية موحدة لعام 2026.
هذه المبادرة الأمريكية، رغم أنها لم تُعلن رسمياً كخطة متكاملة، كانت كافية لإثارة ردود فعل حادة داخل الأجسام السياسية الليبية، التي رأت فيها احتمالاً حقيقياً لتجاوزها أو إعادة تعريف أدوارها، ولم يعد النقاش يدور فقط حول شكل السلطة المقبلة، بل حول الجهة التي تملك حق صياغتها، ومن يُعترف به ممثلاً شرعياً في عملية إنتاجها.
في هذا السياق، يكشف هذا التقرير لـ"عربي بوست" عن كيف تحولت المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا من مجرد تسريبات سياسية إلى اختبار حقيقي لبنية التمثيل في ليبيا، وكيف تداخلت ردود الفعل الرسمية مع قراءات المحللين والمتخصصين لتكشف أزمة أعمق تتعلق بشرعية الأجسام السياسية، وحدود قدرتها على الاستمرار في احتكار مسار التسوية.
رفض المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا
لم يكن قرار المجلس الأعلى للدولة، الصادر في 6 أبريل/ نيسان 2026، برفض أي تسوية سياسية أو اقتصادية تتم خارج إطار الاتفاق السياسي، مجرد ردّ على مقترح متداول في الكواليس، بل بدا إعلاناً واضحاً بأن الأزمة لم تعد فقط في شكل التسوية المقبلة، بل في الجهة التي تملك حق إنتاجها وتمريرها.
في حديثه إلى "عربي بوست"، يقول عضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة إن قرار المجلس جاء بعد "تحركات خارج الأطر القانونية والدستورية" بشأن التسويات المطروحة في ليبيا، مؤكداً أن الرفض لا يستهدف مسار مسعد بولس وحده، بل أي مسار سياسي أو اقتصادي يجري خارج الاتفاق السياسي والإعلان الدستوري.
وفي هذه الرواية، لا يقدّم المجلس نفسه بوصفه جسماً يرفض التغيير من حيث المبدأ، بل بوصفه طرفاً يتمسك بأن أي تعديل يجب أن يمر عبر الأجسام المنبثقة عن الاتفاق السياسي، لا عبر ترتيبات موازية. هذا التفسير يمنح موقف المجلس تماسكه الداخلي، لكنه يكشف في الوقت نفسه عمق الحساسية التي باتت تحكم علاقة الأجسام السياسية بأي حراك خارجي.
فالمسألة لم تعد، من وجهة نظرها، مجرد اعتراض على مضمون مقترح معين، بل على احتمال أن تُبنى التسوية المقبلة عبر قنوات لا تمر بها كلها. ولهذا بدا القرار أقرب إلى محاولة لتحصين "حق التمثيل" قبل الدخول في معركة التفاصيل.
تسريبات شكل السلطة التنفيذية
المقترح الذي نوقش داخل المجلس الأعلى للدولة تضمّن إعادة هيكلة للسلطة التنفيذية تقوم على دمج الحكومتين المتنافستين في الشرق والغرب، مع تعيين صدّام حفتر في المجلس الرئاسي والإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة، قبل أن ينتهي النقاش إلى رفضه وتشكيل لجنة قانونية للتأكيد أن أي تبنٍّ له لا يمثل المجلس.
لكن ما حصل عليه "عربي بوست" من مصدر مقرب من حكومة الوحدة الوطنية يذهب أبعد من ذلك، فبحسب المصدر، فإن ما يجري تداوله داخل دوائر ضيقة في طرابلس لا يقتصر على تبادل أسماء في قمة السلطة، بل يتصل بتصور أوسع لإعادة ترتيب شكل السلطة التنفيذية.
المصدر يشرح أن التصور يشمل، إلى جانب بقاء الدبيبة وطرح صدّام حفتر للرئاسي، إعادة النظر في وضع "القيادة العامة" في شرق البلاد، وفتح ملف الحقائب السيادية، خصوصاً الدفاع والخارجية.
هنا تحديداً نشأ التوتر، إذ إن بعض التسريبات تحدثت عن صدّام حفتر على رأس مجلس رئاسي جديد، فيما أشارت معطيات أخرى إلى دخوله إلى المجلس الرئاسي ضمن صيغة أوسع، ولا يوحي هذا التفاوت بوجود اتفاق ناضج بقدر ما يوحي بمسار لا يزال في طور الجس والمناورة.
لكن مجرد اتساع هذا التداول كان كافياً لإطلاق رد فعل واسع حول المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا ، لأن الخشية لم تكن فقط من الأسماء، بل من أن تكون هناك قناة سياسية تتحرك خارج الإيقاع التقليدي للمؤسسات.
قراءات متباينة لرفض المبادرة الأمريكية
في حديثها إلى "عربي بوست"، ترى كبيرة محللي ليبيا في مجموعة الأزمات الدولية كلوديا غاتسيني أن رفض المجلس الأعلى للدولة كان نتيجة شبه بديهية، لأن قبول صفقة تضع أحد أبناء حفتر في موقع سيادي أول كان مستبعداً أصلاً، بغض النظر عن طريقة إعدادها أو تقديمها، وبمعنى آخر، لم يكن الاعتراض متعلقاً فقط بالتمثيل أو الشرعية، بل أيضاً بجوهر الصيغة نفسها.
وتضيف غاتسيني نقطة شديدة الأهمية قائلة: "المشكلة ليست في أن التفاهمات جرت خلف أبواب مغلقة فحسب، لأن المجلس نفسه سبق أن تعامل بمرونة مع تفاهمات أُنجزت بالطريقة نفسها، كما حدث في اتفاق ميزانية التنمية، ثم مضى في المصادقة عليها. لذلك، فإن الاعتراض هذه المرة لا يبدو اعتراضاً على السرية بقدر ما هو اعتراض على مضمون الصفقة وحدودها السياسية".
وبالنسبة لها، لا تمثل هذه اللحظة ذروة جديدة في أزمة شرعية المؤسسات، لأن تلك الأزمة قديمة ومستمرة، لكن المعضلة الأهم تكمن في عجز هذه الأجسام عن دفع المسار السياسي إلى الأمام، مع وجود مصالح لدى بعض الأطراف في إبقاء الوضع على ما هو عليه.
كما ترى أن المسارات الاقتصادية والأمنية الموازية تقوم، من حيث المبدأ، على محاولة تثبيت البلد وتهيئة الظروف لإعادة ضبط سياسي لاحق، لكنها تعتبر أن الصيغة التي دفع بها بولس في المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا كانت غير واقعية منذ البداية.
في المقابل، يقرأ الباحث المتخصص في الشأن الليبي جلال حرشاوي ما يجري بوصفه محاولة أمريكية لإعادة تشكيل المشهد السياسي الليبي عبر مسارات اقتصادية وسياسية وأمنية متوازية، مع تجاوز الآليات التقليدية المتمحورة حول الأمم المتحدة. وفي تقديره، تميل إدارة ترامب الحالية إلى فرض وقائع سياسية أولاً، ثم ترك مهمة اللحاق بها أو تغطيتها للأمم المتحدة والمؤسسات الأخرى لاحقاً.
هذه القراءة تجد ما يساندها جزئياً في الوقائع العلنية، فقد أعربت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا في 26 مارس/ آذار 2026 عن قلقها من "الاستخدام غير المصرح به" لشعارات هيئات أممية في سياق مبادرة سياسية متداولة، محذرة من أن ذلك يخلق انطباعاً مضللاً بأن المنظمة أو وكالاتها تؤيد تلك الأنشطة، ومؤكدة أن خارطة الطريق التي تقودها البعثة والحوار المهيكل يظلان الإطار الناظم لانخراطها السياسي.
وبالتوازي مع ذلك، كان بولس يدفع علناً في اتجاه اعتماد ميزانية موحدة لعام 2026، قائلاً إن ذلك ضروري لحماية قيمة الدينار والقوة الشرائية وتعزيز الاستقرار المالي.
كما أعلنت القيادة الأمريكية في أفريقيا أن تمرين "فلينتلوك 2026" سيشمل ليبيا ضمن ترتيبات متعددة الجنسيات، مع تدريب أكثر من ألف مشارك عبر كوت ديفوار وليبيا، في حين أكدت تقارير ليبية أن سرت تستعد لاستضافة جزء من هذه المناورات.
هذا التزامن بين القناة الاقتصادية والقناة الأمنية في المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا هو ما يجعل كثيراً من الأجسام الليبية تقرأ التحرك الأمريكي كمسار مركب، لا كمبادرة سياسية منفصلة.
إعادة توزيع النفوذ في الشرق والغرب
واحدة من أهم الملاحظات التي يطرحها حرشاوي تتعلق بما وراء الأسماء، فهو يرى أن وضع صدّام حفتر في موقع سيادي متقدم لا يحمل دلالة رمزية فقط، بل يفتح أسئلة عملية عن إعادة توزيع النفوذ داخل معسكر الشرق نفسه.
فصعود صدّام قد يعني، ضمنياً، إعادة ترتيب العلاقة بين الواجهة السياسية والقبضة العسكرية داخل بيت حفتر، وهو ما يجعل المسألة أبعد من مجرد "تعيين" في المجلس الرئاسي.
وفي الغرب أيضاً، لا تبدو الصورة أقل تعقيداً، فحتى إذا بقي عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة ضمن أي صيغة جديدة، فإن البقاء في المنصب لا يعني تلقائياً بقاء النفوذ الفعلي بيده.
وهنا تبرز، وفق حرشاوي، أدوار موازية في الخلفية، ما يعني أن إعادة تركيب السلطة قد تُبقي بعض الوجوه في واجهة المشهد، بينما تعيد توزيع مراكز القوة الحقيقية بعيداً عن الأضواء.
من هنا يمكن فهم استياء شخصيات مثل محمد تكالة ومحمد المنفي وبلقاسم حفتر، فالمسألة لا تتعلق فقط بمن يُمنح مقعداً أو يُسحب منه آخر، بل بمن يظل لاعباً مؤثراً في المعادلة الجديدة إذا مضت.
وكلما ازداد الغموض حول طريقة بناء هذا المسار، ارتفع منسوب الخشية من أن يتحول بعض الأطراف من شركاء في التفاوض إلى متلقين لنتائج صيغت بعيداً عنهم.
صراع شرعية وانتهاء صلاحيتها
يذهب عضو الحوار المهيكل ضمن محور الاقتصاد عبد الرحيم الشيباني إلى أن معظم الأجسام السياسية الحالية منتهية الشرعية أصلاً بعد انتهاء المدد التي منحتها لها خارطة جنيف، وأنها تحولت عملياً إلى سلطات أمر واقع تفتقد إلى الشرعية التمثيلية والدستورية، وفق ما صرح به لـ"عربي بوست".
وتؤكد منصة "الحوار المهيكل" التابعة للأمم المتحدة أن المسار يضم 4 محاور رئيسية، بينها الاقتصاد، كما أعلنت البعثة استئناف الجولة الثالثة من اجتماعات المسار الاقتصادي في طرابلس خلال أبريل/ نيسان 2026.
ومن هذا المنطلق، يفسر الشيباني الجدل الحالي بأنه ليس فقط خلافاً على صيغة سياسية بعينها، بل صراع بين أجسام تدعي أحقيتها في البقاء داخل أي مسار مستقبلي، وأخرى تشعر بالإقصاء، مع تأثير واضح لمراكز قوى محلية وخارجية تتقاطع مصالحها مع بعض الأطراف.
ويضيف أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت أن كثيراً من المؤسسات السياسية القائمة دأبت على عرقلة أي طرح سياسي محلي أو دولي يأتي من خارجها كلما شعرت أن هذا الطرح قد ينتزع منها صلاحيات أو يمس مصالحها، وهو ما يفسر بروز أصوات تدفع أصلاً إلى تجاوز هذه الأجسام والبحث عن بدائل.
تكشف هذه المقاربة أن الأجسام الحالية ليست مجرد ضحية لمسار خارجي يسعى إلى تجاوزها، بل هي أيضاً، في نظر منتقديها، شريك في الوصول إلى هذه اللحظة بسبب سجل طويل من العجز والعرقلة. لذلك يبدو الذعر الحالي نابعاً من عاملين معاً: الخشية من الالتفاف عليها، والخشية من أن تكون سنوات التعطيل قد وفرت المبرر السياسي لتجاوزها.
معركة الاقتصاد للهيمنة على السلطة
في الشق الاقتصادي، تبدو مداخلة الشيباني شديدة الدلالة، فهو يؤكد أن السيطرة على الإيرادات وترشيد الإنفاق تمثل عصباً أساسياً لاستقرار أي سلطة تنفيذية واستدامتها، وأن التحكم في الموارد أصبح أحد أهم أدوات التأثير في التوازنات السياسية.
وفي ليبيا، حيث يقوم الاقتصاد بدرجة كبيرة على الريع، يصبح من يمسك بمفاتيح الإنفاق والتوزيع صاحب تأثير مباشر في المشهد السياسي، لا مجرد فاعل تقني في ملف جانبي.
هذا المعنى ينسجم بقوة مع الوقائع العلنية. ففي 4 أبريل/ نيسان دعا بولس إلى اعتماد ميزانية ليبية موحدة لعام 2026، لكن هذا المسار اصطدم سريعاً برفض بلقاسم حفتر، الذي أعلن أن نتائج المحادثات الاقتصادية في تونس غير ملزمة لصندوق التنمية وإعادة الإعمار الذي يرأسه، وقال إن المشاركين فيها لا يمثلون شرق ليبيا وجنوبها.
كما أفادت تقارير أخرى بأن الاجتماعات التي جرت برعاية أمريكية في تونس كانت تهدف إلى برنامج تنمية موحد وربط الإنفاق العام بميزانية موحدة مرتبطة بالإيرادات الفعلية.
وبذلك، لم يعد الاقتصاد مجرد خلفية للتسوية، بل أحد أبوابها الأساسية. فحين يتحول ملف الميزانية والإنفاق العام إلى معركة تمثيل، يصبح السؤال السياسي نفسه: من يتحدث باسم الشرق؟ ومن يملك حق التوقيع على ما يخص التنمية والموارد؟ ومن يحتكر تعريف "المصلحة الوطنية" في بلد تعتمد السياسة فيه على مفاتيح الريع بقدر اعتمادها على النصوص والمؤسسات؟
المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا وتعدد المسارات
الذي يضاعف القلق الليبي أن واشنطن لا تتحرك عبر باب واحد، إذ هناك قناة اقتصادية تدفع نحو ميزانية موحدة وبرنامج إنفاق منضبط، وهناك قناة أمنية مرتبطة بتمرين "فلينتلوك 2026" وتنسيق ميداني قرب سرت، وهناك فوق ذلك كله تسريبات سياسية عن إعادة تشكيل السلطة التنفيذية.
وفي المقابل، تبدو الأمم المتحدة متمسكة بمسارها الخاص عبر الحوار المهيكل وخارطة الطريق، من دون أن تمنح غطاءً مبكراً لما يجري تداوله خارج هذه الأطر.
في هذا السياق، يصبح من السهل فهم لماذا قرأ المجلس الأعلى للدولة المبادرة المتداولة لا كمجرد مقترح سياسي، بل كجزء من مسار قد يمر من فوق المؤسسات القائمة.
كما يصبح مفهوماً أيضاً أن يرفع محمد المنفي السقف في خطابه إلى معادلة "الدولة أو الصفقة"، لأن الإحساس السائد لدى بعض الأطراف ليس أن هناك وساطة ثقيلة فحسب، بل أن هناك محاولة لإعادة ترتيب المشهد من أكثر من منفذ وفي توقيت واحد.
وفي المحصلة، فإن المبادرة الأمريكية بشأن ليبيا، المنسوبة إلى مسعد بولس، كشفت أكثر ما أنجزت، فهي لم تنتج حتى الآن اتفاقاً معلناً أو تسوية مكتملة، لكنها أظهرت بوضوح حجم القلق الذي تعيشه الأجسام السياسية الليبية من احتمال أن يُعاد رسم المشهد عبر مسار قد يلتف عليها جزئياً أو يتجاوزها بالكامل.
مجلس الدولة تحرك لتحصين حقه في التمثيل، وقدّم سعد بن شرادة هذا التحرك بوصفه دفاعاً عن الاتفاق السياسي، فيما رأت كلوديا غاتسيني أن الرفض كان متوقعاً لأن جوهر الصفقة نفسه كان صعب القبول.
وقرأ جلال حرشاوي ما يجري بوصفه مساراً أمريكياً متعدد القنوات، بينما شرح عبد الرحيم الشيباني كيف أن هشاشة الشرعية نفسها تجعل هذه الأجسام أكثر خوفاً من أي إعادة فرز جديدة.
ولهذا، فإن السؤال الأهم الآن ليس فقط: هل يبقى الدبيبة؟ وهل يدخل صدّام حفتر إلى الرئاسي؟ بل: من يملك حق إعادة تركيب السلطة أصلاً؟ ومن سيبقى على الطاولة إذا انتقلت ليبيا من مرحلة الأجسام المتنازعة إلى مرحلة التسويات المنتقاة؟
حتى الآن، يبدو أن الذعر الحقيقي ليس من المقترح نفسه، بل من احتمال أن يمر المسار المقبل كله من دون الحاجة الكاملة إلى من اعتادوا احتكار التمثيل باسم ليبيا.