في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة إلى مستويات غير مسبوقة، تواجه مصر واحداً من أكثر التحديات تعقيداً في إدارة ملف الطاقة، مع تراجع الإمدادات التقليدية من دول الخليج، واضطراب سلاسل التوريد العالمية، وارتفاع تكلفة الاستيراد.
وبين هذه الضغوط، تتحرك القاهرة على عدة مسارات متوازية، تتصدرها محاولة تعويض جزء من الإمدادات التقليدية عبر اللجوء إلى النفط الليبي، إلى جانب إعادة ترتيب أولويات الاستيراد، وتسريع وتيرة الاكتشافات المحلية، وتوسيع شبكة الشراكات الدولية.
وفي هذا السياق، تكشف مصادر حكومية وقطاعية مصرية لـ"عربي بوست" عن تفاصيل خطة شاملة تسعى من خلالها مصر إلى تأمين احتياجاتها من النفط والغاز، وتقليص فاتورة الاستيراد، وضبط السوق المحلية لتجنب أي أزمة قد تتفاقم في ظل أوضاع إقليمية متوترة.
النفط الليبي "بديل مؤقت" لتعطل الخليج
يشكل أمن الطاقة أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومة المصرية في ظل اضطراب الأوضاع الإقليمية وتأثر إمدادات الطاقة سلباً، إلى جانب الارتفاعات المستمرة في أسعارها، وهو ما تترتب عليه كلفة هائلة سيكون على الحكومة أن تدفع ثمنها، وقد انعكس ذلك على عدد من القرارات الاقتصادية.
وقال مصدر مطلع إن مصر استبقت تعقيدات الأوضاع في المنطقة، وعملت على تنويع مصادر الحصول على النفط والغاز لتوفير الاحتياجات المحلية، وقامت بالتعاقد مع سفن تغييز لتوفير الغاز المسال بقيمة 5.4 مليارات دولار، وتوجهت نحو ليبيا لتوفير النفط الليبي مع توقف النفط الكويتي.
وأضاف المصدر ذاته أن العلاقات المصرية مع الأطراف الليبية المختلفة، سواء في الشرق أو الغرب، إلى جانب نشاط شركات البترول المصرية داخل ليبيا، ساهمت في التوصل إلى اتفاق وصفه بـ"الجيد"، وسيكون في البداية تجريبياً مع إمكانية تمديده حال استمرار الاضطرابات في الدول الخليجية.
وأشار المصدر الذي تحدث لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إلى أن تمويل هذه التعاقدات الجديدة يتم من عائدات صادرات المشتقات النفطية، إلى جانب الاعتماد على الاحتياطي النقدي الذي تجاوز 52 مليار دولار، ما يوفر غطاءً مالياً للتحركات الطارئة في سوق الطاقة.
وبحسب التقديرات، فإن ضخ النفط الليبي سيبدأ فعلياً من منتصف العام الحالي، قبل دخول موسم الصيف الذي يشهد ذروة الاستهلاك، ومن المتوقع أن توفر هذه الإمدادات نحو 20% من احتياجات السوق المصرية، ما يمنح القاهرة هامشاً مهماً لتخفيف الضغط على منظومة الطاقة.
كما تستعد مصر لاستيراد نحو 1 مليون برميل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف الإمدادات الكويتية، حيث سترسل ليبيا شحنتين شهرياً بإجمالي 1.2 مليون برميل، وفق معطيات السوق.
شبكة إمدادات متعددة
بالتوازي مع الانفتاح على النفط الليبي، حرصت مصر على الحفاظ على تنوع مصادر الإمداد، لتجنب الاعتماد على طرف واحد في ظل التقلبات الحالية.
وأكد المصدر المصري المطلع أن خام النفط ما زال يصل إلى مصر أيضاً من خلال العراق وأمريكا، كما أن العقود المبرمة مع شركة "أرامكو" السعودية لا تزال قائمة، لكن القاهرة سعت خلال الأيام الماضية إلى مضاعفة الكميات الواردة دون أن تتمكن من تحقيق ذلك بسبب الاضطرابات الراهنة.
وفي ما يتعلق بالغاز، أشار المصدر إلى وجود عقود مبرمة مع دول مثل الجزائر وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق.
غير أن التحدي الأكبر، وفق المصدر، يتمثل في طبيعة السوق الفورية التي اضطرت مصر إلى الاعتماد عليها مؤخراً، حيث تتطلب هذه السوق سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات طويلة الأجل التي كانت تمنح تسهيلات مرنة، مثل التعاقدات الكويتية التي كانت تتيح فترات سداد تصل إلى 9 أشهر.
وفي هذا الإطار، تجري مفاوضات مع الجانب الليبي بشأن إمكانية تقسيط سداد شحنات النفط الليبي، غير أن هذه المساعي تواجه صعوبات، ما يدفع القاهرة إلى البحث عن حلول بديلة، من بينها زيادة صادرات وقود الطائرات والمنتجات البتروكيماوية لتعويض جزء من التكلفة.
كما تعمل مصر على تأمين نحو 3 ملايين برميل من النفط الخام سيتم توفيرها عبر دول عربية مرتبطة بخط "سوميد"، بالإضافة إلى شحنات أخرى يتم تسليمها مباشرة إلى الموانئ المصرية، في محاولة لتعزيز المخزون الاستراتيجي.
ماذا عن الغاز الإسرائيلي؟
يمثل استئناف ضخ الغاز من إسرائيل عاملاً مهماً في تخفيف الضغط على فاتورة الاستيراد، خاصة في ظل الاحتياجات اليومية الكبيرة. وبحسب مصدر مسؤول في وزارة البترول، فإن عودة الغاز الإسرائيلي تسهم في حل جزئي لأزمة ارتفاع تكلفة الاستيراد، خاصة في ظل اضطراب الملاحة البحرية.
وأوضح المصدر أن إسرائيل قامت بتعطيل عمل الحقول رغم عدم استهدافها أو تهديدها، وهو ما اعتبرته دوائر مصرية رسالة ضغط سياسية، لكنها اضطرت لاحقاً إلى إعادة التوريد، نظراً لعدم وجود مسارات بديلة لتصريف إنتاجها.
وأشار المصدر إلى أن الأردن لا يستورد سوى 200 مليون قدم مكعبة يومياً، في حين تستورد مصر نحو 1.1 مليار قدم مكعبة يومياً، ما يجعل السوق المصرية الوجهة الرئيسية للغاز الإسرائيلي.
ورغم ذلك، شدد المصدر في تصريح لـ"عربي بوست" على أن مصر لا تعوّل على استمرار تدفق الغاز الإسرائيلي بشكل منتظم، سواء لأسباب سياسية أو بسبب تطورات الحرب، ما يدفعها إلى البحث عن بدائل إضافية.
وأضاف أن مصر تحتاج يومياً إلى نحو 1.8 مليار قدم مكعبة من الغاز، يتم استيراد نحو 800 مليون قدم منها، وأن عودة الغاز الإسرائيلي توفر قدراً من الاطمئنان بشأن تلبية الاحتياجات، كما تمنح الحكومة هامشاً لتأجيل بعض شحنات الغاز المسال التي تعاقدت عليها، في ظل ارتفاع تكلفتها.
كما أشار إلى أن ضخ الغاز لم يعد بعد إلى مستوياته الطبيعية كما كان قبل الحرب، ومن المتوقع أن يعود تدريجياً إلى هذه المستويات مع بداية الشهر المقبل.
الاكتشافات والاستثمار المحلي
بالتوازي مع إدارة الأزمة الحالية، تعمل مصر على تعزيز الإنتاج المحلي كخيار استراتيجي لتقليل الاعتماد على الاستيراد مستقبلاً. وقال مصدر مطلع إن الحكومة أنهت بشكل كبير متأخرات شركات البترول الأجنبية، التي بلغت نحو 6.1 مليارات دولار بحلول منتصف 2024، ما ساهم في إعادة تنشيط عمليات الاستكشاف والإنتاج.
كما قامت مصر بجمع هذه الشركات في مؤتمر "إيجبس 2026" لإعادة صياغة العلاقة معها، وضخت استثمارات تقدر بنحو 17 مليار دولار لدعم الإنتاج المحلي.
وفي هذا السياق، أعلنت شركة "إيني" الإيطالية عن اكتشاف حقل "دينيس غرب 1" في البحر المتوسط، باحتياطيات تُقدَّر بنحو 2 تريليون قدم مكعبة من الغاز، إضافة إلى 130 مليون برميل من المكثفات.
كما تعمل مصر على تطوير حقل "هارماتان" بالتعاون مع شركة "أركيوس"، بإنتاج مستهدف يصل إلى 150 مليون قدم مكعبة يومياً، مع إمكانية زيادته إلى 200 مليون قدم، إلى جانب إنتاج المكثفات.
وتستهدف القاهرة رفع إنتاج الغاز الطبيعي إلى 6.6 مليار قدم مكعبة يومياً بحلول 2030، بزيادة تقارب 60% عن المعدلات الحالية، إلى جانب حفر 14 بئراً استكشافية خلال عام 2026.
وأشار مصدر "عربي بوست" إلى أن هذه الاكتشافات، إلى جانب الحوافز التي قدمتها الحكومة، مثل السماح للشركات بتصدير جزء من الإنتاج الجديد، ساهمت في عودة الشركات الأجنبية إلى تكثيف نشاطها في مصر.
وفي السياق ذاته، قال خبير اقتصادي إن هناك خطة لتقليص فاتورة الاستيراد خلال السنوات الـ5 المقبلة، عبر تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الضغط على ميزان المدفوعات.
وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 116 دولاراً للبرميل كشف عن الحاجة إلى تسريع هذه الخطط، خاصة مع زيادة الاستهلاك المحلي. كما أشار إلى أن مصر تستهدف تأمين احتياجاتها حتى الربع الأخير من العام، مع استمرار جهود التنويع وزيادة الاكتشافات.
إجراءات ترشيد الاستهلاك
إلى جانب تأمين الإمدادات، اتخذت الحكومة المصرية إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة، بهدف تقليل الضغط على الشبكة وخفض فاتورة الاستيراد.
وشملت هذه الإجراءات تقليص ساعات عمل المحال التجارية، وإغلاقها عند الساعة 9 مساءً، مع استثناءات محدودة، إضافة إلى تطبيق نظام العمل عن بُعد في بعض القطاعات.
وتأتي هذه الإجراءات في إطار خطة أوسع لإدارة الطلب على الطاقة، خاصة خلال أشهر الصيف التي تشهد ارتفاعاً كبيراً في الاستهلاك.
وتستهلك مصر سنوياً نحو 12 مليون طن من السولار، و6.7 ملايين طن من البنزين، إلى جانب احتياجات كبيرة من الغاز، ما يجعلها من أكبر مستهلكي الطاقة في المنطقة.
وفي هذا السياق، أكد وزير المالية أحمد كجوك أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50% من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، ما يغطي النصف الأول من العام المالي.
كما تشير البيانات إلى أن قطاع البترول شهد 16 اكتشافاً جديداً منذ بداية 2026، منها 11 اكتشافاً في يناير وحده، أضافت كميات جديدة إلى الإنتاج اليومي. وتعمل في مصر حالياً 57 شركة في مجال البحث والاستكشاف والإنتاج، ما يعكس حجم النشاط المتزايد في هذا القطاع الحيوي.
بهذه التحركات المتعددة، تحاول مصر إدارة واحد من أكثر الملفات تعقيداً في ظل بيئة إقليمية ودولية مضطربة، عبر مزيج من الحلول قصيرة الأجل، مثل النفط الليبي والغاز المستورد، وخطط طويلة الأمد تعتمد على الاكتشافات المحلية وتعزيز الإنتاج.