في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الحرب في الشرق الأوسط مع اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وتصاعد الاستقطاب بين القوى الكبرى، تحركت مصر باتجاه روسيا في محاولة لإعادة ضبط موقعها ضمن معادلة دولية متغيرة وقابلة للتطور نحو سيناريوهات أكثر تعقيداً.
ولم تكن زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي إلى العاصمة الروسية مجرد محطة دبلوماسية اعتيادية، بل جاءت في سياق أوسع تسعى فيه مصر إلى تأمين احتياجاتها الاستراتيجية، خاصة في ملف الحبوب، وجذب استثمارات أجنبية، مع الحفاظ على توازن دقيق بين موسكو وواشنطن.
في هذا التقرير، تكشف مصادر سياسية وعسكرية ودبلوماسية مصرية لـ"عربي بوست" تفاصيل ما جرى في بين مصر وروسيا موسكو، وتفكك أبعاد التحرك المصري عبر 4 محاور رئيسية تشمل الاستثمار، الأمن الغذائي، التعاون الأمني والعسكري، وأخيراً التوازن السياسي في العلاقات الدولية.
استثمارات روسية في قناة السويس
قال مصدر مصري مطلع إن زيارة وزير الخارجية المصري إلى موسكو ولقاءاته المتعددة التي عقدها مع أطراف مختلفة، بدءاً من الرئيس الروسي ونهايةً بالمستثمرين الروس، نتج عنها العديد من النتائج الإيجابية للقاهرة، ولعل أبرزها التوافق حول التشغيل الكامل للمنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وأوضح المصدر المصري المطلع الذي تحدث لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه، أنه "تم الاتفاق بين القاهرة وموسكو على البدء الفوري في تشغيل المرحلة الأولى، بضخ استثمارات روسية تُقدَّر بنحو 7 مليارات دولار، تشمل صناعات السيارات والبتروكيماويات".
هذا التوجه يعكس، بحسب تقديرات خبراء اقتصاديين، رغبة مصر في تحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى منصة صناعية عالمية قادرة على جذب الاستثمارات المرتبطة بإعادة تشكيل سلاسل التوريد الدولية، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية التي تدفع الشركات لإعادة توزيع مراكز الإنتاج.
كما يشير إلى أن الجانب الروسي يرى في المنطقة فرصة استراتيجية للالتفاف على بعض القيود الغربية، عبر توسيع حضوره الصناعي والتجاري في مناطق خارج نطاق العقوبات المباشرة، وهو ما يمنح القاهرة فرصة لتعزيز موقعها كمركز إقليمي للتصنيع والتصدير.
وبحسب المصادر التي تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن التعاون لا يقتصر على التصنيع، بل يمتد إلى تطوير البنية التحتية والطاقة، في إطار رؤية مصر لتحويل المنطقة إلى مركز صناعي وتجاري عالمي، مع دمجها في شبكات التجارة الدولية التي تربط آسيا بأفريقيا وأوروبا.
الأمن الغذائي في قلب الشراكة بين مصر وروسيا
في موازاة الاستثمار، برز ملف الأمن الغذائي كأحد أهم مخرجات الزيارة، خاصة في ظل اعتماد مصر الكبير على واردات القمح، وكونها أكبر مستورد عالمي له.
وبحسب المصدر المصري المطلع، فإن "ثاني مكاسب القاهرة تتمثل في توقيع اتفاقيات للتعاون في الأمن الغذائي عبر عقود طويلة الأجل لتوريد القمح الروسي إلى مصر بآليات دفع مرنة (ما فيها العملات المحلية)، وإنشاء صوامع تخزين روسية في الموانئ المصرية".
ويضيف المصدر أن "الأهم من ذلك أن هناك تنسيقاً بين مصر وروسيا بشأن إنشاء مركز لوجستي للحبوب"، وهو ما يفتح المجال أمام مصر لتأمين مخزون استراتيجي مستقر، وتقليل تأثرها بتقلبات الأسواق العالمية.
وتشير البيانات إلى أن مصر اشترت نحو 7.6 مليون طن من الحبوب الروسية خلال الموسم الحالي، وهو رقم يعكس عمق الاعتماد المتبادل بين البلدين في هذا الملف الحيوي.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنه أمر الحكومة الروسية بالتعاون مع مصر بشأن قضايا توريد الغذاء، وخاصة الحبوب، مضيفاً أن روسيا، بفضل المحصول الوفير العام الماضي، لن تواجه أي مشكلات في التوريد.
كما أشار بوتين، خلال استقباله وزير الخارجية المصري في الكرملين، إلى أن البلدين قد يدرسان إنشاء "مركز للحبوب والطاقة" داخل مصر، في إطار تعزيز التعاون الاقتصادي بينهما، مؤكداً أن القاهرة تُعد شريكاً رئيسياً لموسكو في هذا المجال.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن وفداً روسياً سيصل القاهرة خلال الأيام المقبلة لتنسيق إنشاء هذا المركز بالقرب من قناة السويس، بما يسهل عمليات التخزين وإعادة التصدير إلى أفريقيا والأسواق العربية، وهو ما يحقق مكاسب مزدوجة: تعزيز الأمن الغذائي المصري، وتوسيع النفوذ التجاري الروسي.
تعاون أمني وعسكري يتسع في الأزمات
إلى جانب الاقتصاد، كشفت المصادر عن تنسيق أمني وعسكري متزايد بين القاهرة وموسكو، خاصة في ملفات ليبيا والسودان والبحر الأحمر. وبحسب المصدر، فإن "هناك تنسيقاً أمنياً وعسكرياً مكثفاً، حيث تم الاتفاق على تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الاستخباراتية".
كما أشار مصدر "عربي بوست" إلى "حصول مصر على وعود بدعم روسي لموقفها من سد النهضة، مع تأكيد موسكو على دعمها الفني والسياسي للحقوق المائية المصرية، وبحث إمكانية تقديم خبراء روس للمشاركة في مفاوضات الملء والتشغيل".
وفي سياق متصل، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في مؤتمر صحافي عقب محادثاته مع نظيره المصري: "أكدنا مجدداً التزامنا المشترك بمواصلة التنسيق الوثيق في الأمم المتحدة وغيرها من المحافل متعددة الأطراف. وأولينا اهتماماً خاصاً للأزمة الأكثر إلحاحاً في هذه المرحلة، ألا وهي التصعيد غير المسبوق في منطقة الخليج نتيجة للعدوان غير المبرر الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران".
وأضاف لافروف: "العلاقات بين مصر وروسيا متينة وقوية برغم التحديات التي تظهر على الساحة حالياً"، مشيراً إلى أن "الرئيسين بوتين والسيسي على تواصل دائم".
كما أوضح أن موسكو والقاهرة تدعوان إلى وقف فوري للعمليات القتالية والعودة إلى المسار السياسي والدبلوماسي، مع ضمان المصالح الأمنية لجميع دول المنطقة.
من جانبه، قال بدر عبدالعاطي: "أطلعت الرئيس السيسي على تفاصيل لقائي مع الرئيس بوتين"، مضيفاً: "العلاقات بين مصر وروسيا استثنائية واستراتيجية في مجالات الاقتصاد والأمن والسياسة والطاقة"، وتابع: "يجري تنفيذ 3 مشاريع كبرى بمشاركة روسية بنجاح في مصر، ونحن راضون عن نتائجها".
كما أكد السفير تميم خلاف، المتحدث باسم وزارة الخارجية، أن الجانبين شددا على "الاعتزاز بالشراكة الإستراتيجية والحرص على مواصلة الدفع بأوجه التعاون الثنائي في مختلف المجالات".
وأشار عبدالعاطي إلى أهمية "الإسراع في تفعيل المنطقة الصناعية الروسية، وجذب الاستثمارات، خاصة في القطاعات ذات الأولوية مثل الصناعات الدوائية والكيماوية والسيارات والبتروكيماويات"، كما ثمّن "التعاون القائم في استيراد القمح والحبوب والزيوت من روسيا، والتطلع لإنشاء مركز لوجستي للحبوب".
كيف تناور القاهرة بين موسكو وواشنطن؟
تعكس مخرجات زيارة موسكو، بحسب المصادر، توجه مصر نحو ترسيخ سياسة خارجية قائمة على "التوازن الاستراتيجي"، تهدف إلى تجنب الانخراط في الاستقطاب الدولي الحاد.
وقال مصدر مصري لـ"عربي بوست" إن القاهرة "تحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، رغم توسيع تعاونها مع موسكو، خاصة في ظل حساسية العقوبات الغربية".
ويظهر هذا التوازن في التحركات المتزامنة، إذ أعقبت زيارة موسكو مكالمة هاتفية بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إلى جانب اتصالات مكثفة مع الولايات المتحدة ودول الخليج.
كما أشار المصدر إلى وجود "تنسيق رباعي بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان"، معتبراً أن هذا التنسيق يمثل "خطوة مهمة لضبط التوازن في الشرق الأوسط".
وبحسب دبلوماسي مصري سابق، فإن القاهرة تسعى إلى "عدم ترك ملفات المنطقة بيد طرف واحد"، وتعمل على خلق توازن دولي يحد من مخاطر الانزلاق نحو صراع شامل.
وأضاف أن مصر تخشى من "تدهور الأوضاع إلى فوضى إقليمية أو حرب واسعة، ما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية وأمنية خطيرة"، مشيراً إلى أن هذا القلق يدفعها لتكثيف تحركاتها الدبلوماسية.
كما لفت إلى أن عضوية مصر في مجموعة "بريكس" تعزز تعاونها مع روسيا، وتمنحها هامشاً أوسع للمناورة بين المعسكرين الشرقي والغربي.
وفي هذا الإطار، تعوّل القاهرة أيضاً على دور موسكو في الضغط لاحتواء التصعيد، خاصة في ما يتعلق بالحرب الإيرانية، ومحاولة دفع الأطراف نحو التهدئة.
وتكشف زيارة موسكو أن القاهرة تتحرك وفق مقاربة براغماتية توظف الاقتصاد كأداة لإدارة توازناتها السياسية في بيئة دولية معقدة. فبين الحاجة إلى تأمين الغذاء وجذب الاستثمار، والرغبة في الحفاظ على علاقات مستقرة مع القوى الكبرى، تحاول مصر بناء نموذج مرن يتيح لها التعامل مع الأزمات دون خسارة شركائها.
لكن هذا التوازن يظل هشاً، إذ يعتمد على قدرة القاهرة على إدارة الضغوط المتعارضة، في وقت تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتزداد فيه تكلفة الحياد. وفي ظل استمرار التوترات، قد تجد مصر نفسها أمام اختبارات أكثر صعوبة، تحدد مدى قدرتها على الاستمرار في هذا النهج دون الانزلاق إلى أحد المحاور.