تشير معطيات دبلوماسية وأمنية متقاطعة إلى أن الحرب في جنوب لبنان تتجه نحو مرحلة أكثر تصعيداً، في ظل إصرار الاحتلال الإسرائيلي على مواصلة العمليات العسكرية ورفضه الدخول في أي مفاوضات جدية لوقف إطلاق النار في المرحلة الحالية.
فالموقف الإسرائيلي، بحسب مصادر لبنانية وأوروبية، يقوم على تحقيق إنجازات ميدانية واضحة قبل الانتقال إلى أي مسار سياسي أو تفاوضي، وترافق هذه الاستراتيجية تحركات إعلامية ودبلوماسية تهدف إلى الضغط على لبنان سياسياً، عبر تسريبات حول مسارات تفاوضية محتملة أو شروط أمنية جديدة تسعى إسرائيل إلى تثبيتها على الأرض.
في المقابل، تتحرك عدة أطراف إقليمية ودولية لمحاولة احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة أوسع في المنطقة، وبينما تبقى الجهود الدبلوماسية محدودة التأثير حتى الآن، برز خلال الأيام الأخيرة حراك تركي لافت يسعى إلى فتح مسار سياسي يحد من توسع الحرب.
إسرائيل تتمسك بالمسار العسكري
كشفت مصادر حكومية لبنانية ومصادر دبلوماسية أوروبية متقاطعة أن إسرائيل تواصل رفض أي مبادرة جدية لوقف إطلاق النار في لبنان، وتتعامل مع مختلف المساعي الدولية لفتح مسار تفاوضي بوصفها جزءاً من لعبة الضغط السياسي والعسكري، في وقت تتجه فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية نحو تصعيد ميداني أوسع قد يصل إلى تنفيذ عملية برية حتى نهر الليطاني.
وتوضح هذه المصادر لـ"عربي بوست" أن التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، والتي أكد فيها أن إسرائيل لا تنوي الدخول في مفاوضات مع الدولة اللبنانية في هذه المرحلة، تعكس توجهاً إسرائيلياً واضحاً لإبقاء المسار العسكري مفتوحاً ومواصلة العمليات الجوية والبرية بالتوازي مع رفع سقف المطالب السياسية.
وترى تقديرات داخل المؤسسات الأمنية الإسرائيلية أن أي وقف لإطلاق النار قبل تحقيق إنجازات ميدانية ملموسة قد يفقد إسرائيل القدرة على فرض شروطها في أي تسوية لاحقة. لذلك يجري التعامل مع الضغوط الدولية لوقف الحرب بوصفها جزءاً من معركة سياسية موازية للمواجهة العسكرية الجارية على الأرض.
استراتيجية "التفاوض تحت النار"
تشير مصادر دبلوماسية أوروبية إلى أن إسرائيل تعتمد في هذه المرحلة ما يمكن وصفه بسياسة "التفاوض تحت النار"، وهي مقاربة سبق أن استخدمتها في جولات تفاوضية سابقة في قطاع غزة. تقوم هذه السياسة على استغلال أي حراك دبلوماسي لتوسيع العمليات العسكرية وفرض وقائع ميدانية جديدة قبل الدخول في أي مفاوضات.
المعلومات التي وصلت إلى مسؤولين لبنانيين عبر قنوات دبلوماسية غربية تفيد بأن تل أبيب تسعى إلى تحقيق مجموعة أهداف عسكرية قبل الانتقال إلى أي مسار تفاوضي، من بينها التقدم البري داخل جنوب لبنان وتثبيت نقاط عسكرية تسمح بفرض تنازلات سياسية مسبقة على لبنان.
كما تعتمد هذه المقاربة، وفق المصادر نفسها، على ضخ تسريبات متناقضة في الإعلام الغربي والإسرائيلي. ومن بين هذه التسريبات ما نُشر في بعض المنصات الإعلامية الغربية حول احتمال انضمام لبنان إلى "الاتفاقات الإبراهيمية" أو الحديث عن مسار سلام محتمل بين بيروت وتل أبيب.
لكن مصادر لبنانية أكدت في تصريحات لـ"عربي بوست" أن هذه التسريبات لا تعكس مساراً تفاوضياً حقيقياً، بل تندرج في إطار الضغط السياسي والنفسي على لبنان ومحاولة خلق مناخ داخلي ضاغط لدفعه إلى تقديم تنازلات مسبقة.
في السياق نفسه، تتحدث مصادر حكومية لبنانية عن مؤشرات إلى أن إسرائيل تدرس خطوات تصعيدية إضافية على المستوى السياسي والاقتصادي، من بينها إعادة فتح ملف اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع لبنان الذي جرى التوصل إليه بوساطة أمريكية قبل سنوات.
وتقول هذه المصادر إن تل أبيب تستخدم التلويح بهذا الملف كوسيلة ضغط إضافية على الحكومة اللبنانية، بهدف دفعها إلى مواجهة مباشرة مع حزب الله في الداخل أو القبول بشروط تفاوضية أكثر تشدداً.
سقف سياسي مرتفع لشروط التسوية
تكشف المصادر الدبلوماسية الأوروبية أن إسرائيل ترفع سقف مطالبها السياسية بالتوازي مع العمليات العسكرية الجارية، وهي شروط يجري تداولها في الكواليس الدبلوماسية الغربية باعتبارها الإطار الذي تسعى تل أبيب إلى فرضه في أي تسوية محتملة.
ومن أبرز هذه الشروط:
- إقامة منطقة أمنية عازلة جنوب نهر الليطاني تخضع لسيطرة إسرائيلية أو لإشراف أمني مشدد يضمن إبعاد قوات حزب الله عن الحدود.
- تقليص الدور السياسي والعسكري لحزب الله داخل مؤسسات الدولة اللبنانية.
- إطلاق مسار تدريجي لإقامة علاقات دبلوماسية بين لبنان وإسرائيل، يبدأ بفتح مكتب تمثيلي إسرائيلي في بيروت أو الجنوب.
تشير هذه المصادر إلى أن إسرائيل تفضل تأجيل أي مفاوضات فعلية مع لبنان إلى ما بعد تحقيق نتائج عسكرية واضحة في الميدان، وكذلك بعد اتضاح مسار الحرب الجارية مع إيران.
وبحسب هذه التقديرات، تسعى تل أبيب إلى تفادي الربط بين الجبهتين اللبنانية والإيرانية، إذ ترى أن ربط الملفين قد يمنح طهران ورقة تفاوضية إضافية في أي تسوية إقليمية، وهو ما تحاول إسرائيل تجنبه في المرحلة الحالية.
تعثر الجهود الدبلوماسية وتداخل الجبهات
في موازاة التصعيد العسكري، حاولت بعض العواصم الغربية تحريك المسار الدبلوماسي لاحتواء المواجهة. وتشير مصادر دبلوماسية أوروبية إلى أن فرنسا أجرت خلال الأيام الماضية اتصالات مع إيران بهدف دفعها إلى ممارسة ضغط على حزب الله لتسهيل إطلاق مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل.
في هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو اتصالاً بنظيره الإيراني عباس عراقجي، غير أن الأخير لم يقدم موقفاً واضحاً خلال الاتصال، مكتفياً بالتأكيد على أن الأولوية في هذه المرحلة "تبقى للميدان"، وأن أي حديث عن تفاوض يجب أن يبدأ بوقف الضربات الإسرائيلية على لبنان والانسحاب من أراضيه.
وتفسر المصادر الدبلوماسية هذا الموقف بأنه محاولة إيرانية لتثبيت معادلة ربط الجبهتين اللبنانية والإيرانية، بحيث يصبح أي اتفاق لوقف الحرب في المنطقة مشروطاً بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية على مختلف الجبهات.
وتقول مصادر قريبة من حزب الله إن طهران لا تزال تنظر إلى الساحة اللبنانية باعتبارها إحدى الأوراق الأساسية في معادلة الصراع الإقليمي مع إسرائيل والولايات المتحدة، ولذلك فهي ترفض فصل الملف اللبناني عن سياق المواجهة الأوسع في المنطقة.
حراك تركي لاحتواء التصعيد جنوب لبنان
في موازاة التحركات الدولية، برز خلال الأيام الأخيرة دور تركي لافت في محاولة احتواء التصعيد وفتح مسار سياسي يحد من توسع الحرب.
تشير مصادر حكومية لبنانية إلى أن أنقرة كثفت اتصالاتها في الكواليس مع الولايات المتحدة والسعودية وقطر بهدف بلورة مبادرة إقليمية لوقف العمليات العسكرية في لبنان وإطلاق مسار تفاوضي برعاية إقليمية.
وجاءت تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لتعكس جانباً من هذا التحرك، إذ حذر من تصاعد سياسات الحكومة الإسرائيلية في المنطقة، معرباً عن قلق بلاده من أن يتجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ارتكاب "إبادة جماعية جديدة" بذريعة محاربة حزب الله في لبنان.
وشدد فيدان على ضرورة وقف الحرب سريعاً والعودة إلى طاولة المفاوضات، في وقت تعكس فيه هذه المواقف العلنية الجهود التي تبذلها أنقرة خلف الكواليس لتجنب توسع المواجهة إقليمياً.
وتخشى عدة عواصم إقليمية، وفق هذه المصادر، من أن يمتد التصعيد لاحقاً إلى الساحة السورية في حال استمرار الحرب في لبنان وتداخل مساراتها مع الصراع الإقليمي الأوسع، وهو ما يجعل المساعي الدبلوماسية الحالية محاولة استباقية لمنع انفجار إقليمي أوسع.
العمليات البرية المحتملة وحسابات الميدان
على المستوى الميداني، تشير المعطيات التي حصلت عليها مصادر حكومية لبنانية إلى أن الجيش الإسرائيلي يواصل التحضير لعملية برية واسعة في جنوب لبنان، مع تركيز العمليات حالياً على عدة محاور قتال رئيسية.
في القطاع الشرقي، تدور مواجهات عنيفة في محيط الخيام ورب ثلاثين وبليدا، حيث تحاول القوات الإسرائيلية التقدم داخل بعض البلدات بعد عمليات قصف مكثفة استهدفت البنية التحتية والطرق الرئيسية.
وتشير المعلومات إلى أن القوات الإسرائيلية تسعى إلى التقدم من محور الخيام باتجاه الشمال الشرقي للسيطرة بالنار على منطقة الدلافة التي تعد أحد خطوط الإمداد التي يستخدمها حزب الله بين البقاع الغربي والجنوب.
كما تحاول القوات الإسرائيلية التقدم نحو تل نحاس وصولاً إلى ديرميماس الواقعة على نهر الليطاني، في إطار خطة تهدف إلى السيطرة على التلال المرتفعة التي تشرف على طرق الإمداد الحيوية في المنطقة.
في القطاع الأوسط، تتركز العمليات في محاور عيترون ويارون وحولا والعديسة، مع محاولات إسرائيلية للتقدم باتجاه وادي الحجير ودير سريان، وهي مناطق تعد عقدة جغرافية أساسية لطرق الإمداد التي يستخدمها حزب الله داخل جنوب لبنان.
أما في القطاع الغربي، فتشهد محاور رامية وعيتا الشعب ومروحين وجبل بلاط مواجهات متقطعة، في وقت تسعى القوات الإسرائيلية للتقدم باتجاه بلدات شمع وعلما الشعب، ضمن خطة تهدف إلى تقسيم جنوب لبنان إلى مناطق عمليات منفصلة وقطع خطوط الإمداد بين مناطق انتشار حزب الله.
في المقابل، تشير مصادر مقربة من حزب الله إلى أن الحزب يراهن على استراتيجية مختلفة في مواجهة أي توغل بري إسرائيلي، تقوم على استدراج القوات المتقدمة إلى عمق القرى والبلدات الحدودية وتحويل التقدم العسكري إلى عبء ميداني وبشري على الجيش الإسرائيلي.
تعتمد هذه الاستراتيجية على الكمائن القريبة واستخدام الصواريخ المضادة للدروع والطائرات المسيّرة، إضافة إلى استغلال التضاريس الجبلية والوديان وشبكات الأنفاق والمخازن السرية للسلاح.
كما يواصل الحزب استخدام ترسانته الصاروخية للضغط على العمق الإسرائيلي بهدف إرباك الجبهة الداخلية ورفع كلفة العمليات العسكرية.
وتقدّر المصادر أن حزب الله قد يسمح بتقدم محدود للقوات الإسرائيلية قبل استهداف خطوط إمدادها وتنفيذ عمليات التفاف على القوات المتوغلة، في محاولة لإبطاء تقدمها وإطالة أمد المعركة.