أزمة اختيار رئيس الحكومة العراقية تضع قادة الشيعة في مأزق وتهديدات واشنطن تزيد حيرتهم

عربي بوست
تم النشر: 2026/02/18 الساعة 19:39 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/02/18 الساعة 19:41 بتوقيت غرينتش
أزمة اختيار رئيس الحكومة العراقية مستمرة/ عربي بوست

دخل الإطار التنسيقي الشيعي في أخطر اختبار سياسي منذ تشكيله، بعد إعلانه، بصورة مفاجئة، ترشيح رئيس الوزراء الأسبق وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي لرئاسة الحكومة الجديدة، في خطوة لم تُجمع عليها قواه كما جرت العادة، بل مُرّرت بالأغلبية.

قرار اختيار المالكي لم يكن مجرد اختيار مرشح، بل تحوّل سريعاً إلى أزمة مركّبة وضعت الإطار التنسيقي الشيعي في مواجهة ضغوط أمريكية علنية معارضة لترشيح المالكي، ودعم إيراني واضح، لتصبح عملية تشكيل الحكومة العراقية ساحة اشتباك إقليمي مفتوح.

الإطار، الذي يقدّم نفسه بوصفه الكتلة البرلمانية الأكبر وصاحبة الحق الدستوري في تسمية رئيس الوزراء، وجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: الحفاظ على تماسك "البيت الشيعي" من جهة، وتجنب انزلاق العراق إلى مواجهة سياسية واقتصادية مع واشنطن من جهة أخرى.

ترامب كتب في تغريدة على منصة تروث سوشيال بأنه يرفض ترشيح نوري المالكي، الذي وصفه بأنه "صاحب سياسة مجنونة"، كما هدد ترامب بسحب المساعدات الأمريكية المقدمة للعراق. خلف الكواليس، هناك الكثير من التهديدات والرسائل الأمريكية التي قلبت الأمور رأساً على عقب في بغداد.

لعبة السوداني وتجاهل الإطار للرسالة الأمريكية

بعد إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية التي أُجريت في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، فاز محمد شياع السوداني، بأكبر عدد من المقاعد، 46 مقعداً من أصل 329 مقعداً، بينما حصل ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي على 30 مقعداً. أعلن الإطار التنسيقي أنه سيقوم بتشكيل لجنة لاختيار رئيس الوزراء المقبل بشكل عملي ومحايد، وتم طرح العديد من الأسماء لمناقشتها. ورشح السوداني نفسه للحصول على ولاية ثانية على أساس فوزه بأكبر عدد من مقاعد البرلمان.

في ذلك الوقت، ونظراً للتنافس الشديد بين السوداني والمالكي، قام الأخير بترشيح نفسه أيضاً لتعقيد الأمور أمام السوداني، تلميذه الذي تمرد عليه منذ توليه منصب رئاسة الحكومة في أكتوبر/ تشرين الأول 2022، وشق طريقه السياسي بعيداً عن الإطار التنسيقي الشيعي وسيطرة نوري المالكي.

يقول سياسي من الإطار التنسيقي الشيعي معارض للسوداني: "على الرغم من أن الجميع يعلم أن المالكي يرغب بشدة في الحصول على ولاية ثالثة لختام مسيرته السياسية، إلا أن اسمه لم يكن مطروحاً قبل الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وعندما قام بترشيح نفسه اعتقدنا أن السبب هو قطع الطريق على السوداني لعدم حصوله على ولاية ثانية، لكن فوجئنا أنه يرغب فعلياً في تولي المنصب، ولكننا تجاهلنا الأمر".

مضت أسابيع طويلة ولم ينجح الإطار التنسيقي الشيعي في تفكيك الاشتباك بين المالكي والسوداني، وتم رفض جميع أسماء المرشحين الآخرين، وظل التنافس محصوراً بين المالكي والسوداني لمنصب رئاسة الوزراء، وهنا أدرك الأخير أنه في مأزق ولا بد من إيجاد حل.

يقول سياسي شيعي مقرب من السوداني ونائب برلماني عن كتلة الإعمار والتنمية التي يترأسها رئيس الوزراء الحالي، لـ"عربي بوست": "السوداني رأى أن السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق، وفي نفس الوقت ضمان حصوله على ولاية ثانية، هو سحب ترشيحه لرئاسة الحكومة، ولم يكتفِ بذلك بل دعم ترشيح نوري المالكي".

بحسب المصادر المقربة من السوداني، فإنه رأى أنه بسحب ترشيحه ودعم ترشيح المالكي، وهو يعلم جيداً أن هناك معارضين للمالكي داخل الإطار التنسيقي ناهيك عن معارضة واشنطن، فإن الأمور ستصل في نهاية المطاف إلى طريق مسدود، ويتم رفض ترشيح المالكي من قبل الإطار التنسيقي، واللجوء إلى السوداني لتولي المنصب، خاصة أنه عقد الكثير من الاجتماعات مع معارضي السوداني من أجل استمالتهم والحصول على أصواتهم لدعمه.

المصدر السياسي والنائب البرلماني المقرب من السوداني أوضح لـ"عربي بوست" أن السوداني اجتمع بنوري المالكي وطلب الحصول على ضمانات بمنحه حقائب وزارية مهمة مقابل الاستمرار في دعم ترشيح المالكي، وتم عقد الصفقة وعقد الإطار التنسيقي اجتماعه لإعلان ترشيح نوري المالكي.

في هذا الاجتماع عارض كلٌّ من قيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق، الفصيل المسلح الذي يمتلك جناحاً سياسياً (صادقون)، الذي حصل على 27 مقعداً في البرلمان الجديد، وعمار الحكيم، زعيم تيار الحكمة الذي حصد 18 مقعداً، وحيدر العبادي (قاطع الانتخابات الأخيرة)، زعيم ائتلاف النصر، ومحسن المندلاوي، زعيم ائتلاف أساس الذي حصد 8 مقاعد، ترشيح نوري المالكي.

يقول مصدر مقرب من قيس الخزعلي وعضو المكتب السياسي لعصائب أهل الحق لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم ذكر اسمه: "المالكي شخصية متسلطة ولديها تاريخ سياسي سيئ دفع البلاد إلى الفتن الطائفية ودخول تنظيم داعش إلى العراق وانهيار الجيش العراقي، بالإضافة إلى أن المالكي يحيط نفسه بدائرة مقربة من الفاسدين مالياً، ولن يترك المجال لمشاركة الإطار التنسيقي له في الحكم".

وأضاف المصدر ذاته قائلاً: "الرجل يبلغ من العمر 74 عاماً وصحته ليست على ما يرام، ولا يصلح لقيادة العراق في هذا الوقت الحساس والدقيق. كنا نعارض السوداني في الفترة الأخيرة لأنه حاول إقصاء قوى الإطار من الحكم، فإذا تولى المالكي الحكومة المقبلة فلن يسمح لأحد بمعارضته أو مشاركته اتخاذ القرارات".

وحصل نوري المالكي على تأييد باقي قوى الإطار التنسيقي وأبرزها منظمة بدر بقيادة هادي العامري، الحليف المقرب لإيران، وعدد من الفصائل المسلحة الشيعية المدعومة من طهران.

وفي أثناء اجتماع الإطار التنسيقي الشيعي للتصويت على ترشيح نوري المالكي لتشكيل الحكومة الجديدة، وصلت رسالة أمريكية للإطار عن طريق القائم بالأعمال الأمريكي في بغداد، تحذر فيها قادة الإطار من ترشيح نوري المالكي وتعلن بوضوح رفض الإدارة الأمريكية هذا الترشيح، بحسب المصادر السياسية العراقية.

يقول قيادي في الإطار التنسيقي الشيعي لـ"عربي بوست": "وصلت الرسالة الأمريكية قبل الانتهاء من التصويت على ترشيح نوري المالكي بدقائق قليلة، وعندما تمت قراءة الرسالة في الاجتماع، ثار نوري المالكي ورفض الرسالة وشدد على استكمال الاجتماع وتجاهل الرسالة الأمريكية، ووافقه في ذلك عدد من قادة الإطار".

الإطار التنسيقي بين رفض ترامب وتأييد خامنئي

مع إهمال قادة الإطار التنسيقي الشيعي للرسالة الأمريكية والاستمرار في ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة، تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأعلن في تغريدته السابق ذكرها أن إدارته ترفض ترشح نوري المالكي، وهذه أول مرة تتدخل إدارة أمريكية بشكل علني في تشكيل الحكومات في العراق.

جرت العادة أن تقوم واشنطن بإرسال رسائل غير معلنة تعبر فيها عن رفضها أو تأييدها لمرشح معين، أو ترك هذا المنصب للقادة الشيعة وطهران، مع الاحتفاظ بتسمية مرشحين مقربين منها في المناصب الأمنية الحساسة.

وفي نفس الوقت أعلنت طهران تأييدها لترشيح نوري المالكي المقرب من إيران. في هذا الصدد يقول مصدر سياسي شيعي لـ"عربي بوست": "قامت طهران عمداً بتسريب رسالة من خامنئي يعلن فيها مباركته وتأييده لاختيار نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية. كان هذا التسريب بمثابة رسالة إيرانية لواشنطن بأنها ما زالت تتمتع بنفوذ في العراق وبأنها تمتلك بطاقة العراق ضمن بطاقات ضغطها على الولايات المتحدة".

ووسط الرفض الأمريكي والتأييد الإيراني، تمسك نوري المالكي ومؤيدوه في الإطار التنسيقي بترشيحه ورفضوا أي محاولة لسحب ترشيحه.

يقول المصدر ذاته: "حاول قادة الإطار التنسيقي المعارضون لترشيح المالكي في كل الاجتماعات اللاحقة بعد تصريحات ترامب إقناع المالكي بالانسحاب منعاً لجعل العراق ضحية في معركة جانبية بين الإيرانيين والأمريكيين، لكنه رفض وتمسك أكثر بالمنصب. وفي نفس الوقت رأى قادة الإطار التنسيقي أن الرفض الأمريكي لترشيح المالكي يهدد سيادتهم ويظهرهم بمظهر ضعف، فقرروا المضي قدماً في ترشيح المالكي".

المزيد من التهديدات الأمريكية

بحسب قيادي في تيار الحكمة الذي يترأسه عمار الحكيم المعارض لترشيح نوري المالكي، فإن في اليومين الماضيين تسلم قادة الإطار التنسيقي المزيد من التهديدات الأمريكية، وقال لـ"عربي بوست": "وصلت رسالة أمريكية عبر سفارتها في بغداد لقادة الإطار التنسيقي، بأن واشنطن مصرة على منع نوري المالكي من تولي الحكومة المقبلة".

وأضاف المصدر: "إذا مضى الإطار في قراره بترشيح المالكي، فإن الولايات المتحدة بدءاً من شهر مارس/ آذار 2026 ستقوم بفرض عقوبات على شركة النفط العراقية سومو، والبنك المركزي العراقي، ووزارة النفط، بالإضافة إلى شخصيات سياسية من الإطار التنسيقي".

المصدر ذاته أوضح قائلاً: "بعد هذه الرسالة اجتمع الإطار التنسيقي لمناقشة التهديدات الأمريكية الأخيرة، خاصة أنها ستطال الشريان المادي الحيوي للعراق الذي يمر بأزمة اقتصادية بالأساس، وحاولوا للمرة 10 إقناع المالكي بأن يقوم بنفسه بسحب ترشيحه وتجنيب البلاد أزمة اقتصادية طاحنة، لكنه رفض أيضاً".

وبحسب المصادر السياسية العراقية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن حتى مؤيدي ترشيح نوري المالكي من الإطار التنسيقي حاولوا إقناعه بسحب ترشيحه بعد التهديدات الأمريكية الأخيرة، لكنه رفض كل هذه المساعي وأخبرهم: "إذا أقلقتكم التهديدات الأمريكية، فقوموا أنتم بسحب ترشيحه، وتتحملون تداعيات هذا الأمر وانتهاك سيادتهم واستقلالهم من قبل الأمريكيين".

الإطار التنسيقي الشيعي في حيرة

إلى جانب أن قادة الإطار التنسيقي الشيعي، حتى المعارضين لترشيح نوري المالكي، لا يريدون الظهور بمظهر ضعيف أمام ناخبيهم وباقي القوى السياسية في العراق (السنية والكردية)، فإنهم وجدوا أنفسهم في مأزق صعب وضرورة الاختيار بين طهران وواشنطن.

وفي هذا الصدد، يقول المحلل السياسي المقرب من الإطار التنسيقي الشيعي حيدر هادي، لـ"عربي بوست": "وقع الإطار في بئر عميق، فإذا أصر قادة الإطار على الاستمرار في ترشيح المالكي فإنهم يخاطرون بنقل العلاقة بين بغداد وواشنطن من التعاون والتوازن إلى العداء المباشر".

وقد يترتب على ذلك تداعيات خطيرة مثل فرض عقوبات اقتصادية على النفط العراقي ومصادر الدولار الأمريكي ومنع التعاون العسكري والاستخباراتي بين البلدين، وسيكون العراق مسرحاً للصراع العسكري المحتمل بين طهران وواشنطن.

ويضيف هادي قائلاً: "إذا اختار قادة الإطار الانصياع للرفض الأمريكي بالرغم من التأييد الإيراني للمالكي، فكأنهم يعلنون صراحة بأنهم سينضمون إلى المعسكر الأمريكي في مواجهة إيران، وهذا أيضاً له تداعيات خطيرة؛ فالفصائل المسلحة العراقية المتحالفة مع طهران لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا الأمر وستعمل على زعزعة استقرار البلاد عقاباً للإطار التنسيقي الذي رضخ للضغط الأمريكي".

ما السيناريوهات المحتملة لتجاوز الأزمة؟

في محاولة للخروج من المأزق الحالي الذي يهدد بزعزعة استقرار العراق وتماسك الإطار التنسيقي الشيعي، يفكر قادة الإطار في حل للخروج من هذا المأزق بأقل الخسائر.

بحسب المصادر السياسية الشيعية التي تحدثت لـ"عربي بوست"، فإن السيناريو الأكثر مناقشة بين قادة الإطار في الأيام القليلة الماضية هو: تأجيل انسحاب المالكي حتى انقضاء المهلة القانونية، ومن ثم الانتقال إلى حل تشكيل حكومة انتقالية مؤقتة بقيادة السوداني، وفي نهاية المطاف إجراء انتخابات برلمانية مبكرة".

ويقول قيادي سياسي من الإطار التنسيقي لـ"عربي بوست"، مفضلاً عدم الإسناد: "رأي قادة الإطار أن تأجيل تشكيل الحكومة الجديدة إلى ما بعد ظهور أي نتائج للمفاوضات الحالية بين طهران وواشنطن سيكون هو الحل الأفضل للخروج من المأزق الحالي".

وأضاف المصدر ذاته قائلاً: "في هذا السيناريو لا ينسحب المالكي بشكل فعلي، ويظهر الإطار وكأنه لم يرضخ للضغوط والتهديدات الأمريكية، وفي نفس الوقت فهو حل لا يغضب طهران، ويحمي العراق من العقوبات الاقتصادية ويقطع الطريق أمام المالكي لتولي المنصب".

وأشار المصدر السابق إلى سيناريو آخر تتم مناقشته بين قادة الإطار، قائلاً: "هناك سيناريو آخر وإن كان أقل ترجيحاً من الأول، هو لجوء قادة الإطار إلى السيستاني لإجبار المالكي على الانسحاب وتشكيل حكومة بمرشح تسوية، على سبيل المثال يكون مرشح التسوية وزيراً سابقاً من التيار الصدري أو حميد الشطري رئيس جهاز المخابرات العراقية".

ليس من المحتمل بنسبة كبيرة تدخل المرجعية الشيعية العليا الممثلة في آية الله علي السيستاني في العملية السياسية؛ فقد امتنعت مرجعية النجف عن التدخل في المشهد السياسي العراقي على الأقل بشكل علني ومباشر في كثير من الأحيان، ولكن تجدر الإشارة إلى تدخل المرجعية لمنع نوري المالكي من تولي ولاية ثالثة في عام 2014، لذلك يأمل قادة الإطار في تكرار الأمر هذه المرة.

ويختتم الباحث السياسي المقرب من الإطار التنسيقي حيدر هادي حديثه لـ"عربي بوست"، قائلاً: "الأيام القادمة حاسمة، ولكن المؤكد أن نوري المالكي لن يستطيع الحصول على المنصب. الأمر لم يعد يتعلق بشخصية المالكي وسجله السياسي فقط، بل إن البيت الشيعي مهدد بالانقسام والانهيار، ويجب على قادة الشيعة البحث عن حل للخروج من هذا المأزق قبل أن يصبح العراق ضحية للمناورات بين طهران وواشنطن".

تحميل المزيد