كشفت مراسلات بين الملياردير الأمريكي جيفري إبستين وأطراف أخرى بعضها مجهولة -بسبب حجبها- عن ظهور اسم الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك في نقاشات تناولت احتمالات إسقاط نظام مبارك وأثر ذلك على إسرائيل عام 2011، أو طرح أسئلة عن أصوله وعقاراته، أو أخرى تتحدث عن "ترتيبات لقاءات" ومع القيادة المصرية، قبل سجن ووفاة إبستين بعام واحد.
وبيَّن تتبع وفحص موقع "عربي بوست" لمئات الوثائق الواردة في ملفات إبستين، أن المراسلات التي ورد فيها فيها كلمتي "مصر" و"مبارك" لا تتضمن سوى جزء يسير من المعلومات ذات القيمة، إذ إن غالبية الملفات كانت مقالات رأي وأخباراً شاركها إبستين مع آخرين أو تلقاها منهم، فضلاً عن تكرار عدد كبير من الملفات المتشابهة، وإخفاء تفاصيل أخرى من قبل وزارة العدل الأمريكية.
وأصبحت الدفعة الجديدة من ملفات الملياردير المُدان بارتكاب انتهاكات جنسية واسعة، متاحة للعامة بعد أن أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية مطلع فبراير/ شباط 2026، بموجب قانون للشفافية أقرّه الكونغرس، وتضمنت ملايين الصفحات التي كشفت تفاصيل جديدة عن تورط إبستين في انتهاكات جنسية جسيمة. كما أسهمت الملفات في إظهار جوانب إضافية من شبكة علاقات إبستين مع الأثرياء، وشخصيات سياسية واقتصادية وفكرية نافذة وبارزة حول العالم.
ما الذي كشفته وثائق إبستين حول حسني مبارك؟
في البداية، لا بد من الإشارة إلى أن ورود اسم "مبارك" أو عائلته في وثائق إبستين لا يعني بالضرورة وجود علاقة مباشرة بين الطرفين، بقدر ما تكشف -في حدود ما تتيحه الوثائق المنشورة- كيف كان إبستين أو دوائر قريبة منه إبستين تتبادل قراءة لحظة سقوط مبارك ومصيره، أو تتداول أسئلة عن أصوله، أو تتحدث عن "ترتيبات لقاءات" مع القيادة المصرية بعد سنوات من الإطاحة به أو استنجاد من أبناءه لشخصيات أوروبية نافذة مقربة من إبستين، لإنقاذه من المحاكمة بعد ثورة يناير 2011.
1- قلق على إسرائيل بعد التخلي عن مبارك.. وإبستين ينعت مبارك بـ"الخَرِف"
تظهر وثائق اطلعنا عليها وجود مراسلات بتاريخ 4 فبراير 2011، أي قبل تنحي الرئيس المصري السابق بأيام، حالة قلق شديد داخل إسرائيل، مع اعتقاد أن التخلي الأمريكي عن مبارك قد يكون مقدمة للضغط على إسرائيل، وذُكر ملف المستوطنات وإمكانية الضغط على نتنياهو فيه من قبل الأمريكيين بعد التخلي عن مبارك إبان ثورة يناير في مصر.
وتكشف الوثيقتان اللتان تحملان رمزي: EFTA01832482 و EFTA01832712 عن حديث دار تحت عنوان "In israel" بين إبستين وشخصية غير معروفة بسبب حجب الاسم والإيميل المرسل، تتناول التخلي الأمريكي عن مبارك، حيث يبدأ الطرف الآخر برسالة تعبّر عن "قلق شديد"، ويطرح سؤالاً مباشراً: "هل إسرائيل هي التالية؟" بعد ما يصفه بـ"التخلّص من مبارك"، طالباً من إبستين نصيحة أو قراءة أوسع للوضع داخل إسرائيل.
في ردّه، يقلّل إبستين من توصيف "التخلّص" ويقدّم قراءة للحدث، قائلاً إن الأحداث في مصر "مُدارة إعلامياً"، ويضيف: "مبارك لديه شيء من الخَرَف (بجدية). من المستحيل التفاهم معه، ولم يتم "التخلي عنه". التلفزيون يحب الشغب. سليمان، والجيش في موقع قوي"، في إشارة إلى نائب الرئيس آنذاك عمر سليمان.
ويذهب إبستين خطوة أبعد في رسالة منفصلة داخل السلسلة نفسها، حين يكتب أن "واشنطن تعتقد أن لديها الآن ورقة ضغط على بيبي (نتنياهو) وتستخدمها"، وهو ما يلتقطه الطرف الآخر لاحقاً بسؤال: "الضغط على بيبي بشأن المستوطنات؟". وتنتهي المراسلات بإشارة إلى احتمال لقاء شخص يدعى "إيهود" لمناقشة الأمر، (في الغالب إيهود بارك وزير الدفاع الإسرائيلي حينها والذي كان على علاقة قوية بإبستين).


تكشف هذه الوثائق عن مستوى متابعة جيفري إبستين للأحداث في الشرق الأوسط واستشارته من قبل شخصيات سياسية، وخوضه نقاشات حساسة في توقيت حرج (ثورات الربيع العربي 2011)، وتُظهر اهتمامه المباشر بتقييم الأوضاع في مصر وإسرائيل، إضافة إلى علاقات وطيدة مع شخصيات إسرائيلية نافذة مثل إيهود باراك.
2- إبستين يتساءل عن "منازل مبارك" بعد خلعه
بعد الإطاحة بمبارك، تظهر وثيقة تحمل الرمز Efta02706156 رسالة بريد إلكتروني قصير بتاريخ 14 كانون الأول / ديسمبر 2012 يتساءل فيها جيفري إبستين عمّا إذا كانت هناك منازل مملوكة لحسني مبارك معروضة للبيع.
الرد يفيد – بحسب علم المرسل صاحب الإيميل [email protected]– أن مبارك نفسه خارج البلاد، وأن الأمر قد يقتصر على نجليه وزوجتيهما، مع تأكيد أن الوضع "يُنظر فيه" أو "يُدار" من قبل حسين سالم المقيم في إسبانيا.

تكمن أهمية الوثيقة في كشف اهتمام جيفري إبستين المباشر بممتلكات تعود إلى رئيس عربي مخلوع بعد فترة قصيرة نسبياً من سقوط نظامه. مع تداول معلومات عن احتمال ارتباط الأصول بنجليه، في حين يبرز اسم رجل الأعمال حسين سالم، المقيم في إسبانيا، كطرف يتولى متابعة هذا الملف.
الوثيقة تفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول إهتمام إبستين بشراء أو إدارة أصول وممتلكات شخصيات سياسية بارزة في مرحلة ما بعد سقوط النظام المصري.
أما حسين سالم المشار له في الرسالة، فهو رجل أعمال مصري كان مقرباً من حسني مبارك ويوصف بأنه كاتم أسراره منذ عام 1967، حيث يوصف بأنه كان ضابطا في المخابرات العامة، ووجهت له الاتهامات بأنه كان واجهة في صفقات فساد عديدة لصالح مبارك.
كان سالم يملك استثمارات كبيرة في مصر ومنطقة شرم الشيخ، اتُّهم بقضايا فساد وتبييض أموال، ويُتهَم بأنه كان همزة الوصل بين مبارك وإسرائيل في عدة صفقات ومجالات أبرزها تصدير الغاز الطبيعي إلى إسرائيل بأسعار منخفضة عام 2005.
هرب حسين سالم يوم 3 فبراير/شباط 2011 بعد اندلاع الثورة المصرية، وأحيل بعد سقوط النظام إلى محكمة الجنايات لارتكابه جرائم الإضرار بمصلحة البلاد وإهدار المال العام. لكنه اتفق مع السلطات المصرية عام 2016 على العودة إلى مصر مقابل التنازل عن جزء من ثروته، إلى أن توفي عام 2019 في مدريد.
3- إبستين يرتب للقاء مبارك والسيسي في 2018 بالقاهرة
تظهر وثيقتان تحملان الرمزين EFTA01006183 وEFTA02603659 محادثة عبر البريد الإلكتروني بتاريخ 24 تموز / يوليو 2018 بين جيفري إبستين وستيف بانون، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الاستراتيجية سابقاً، تضمّنت حديثاً صريحاً عن إمكانية ترتيب لقاءات مع قيادات سياسية مصرية رفيعة، من بينها الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك والرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي.
يقول إبستين لبانون: "أنا وأنت يمكننا رؤية/مقابلة مبارك / السيسي أيضاً… فقط نحتاج إلى الجدولة". ليرد عليه بانون: "في القاهرة؟؟؟"، وهنا يأتي رد إبستين بشكل ساخر مع سمايل: "بالتأكيد ليس في بالم بيتش :)"، في إشارة إلى أن اللقاء سيعقد في القاهرة وليس في مقر إقامة إبستين الرئيسي في بالم بيتش بولاية فلوريدا.


لا تقدّم الرسالة أي تفاصيل مؤكدة عن أن اللقاء حدث فعلاً. لكنها تُظهر حجم نفوذ إبستين داخل محادثة ثنائية مع ستيف بانون. وتوحي المحادثة بثقة إبستين بقدرته على الوصول إلى دوائر الحكم في مصر، وتسلّط الضوء على طموحه للعب دور يتجاوز كونه رجل أعمال أو ممول، إلى وسيط في علاقات سياسية دولية حساسة. وتطرح الوثيقة تساؤلات جدية حول طبيعة شبكة العلاقات التي كان إبستين يدّعي امتلاكها قبيل إعادة تسليط الضوء عليه عالمياً في العام التالي.

بشكل عام، تكشف سجلات الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية ولجنة الرقابة في مجلس النواب علاقة قوية وتنسيقاً مستمراً بين ستيف بانون وجيفري إبستين وخصيصاً في الفترة ما بين 2017 إلى 2019، أي أن هذا التعاون لم ينتهِ إلا عند اعتقال إبستين في يوليو/تموز 2019، حيث خطط بانون تحسين صورة إبستين بعد اعتقاله.
وتظهر وثائق عديدة أن إبستين قدم لبانون استشارات حول التمويل والاستثمار، والاستراتيجية، والرسائل الإعلامية، كما دفع باتجاه شخصيات أوروبية، وادّعى أن حكومات ستسقط "كما هو مخطط"، ورتّب له تعارفات خارجية.
4- جمال مبارك زوجته يستنجدان لإنقاذ مبارك ونداءات الاستغاثة تصب عند إبستين
تظهر 8 وثائق أخرى مراسلات خلال الفترة الممتدة بين 27 مايو/أيلول 2011 و22 سبتمبر/أيلول 2013، جمعت "جمال مبارك" نجل الرئيس الأسبق حسني مبارك وزوجته "خديجة الجمال"، والدبلوماسي النرويجي "تيري رود لارسن" مبعوث الأمم المتحدة سابقاً إلى الشرق الأوسط. حيث شملت المراسلات طلبات متكررة من جمال وخديجة موجهة إلى لارسن، تستنجد به للتوسط والتدخل في إنقاذ مبارك ونجله من مصير السجن وتحسين ظروف احتجازهما في مصر، فيما أرسل الدبلوماسي النرويجي تلك الرسائل جميعها إلى جيفري إبستين.
على سبيل المثال، في إحدى المراسلات التي تحمل رمز EFTA00913183 وبتاريخ 27 مايو 2011 طلب جمال وزوجته من لارسن التدخل والمساعدة في تشكيل فريق محامين دولي للدفاع عن عائلة مبارك أمام المحاكم المصرية، حيث تتضمن الرسالة استغاثة بوصف ما يتعرض له الرئيس الأسبق مبارك في محاكمته إلى "الظلم".

جاء في نص الرسالة التي حملت عنوان "سري" أن "الإخوان المسلمون يسيطرون بشكلٍ سافر على مفاصل السلطة تحت غطاء حركة شعبية، وقد أحكموا، بطرق مختلفة، قبضتهم على النائب العام ووزارة العدل، وحتى على مسار العملية القضائية، ومع هستيريا إعلامية مليئة بالأكاذيب والتضليل الفج، استطاعوا إ/رهاب كل من يجرؤ على قول الحقيقة أو تحدّي سلطتهم. وكانت الاتهامات الفاحشة وغير المعقولة التي وُجّهت إلى والدي وإلينا قبل يومين ذروة هذا المسار".
"هذه مهزلة كبرى للعدالة، إن اتهام والدي بالتآمر على قتل متظاهرين -وهي تهمة يُعاقب عليها بالإعدام- إلى جانب اتهامات أخرى ملفقة، يجب أن يبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي مفادها أن ما يجري هو ثأر من الإخوان المسلمين ضد والدي… يجب أن يفهم العالم بوضوح ما يحدث، فصوتنا لا يُسمَع.
نحن نعوّل على أصدقاء مثلك للمساعدة في إيصال الحقيقة، على العالم أن يراقب ويتابع عن كثب، وأن يُحاسب السلطات على إساءتها الفاضحة لاستخدام المسار القانوني والقضائي، تحدّث بطريقتك الخاصة، واجعل الآخرين يفعلون الشيء نفسه قبل فوات الأوان".
وفي وثيقة أخرى تحمل الرمز EFTA00911510، أرسلت خديجة الجمال رسالة أخرى بتاريخ 1 يونيو 2011، إلى لارسن الذي أعاد إرسالها إلى إبستين أيضاً، أعربت فيها زوجة نجل الرئيس الأسبق فيها عن شعورها بالتقدير والأمان، بسبب محاولة لارسن مساعدة العائلة، مُضيفة أنهم (عائلة مبارك) "الطرف الأضعف الآن".
في اليوم التالي، أرسلت خديجة رسالة أخرى إلى لارسن تخطره فيها بموعد تحديد محاكمة مبارك وأبنائه وجاء فيها: "السيد لارسن المحترم، فقط لإطلاعكم على آخر المستجدات: لقد قرروا تحديد يوم لمحاكمة والد زوجي وأبنائه، وهو 3 أغسطس (2011)، يمكنكم أن تتخيلوا كيف نشعر جميعاً، وحجم الخوف الذي نعيشه".
تكررت الرسائل من جمال زوجته إلى لارسن الذي قام بدوره بإعادة إرسال جميع هذه الرسائل إلى جيفري إبستين، حيث وصف جمال في إحداها المعارضين لوالده والمتظاهرين المصريين بالغوغاء، وقال في الوثيقة التي تحمل رمز EFTA00913183 بتاريخ 12 حزيران 2011: "عزيزي السيد لارسون، أرجو أن تكون بخير، تجد أدناه رسالة من زوجي جمال مبارك.

وجاء نص رسالة جمال مبارك: أشكرك على دعمك المستمر وجهودك خلال هذه الظروف العصيبة التي نمر بها كعائلة. أنا على إطلاع دائم بنقاشاتك مع زوجتي خديجة، وهي ممتنة للغاية، كما نحن جميعاً لما تحاول القيام به.
ما زلنا، وأنا أكتب لك هذا، رهن الاعتقال لأكثر من شهرين الآن، أنا وأخي في سجن في القاهرة، بينما والدي لا يزال محتجزاً في مستشفى في شرم الشيخ، في حالة صحية سيئة نسبياً وتحت ضغوط نفسية هائلة، لقد تم بالفعل، كما تعلم بالتأكيد، تحويلنا نحن الثلاثة إلى المحكمة بناءً على اتهامات سياسية شنيعة. موعد جلستنا الأولى في المحكمة هو 3 أغسطس/ آب المقبل، إن احتجازنا، والتحقيقات معنا، وحتى توجيه التهم وإحالتنا للمحكمة، كان كله مدفوعاً بضغط من الغوغاء".
"اتخذت قراراً منذ أسابيع بإحالتنا نحن الثلاثة للمحكمة، وما تبقى كان مجرد تفاصيل". وتابع: أستطيع أن أقول لك مباشرة من واقع جلسات التحقيق معي إنهم عازمون على تلفيق التهم لنا عبر أي ثغرات ممكنة، لقد استخدموا إعلام الدولة لتزييف الحقائق، وتسريب معلومات مضللة حول تحقيقات سرية مفترضة معنا، وتشويه سمعتنا، ونجحوا في النهاية في عملية "اغتيال معنوي" لنا جميعاً بمن في ذلك والدتي.
يتمتع لارسن بمسيرة طويلة في السياسة والدبلوماسية الدولية، ويُعرف بدوره المحوري في مفاوضات اتفاقية أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في مطلع تسعينيات القرن الماضي؛ إذ كان يتولى منصب مستشار وزير الخارجية النرويجي لعملية السلام في الشرق الأوسط. كانت مصر في تلك المفاوضات طرفًا داعمًا لها، في ظل رئاسة مبارك، ولاحقًا، شغل لارسن منصب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، ورئيس معهد السلام الدولي ولاية نيويورك الأمريكية.
في عام 2020 نشرت صحيفة "Dagens Næringsliv "النرويجية تحقيقًا استقصائياً استند إلى وثائق كشف أن تيري لارسن، الذي كان يتولى منصب رئيس المعهد الدولي للسلام، وهو مركز أبحاث له تعاون مع الأمم المتحدة، حصل على قرض من إبستين بقيمة 130 ألف دولار أمريكي، لم تُعرف ملابساته على وجه الدقة، ولم يثبت سداده لاحقًا. وتشير الصحيفة إلى أن العلاقة بين الطرفين بلغت حدّاً لافتاً؛ إذ إن إبستين، وقبل انتحاره عام 2019، أَدرج في وصيته أبناء لارسن كمستفيدين بمبلغ إجمالي قدره 10 ملايين دولار (خمسة ملايين دولار لكل طفل).
في 29 نوفمبر 2014، حصل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك على حكم بالبراءة من التهم الجنائية الموجّهة إليه في قضية قتل المتظاهرين خلال ثورة يناير 2011، فيما لم يتم إدانته هو ونجليه سوى في قضية "القصور الرئاسية" في حكم نهائي صدر في يناير 2016. وتوفي في 25 فبراير/شباط عام 2020 ودفن في القاهرة.