تتسارع وتيرة الاتصالات الرامية إلى تجنيب منطقة الشرق الأوسط أزمة جديدة مع تفاقم مؤشرات الحرب بين أمريكا وإيران، في ظل تحركات دبلوماسية إقليمية تقودها مصر بالتنسيق مع تركيا وقطر، وسط توقعات بأن تشهد إسطنبول جولة مفاوضات حساسة بين مسؤولين إيرانيين والمبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، تتركز أساسًا على الملف النووي.
هذا الحراك يعكس إدراكًا متزايدًا لدى العواصم المعنية بأن الحل السياسي ممكن، لكنه يضيق سريعًا مع تصاعد الاستعدادات العسكرية والضغوط المتبادلة. وتتقدم الوساطة المصرية بوصفها أحد أهم مسارات احتواء التوتر، حيث تسعى القاهرة إلى صياغة أرضية تفاوضية تمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، وتوفر ضمانات متبادلة تتيح استئناف الحوار بين واشنطن وطهران.
التحرك المصري لا يقتصر على إدارة قنوات اتصال، بل يرتبط بحسابات أمنية أوسع تتعلق باستقرار الإقليم، وخشية تداعيات حرب محتملة على المنطقة بأسرها. في المقابل، يكشف الموقف الإيراني عن استعداد مشروط للانخراط في مفاوضات جادة حول برنامجها النووي، مع تمسك واضح بعدم توسيع التفاوض ليشمل قدراتها الصاروخية أو علاقاتها الإقليمية.
تحركات مصر لتجنب الحرب بين أمريكا وإيران
قال مصدر مصري مطلع على الوساطة التي تجريها القاهرة بين إيران والولايات المتحدة إن مصر تحاول، إلى جانب تركيا وقطر وسلطنة عمان، تدشين مفاوضات تتعلق بالملف النووي، وأضاف أن طهران أبدت انفتاحًا على مجموعة من الخيارات، منها التخلي عن المشروع النووي بشكل شبه كامل أو نقل اليورانيوم المخصب إلى الخارج.
لكن طهران تشترط ألا تشمل المفاوضات قدراتها الصاروخية الدفاعية والهجومية، ودون أن يكون لذلك تأثير في علاقاتها بأطراف وقوى خارجية. وأشار المصدر إلى أن إيران ترغب في الانخراط الجدي في التفاوض، غير أنها طالبت القاهرة والوسطاء بالحصول على ضمانات تضمن عدم توجيه ضربة أميركية أثناء التفاوض أو في أعقاب التوصل إلى اتفاق.
المصدر المصري الذي تحدث لـ"عربي بوست" مفضلًا عدم ذكر اسمه، أوضح أن مصر وتركيا وروسيا قامت باتصالات عديدة مع واشنطن للضغط عليها لتخفيف وجودها العسكري بالمنطقة أو الحصول على ضمانات، لكنها أصرت على أن تتجه المباحثات نحو منصات الصواريخ الدفاعية والهجومية، وهو الأمر الذي رفضته إيران دون أن ترفض الدخول في مفاوضات.
كما أشار المصدر المطلع على التحركات الدبلوماسية المصرية بشأن الأزمة بين إيران والولايات المتحدة إلى أن القاهرة والوسطاء يبحثون، من خلال المفاوضات التي من المنتظر أن تُطلق خلال أيام في إسطنبول، خفض التصعيد بين واشنطن وطهران، مع الإدراك بصعوبة منع اندلاع حرب قريبة بالمنطقة، وتعمل القاهرة على تخفيف تأثيرات أي ضربات محتملة.
وترى القاهرة أن احتمالات نشوب الحرب بين أمريكا وإيران قوية، لكن يبقى التعويل على وصول المباحثات بشأن النووي إلى تفاهمات والحصول على تطمينات بألا تشكل إيران تهديدًا لإسرائيل، وتعمل القاهرة والوسطاء على إيجاد نقاط التقاء مع واشنطن لمراجعة موقفها في ظل الضغوط القوية التي تمارسها إسرائيل على الإدارة الأميركية.
مصدر "عربي بوست" لفت إلى أن التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي بمثابة فرصة للتهدئة ومنع نشوب الحرب بين أمريكا وإيران، ما يجعل التركيز منصبًا على ملفات أخرى في الوقت الحالي، بينها تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة والانتقال إلى المرحلة الثانية.
رسائل القاهرة للإدارة الأمريكية
عملت القاهرة خلال الأيام الماضية على توصيل رسائل إلى الإدارة الأميركية مفادها أن أي حرب سوف تنشب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ستكون تداعياتها خطيرة على المنطقة، وأن إيران لديها من القدرات ما يجعلها قادرة على الرد بقوة، بما في ذلك استهداف القواعد الأميركية، وفق ما صرح به مصدر "عربي بوست".
وأشار المتحدث إلى أن مصر أكدت للإدارة الأميركية أن طهران لديها رغبة في التوصل إلى اتفاق بشأن ملفها النووي بشروط قريبة مما تطرحه واشنطن، وترى بأن تفكيك هذا الملف الذي شكّل أساسًا للخلافات بين البلدين يمكن أن ينعكس على مجالات أخرى مستقبلية، وبالتالي فإن التحركات الحالية تدور في فلك إيجاد مشتركات يمكن على أساسها استئناف التفاوض.
وبحسب المصدر، فإن القاهرة تركز في اتصالاتها مع الإدارة الأميركية على ضرورة تحمل تبعات الضربة على إيران في حال تطورت إلى حرب طويلة، ما يمهد لخلق فوضى داخلية واسعة في إيران، وانعكاس ذلك على الاستقرار في منطقة الخليج، خاصة أن إيران لديها قدرات عسكرية قوية ولا يمكن التنبؤ بمآلات الهجوم العسكري عليها.
وأجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان، السبت 31 يناير/كانون الثاني 2026، مباحثات هاتفية تناولت تطورات الملف النووي الإيراني وسبل احتواء التصعيد في المنطقة. وقال المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية السفير محمد الشناوي إن الاتصال تناول تطورات الملف النووي الإيراني.
وأوضح المتحدث أن السيسي أعرب لبزشكيان عن بالغ قلق مصر إزاء تصاعد التوتر في المنطقة، وشدد السيسي على ضرورة تجنب التصعيد ورفض الحلول العسكرية، وأكد أن الحلول الدبلوماسية هي السبيل الوحيد والأمثل لتسوية الأزمة، بما يضمن تجنيب منطقة الشرق الأوسط مزيدًا من التوتر وعدم الاستقرار.
تنسيق رباعي لإقناع طهران وواشنطن بالتفاوض
في مطلع هذا الأسبوع، أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات مع كل من عباس عراقجي، وزير خارجية إيران، وستيف ويتكوف، المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، ومحمد بن عبدالرحمن، رئيس وزراء ووزير خارجية قطر، وهاكان فيدان، وزير خارجية تركيا، وبدر بن حمد البوسعيدي، وزير خارجية سلطنة عمان.
خلال مباحثاته، وجه وزير الخارجية المصري "رسائل حاسمة" بضرورة تغليب لغة الحوار، مؤكدًا أنه "لا توجد حلول عسكرية للتحديات الراهنة"، وشدد عبد العاطي على أهمية الحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى حالة من انعدام الأمن والاستقرار التي قد تعصف بالجميع.
وبحسب مصدر دبلوماسي مصري، فإن التنسيق بين مصر وعمان وقطر بشأن التوترات بين واشنطن وطهران يرجع إلى أن تلك الدول سبق أن دخلت على خط الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، فيما تقوم تركيا حاليًا بوساطة فاعلة بالتنسيق مع مصر بشأن ملفات التفاوض التي سبق أن توصل إليها الطرفان بمشاركة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
المصدر الدبلوماسي الذي تحدث لـ"عربي بوست" شريطة عدم ذكر اسمه، أشار إلى أن مصر تدرك أن الولايات المتحدة حسمت موقفها من الحرب بنسبة كبيرة، لكن يمكن الضغط عليها لثنيها عن الخطوة في حال تحققت نتائج إيجابية عبر مفاوضات تنهي خطر الملف النووي الإيراني على إسرائيل.
وأوضح المصدر ذاته أن التوصل إلى اتفاق ناجح من خلال المفاوضات المقبلة في تركيا يبقى أمرًا صعبًا، وأن نجاح جهود الوساطة يبقى مشروطًا بقبول الطرفين بفكرة الجلوس إلى طاولة التفاوض، وهو أمر تحقق حاليًا، لكن الأهم التوصل إلى نقاط التقاء مشتركة في ظل صعوبة الشروط التي تضعها واشنطن وتضاؤل احتمالات قبول إيران تفكيك برنامجها الصاروخي أو تقليص مداه.
وعملت مصر خلال الأيام الماضية على بلورة مقترح تفاوضي جديد تضمن تفاصيل التعامل مع الملف النووي، وحظي بموافقة مبدئية من إيران والولايات المتحدة أيضًا، يوضح المصدر الدبلوماسي، مشيرًا إلى أن الجلوس إلى الطاولة يمكن أن يتبعه الاتفاق على جدول زمني للمباحثات وبنود أكثر وضوحًا.
كما قال مصدر "عربي بوست" إن مصر ترى أن إيران حققت مكسبًا خلال الفترة الماضية تمثل في قدرتها على التعامل مع الاحتجاجات التي كانت تستهدف إسقاط النظام، وبالتالي فإن هناك أوراقًا ما زالت تمسك بها طهران تتمثل في وجود ما يشبه الاتفاق الداخلي على رفض التدخل الخارجي، إلى جانب احتمالات أن تؤدي الضربات الأميركية إلى توتر أمني وإقليمي واسع دون أن أمد لتقديرها أو كيفية التعامل معها.
وكشفت مصادر أميركية وإقليمية لموقع "أكسيوس" أن كلًا من قطر ومصر وتركيا تبذل جهودًا دبلوماسية مكثفة لترتيب اجتماع رفيع المستوى في العاصمة التركية أنقرة، في وقت لاحق من هذا الأسبوع، يجمع بين مبعوث البيت الأبيض "ستيف ويتكوف" ومسؤولين إيرانيين كبار، في محاولة لنزع فتيل مواجهة عسكرية محتملة في المنطقة.
وبحسب مسؤول أميركي كبير، فإن إدارة دونالد ترامب أبلغت طهران عبر قنوات متعددة انفتاحها على التفاوض لإبرام اتفاق جديد. وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع أوامر أصدرها ترامب بحشد عسكري واسع في منطقة الخليج، ما يضع المفاوضات أمام خيارين: إما التوصل إلى تسوية دبلوماسية تضمن عدم امتلاك إيران أسلحة نووية، أو مواجهة خطر اندلاع حرب إقليمية واسعة.
كل المؤشرات تدل على أن "الحرب قادمة"
بحسب محلل سياسي مصري، فإن التحركات العربية الحالية بالتعاون مع تركيا وروسيا تهدف إلى التأكيد على أن هناك توافقًا إقليميًا ضد توجيه ضربات إلى إيران في الوقت الحالي، وأن الدول الفاعلة في المنطقة تعارض أي نوع من التصعيد، خاصة أن الحرب بين أمريكا وإيران ليست لديها دوافع رئيسية، لكنها تخدم إسرائيل وحلفاءها، وأن التحركات الحالية تعمل على تقليل فرص الصراع ودعم الأمن والسلام.
المصدر ذاته شدد في تصريح لـ"عربي بوست" على أن دول المنطقة أمام تحدي التعامل مع رغبة أمريكا في الوصول إلى حافة الهاوية مع إيران، مع الضغط على طهران للتنازل عن برنامجها النووي وتقليل مدى صواريخها الدفاعية والهجومية، وهي مطالب من الصعب القبول بها.
وتأتي التحركات العربية في وقت يتم فيه تجهيز مسرح الحرب بين أمريكا وإيران مع وصول البوارج وحاملات الطائرات، وبالتالي فإن الحراك الدبلوماسي المكثف في الوقت الحالي يهدف إلى خفض التصعيد والتوصل إلى تسوية سلمية وشاملة للملف النووي الإيراني بما يعزز الاستقرار الإقليمي والدولي، وهو أقصى ما يمكن فعله الآن.
المحلل السياسي المصري قال إن مصر لعبت دورًا محوريًا على مدار العام الماضي في محاولة احتواء الأزمة، وكان الوصول إلى اتفاق قاب قوسين أو أدنى من التحقق لولا تعنت واشنطن تحت ضغط إسرائيلي واندلاع حرب الـ12 يومًا مع إيران في شهر يونيو/حزيران 2025، ما أفسد بنود التفاوض وأجهض أي صفقة سياسية.
المتحدث أشار إلى أن الضغط الإسرائيلي المستمر، والتحشيد العسكري الأميركي، والدعم الصيني لإيران، بالإضافة إلى تغير المواقف الإقليمية، كلها عوامل تشير إلى أن المنطقة على أعتاب مرحلة حرجة قد تشهد تصعيدًا كبيرًا، وهو أمر تحاول مصر تجنبه وهي من القوى الفاعلة في المنطقة.
وأوضح المصدر ذاته أن الحراك المصري القائم على تنسيق الجهود مع دول أخرى بارزة في المنطقة للحيلولة دون اندلاع الحرب بين أمريكا وإيران، يرجع إلى قناعة بأن المنطقة لا تحتمل عقودًا مضطربة أو نزوح مئات الآلاف خارج أوطانهم، وأشار إلى أن أمريكا تريد إسقاط النظام الإيراني برمته، وليس فقط توجيه ضربة عسكرية، وهو أمر هناك شبه توافق إقليمي على رفضه.
كما أن مصر تدرك جيدًا أن الهجوم الأميركي سيقابله ردود غاضبة من دول أخرى، منها روسيا والصين، وأن التصعيد بين جميع الأطراف يعرض مصالح دول المنطقة للخطر، فضلًا عن خسائر جسيمة ستلحق بالبحر الأحمر وقناة السويس، يختم المحلل السياسي المصري.