لم تكن القفزة اللافتة في تحويلات المصريين العاملين بالخارج مجرد رقم عابر في بيانات رسمية، بل مؤشرًا أعاد فتح نقاش أوسع حول الثقة في الاقتصاد المصري، وحدود التعافي، وما إذا كانت هذه التدفقات تعكس تحولًا هيكليًا أم استجابة ظرفية لإجراءات نقدية مشددة.
فخلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025، سجلت تحويلات 11 مليون مصري في الخارج زيادة بنحو 42% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في وقت كانت فيه مصر تحاول الخروج من أزمة خانقة تسببت فيها تقلبات سعر الصرف واتساع السوق السوداء للعملة.
وبينما ترى الحكومة وخبراء مقربون منها في هذه الزيادة دلالة على عودة المصريين بالخارج إلى القنوات الرسمية وثقة متنامية في استقرار الجنيه، يحذر آخرون من المبالغة في التفاؤل، معتبرين أن تحويلات المغتربين باتت تمثل ركيزة أساسية، وربما أكثر من اللازم، في معادلة الاقتصاد المصري، وسط استمرار الضغوط المرتبطة بالديون وعجز الموازنة.
قفزة تحويلات المصريين العاملين بالخارج
قال نائب بالبرلمان المصري، وهو أحد خبراء الاقتصاد المقربين من الحكومة، صرح لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن تحويل ما يقرب من 38 مليار دولار خلال 10 أشهر من 2025 نتيجة للجهود المبذولة لاستعادة الاستقرار المالي وتعزيز موارد النقد الأجنبي.
وأشار إلى أن المصريين في الخارج أضحوا أكثر رغبة في التعامل مع مؤسسات مالية رسمية بعيداً عن سماسرة تحويل العملة، والذين ضيقت مصر عليهم الخناق أمنياً خلال العامين الماضيين، ولم يعد سوى البنوك وشركات الصرافة المعتمدة رسمياً وسيلة لوضع الأموال وتحويلها.
بحسب المصدر ذاته فإن المصريين أضحوا أكثر اطمئناناً، لأن عملتهم المحلية تمضي في طريق الاستقرار بعد أن حقق الجنيه مؤخراً مكاسب أمام الدولار، مع عدم وجود فارق يذكر بين سعر الجنيه الرسمي والسوق السوداء، إلى جانب التوسع في تقديم خدمات مصرفية مرنة ومحفزة تلبي احتياجات المصريين بالخارج وتشجعهم على تحويل مدخراتهم عبر الجهاز المصرفي الوطني.
من أبرز هذه الخدمات استقرار أسعار الفائدة طيلة العامين الماضيين، حيث بلغ عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي 21% و22% و21.5% على الترتيب، بعد أن خفض البنك أسعار الفائدة بمجموع 6.25% منذ مطلع العام الماضي، إلى جانب إصدار شهادات استثمار بفائدة غير مسبوقة، وهي منتجات جاذبة للقطاع العائلي بالدولار.
كما أن الدولة طرحت العديد من المبادرات التي جذبت أموال المصريين بالخارج، بينها مبادرة استيراد السيارات وشراء الأراضي والعقارات مقسطة بالنقد الأجنبي، ما جعلها تمثل منتجات جاذبة للمصريين العاملين بالخارج، بالإضافة إلى إقامة العديد من الحوارات التفاعلية والمؤتمرات بين جهات حكومية وبين المغتربين في محاولة لربطهم بوطنهم الأم، ويبدو أن ذلك حقق بعض الأثر الإيجابي.
تفاؤل حكومي باستمرار ارتفاع التحويلات
قال النائب البرلماني لـ"عربي بوست" إن تحويلات العاملين المصريين بالخارج تمثل أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد المصري، لما تتمتع به من استقرار نسبي واستدامة مقارنة ببعض مصادر النقد الأجنبي الأخرى التي قد تتأثر بالمتغيرات الإقليمية والدولية.
وتوقع المتحدث أن هذا التحسن في تحويلات المصريين العاملين بالخارج لن يكون مؤقتاً، إذ إن المؤشر يأخذ منحنى تصاعدياً منذ مارس عام 2024 حينما أقدمت مصر على تحرير سعر الصرف بشكل كامل، وأن الاستمرارية لما يقرب من عامين تبرهن على تراكم الثقة في أداء الاقتصاد.
ولفت النائب البرلماني إلى أن الحكومة سيكون عليها استثمار هذا التصاعد المستمر في معدلات تحويلات المصريين من الخارج، عبر تبني سياسات وتشريعات تشجع على توجيه جزء من تلك التحويلات نحو الاستثمار الإنتاجي، خاصة في المشروعات الصغيرة والمتوسطة والقطاعات الصناعية والزراعية، بما يسهم في خلق فرص عمل جديدة وتعظيم العائد التنموي لهذه الموارد.
كما أن الحكومة، يقول المصدر، سيكون عليها أيضاً تذليل العقبات التي تواجه المصريين بالخارج سواء فيما يتعلق بالخدمات القنصلية أو القضايا القانونية أو فرص الاستثمار أو تسهيل تحويل الأموال، بهدف الحفاظ على هذا الزخم المتصاعد وتعظيم الاستفادة منه.
وأشار إلى أن على الحكومة البناء على ما حدث في السابق من تواصل مستمر معهم والاستماع إلى مشكلاتهم ومقترحاتهم وتبني رؤية شاملة للتعامل معهم، باعتبارهم شركاء في عملية التنمية وليس فقط حثهم على تحويل الأموال عبر القنوات الرسمية للاستفادة منها في سد أزمات شح العملة الصعبة التي كانت سمة سائدة خلال السنوات الماضية.
تحذيرات من الاعتماد على الاحتياطي لسداد الديون
واستمرت تحويلات المصريين العاملين بالخارج في مسارها التصاعدي حيث ارتفعت خلال الفترة ما بين يناير ونوفمبر 2025 بمعدل 42.5% لتسجل أعلى قيمة لها عند نحو 37.5 مليار دولار مقابل نحو 26.3 مليار دولار في الفترة المماثلة من العام الذي سبقه.
وعلى المستوى الشهري، ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال شهر نوفمبر 2025 بمعدل 39.9% لتسجل نحو 3.6 مليار دولار مقارنة بنحو 2.6 مليار دولار خلال شهر نوفمبر 2024، وفق بيان من البنك المركزي المصري الأسبوع الماضي.
وبحسب خبير اقتصادي، تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، فإن زيادة تحويلات المصريين بالخارج تعني زيادة موارد الدولة المصرية من العملة الصعبة ودعم الاحتياطي النقدي الذي بلغ نحو 51 مليار دولار، وهو ما يساهم بدوره في تحقيق قدر من الاستقرار على مستوى العملة المحلية على المدى القريب.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الفترة الأخيرة كانت شاهدة على زيادة عوائد قناة السويس وزيادة وتيرة تدفق الاستثمارات الأجنبية، مع توسع القاهرة في الطروحات وإبرام الصفقات الكبرى على مستوى تحويل أراضي الساحل الشمالي الغربي إلى مشروعات سياحية بأموال خليجية مليارية.
لكن المصدر ذاته حذر من أن تضطر الحكومة للجوء إلى الاحتياطي النقدي لسداد الديون، مشيراً إلى أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج يمكن أن تساهم في سد جزء من فوائد الديون، لكن أصل الدين ستكون هناك أزمة بشأن سدادها في ظل عجز الموازنة الحالي.
بينما لفت إلى أنه في حال كان هناك ثقة كاملة في الاقتصاد المصري من جانب المصريين العاملين بالخارج لكانت الأرقام المعلنة قد تضاعفت، خاصة وأننا نتحدث عن 11 مليون عامل بالخارج، ما يشير إلى مستوى يصل إلى 300 دولار للفرد الواحد شهرياً، وهي نسبة ضئيلة.
وارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 6 مليارات دولار منذ بداية 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار في نهاية الربع الثاني من العام، أي يونيو الماضي، وفق بيانات رسمية.
وأكد المصدر ذاته أن جذب المصريين إلى مشروعات مربحة في الداخل وتقديم خدمات اجتماعية لأهاليهم الموجودين في مصر، وتوفير عوامل الدعم التي تجعل هناك ثقة في الحكومة وأروقتها الدبلوماسية في البلدان المختلفة يمكن أن يساهم في مضاعفة الرقم الحالي.
مؤكداً أنه يجب أن تكون البداية بتأهيل الأيدي العاملة المدربة وتصديرها إلى الخارج بشكل شرعي ومهني، بدلاً من استمرار عمليات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا وإن كانت بشكل غير مباشر من خلال الحدود الليبية، إلى جانب وجود أيدٍ عاملة زهيدة الثمن وغير مدربة ولا تحقق استفادة مثلى للاقتصاد الوطني مقارنة بتصدير العمالة المدربة.
وذكر المصدر ذاته أن مصر مطالبة في هذا التوقيت أيضاً بطرح أوعية ادخارية واستثمارية لاجتذابهم بعوائد مرتفعة، وتقديم خدمات رقمية موحدة وسريعة للمستثمرين من المصريين بالخارج، وكذلك إنشاء صندوق استثماري خاص بالمصريين بالخارج يضمن الشفافية والعائد المستدام.
وكشفت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن احتلال مصر المركز السابع عالمياً من حيث قيمة تحويلات المهاجرين بالخارج، وهو ما يضعها ضمن أكبر 10 دول استقبالاً للتحويلات، ما يعكس الأهمية القصوى لهذه التدفقات المالية للاقتصاد المصري كمصدر أساسي للعملات الأجنبية.
أموال المغتربين المصريين مصدر "أكثر أمانا"
يشير خبير اقتصادي إلى أن الحكومة أضحت تعتمد بشكل كبير في توجهاتها الاقتصادية على وجود مصدر دولاري ضخم بالعملة الصعبة، وترى بأنه أكثر أماناً واستدامة في ظل اضطراب الأوضاع الجيوسياسية التي تؤثر سلباً على عوائد قناة السويس، إلى جانب استمرار المخاوف من تأثير اضطرابات المنطقة على حركة السياحة رغم تزايدها مؤخراً، وعدم تطور حركة التصدير التي يمكن أيضاً أن تتأثر بالأوضاع الجيوسياسية.
وبالتالي فهناك حرص على استقرار سعر الصرف يمكن أن يدفع مزيداً من العاملين لتحويل أموالهم عبر البنوك المصرية، ما يجعل هناك توقعات بأن يصل حجم التحويلات في هذا العام إلى 45 مليار دولار، وفق ما صرح به الخبير الاقتصادي المصري لـ"عربي بوست".
وأوضح المصدر ذاته أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج تشكل هذا العام 10% من إجمالي الناتج المحلي، وهي أيضاً نسبة غير قليلة وتسعى الحكومة للبناء عليها بما يحقق مجموعة من الأهداف، بينها حدوث استقرار في سوق العملة الصعبة وعدم تعرض البلاد لأزمات شح العملة التي خلقت سوقاً سوداء في السنوات الماضية، إلى جانب الحفاظ على قيمة الجنيه مع وجود ترجيحات بمزيد من الصعود أمام الدولار.
بالإضافة إلى الدور المجتمعي المهم الذي تكفله أموال المغتربين، إذ توفر دخلاً مستمراً لملايين الأسر داخل مصر ممن يتم تحويل الأموال إليهم، بخاصة وأن سفر الجزء الأكبر من المصريين إلى الخارج كان بهدف سد الاحتياجات المعيشية والوصول إلى الترقي المجتمعي المنشود.
وذكر المصدر ذاته أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج تساهم في انتعاشة لقطاع العقارات، إذ إن غالبية الأموال التي يتم تحويلها يتم استثمارها في العقارات، وهو ما دفع الحكومة للاستفادة من هذا التوجه نحو طرح أراضٍ ووحدات سكنية مخصصة للمصريين بالخارج على أن يتم تحويل قيمة هذه الوحدات بالدولار.
فيما أشار الخبير الاقتصادي إلى أن الاعتماد على القنوات الشرعية في تحويل الأموال من خلال البنوك ساهم في انتظام حركة الاستيراد والتصدير دون اللجوء إلى الاحتياطي النقدي الأجنبي.
وسجل احتياطي مصر النقدي الأجنبي مستوى قياسياً جديداً وهو 51.45 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2025، بزيادة قدرها حوالي 1.2 مليار دولار عن نوفمبر 2025، وذلك نتيجة لتدفقات قوية من مصادر العملة الأجنبية، مثل السياحة وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، وفقًا لبيانات البنك المركزي.