مساعٍ مصرية “معقدة” لخفض التوتر بين السعودية والإمارات بشأن اليمن

عربي بوست
تم النشر: 2026/01/08 الساعة 09:28 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/01/08 الساعة 09:28 بتوقيت غرينتش
تحركات مصرية لمنع التصعيد بين السعودية والإمارات في ملف اليمن/ عربي بوست

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتداخل الأزمات على أكثر من جبهة، برزت القاهرة خلال الأيام الماضية لاعبًا محوريًا في مساعي خفض التصعيد بين الأشقاء، مع تركيز واضح على الملف اليمني بوصفه إحدى أخطر بؤر الهشاشة في المنطقة، خاصة بعد الخلاف الدبلوماسي بين السعودية والإمارات.

وجاءت التحركات المصرية الأخيرة عبر اتصالات دبلوماسية مكثفة مع كلٍّ من المملكة العربية السعودية والإمارات، في محاولة لاحتواء خلافات طارئة بسبب الوضع في اليمن والصراع الإقليمي بشأنه، تخشى القاهرة أن تتحول إلى صراع مفتوح ينعكس سلبًا على الأمن العربي وأمن البحر الأحمر.

وعكست زيارة وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان إلى القاهرة، ثم الاتصال الهاتفي الذي أجراه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره الإماراتي في اليوم ذاته، جوهر المقاربة المصرية القائمة على الحفاظ على مسار تفاهمات عربية مشتركة تشكّلت خلال السنوات الماضية.

تدخل مصر في الأزمة بين السعودية والإمارات

بحسب مصادر مطلعة، تتحرك مصر من موقع دقيق يوازن بين دعم الجهود السعودية الرامية إلى إطلاق حوار سياسي يمني–يمني بشأن قضية الجنوب، وتأييد المساعي الإماراتية نحو انسحاب كامل يحدّ من الاحتكاكات الميدانية. هذا الدور، وفق تقديرات القاهرة، لا يهدف إلى الانحياز لطرف على حساب آخر، بل إلى منع تفكك الدولة اليمنية، والحيلولة دون فتح جبهة صراع جديدة عند أحد أكثر الممرات المائية حساسية في العالم.

القاهرة لم تتوقف عن الاتصالات مع كلٍّ من السعودية والإمارات منذ أن نشبت الأزمة قبل أسبوع تقريبًا، وفق ما ذكره مصدر مطّلع لـ"عربي بوست"، مضيفًا أن مصر تسعى لإيجاد نقاط التقاء مشتركة يمكن من خلالها تجاوز التصعيد الذي ترى بأنه "طارئ"، والعودة مرة أخرى إلى صيغة التفاهمات بين البلدين.

كما أشار المصدر، مفضلًا عدم ذكر اسمه، إلى أن مصر لديها رؤية لن تتراجع عنها ترفض من خلالها تقسيم الدول العربية وتفتيتها إلى دويلات، وفي المقابل تدرك أن وجود صراع ظاهر للعلن بين البلدين يصب في صالح مشروعات تسعى لتسريع وتيرة الانقسامات واختراق بؤر ومناطق تشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري، وتحديدًا على ساحل البحر الأحمر.

وسارعت القاهرة إلى تأييد والترحيب بالموقف السعودي بشأن عقد حوار سياسي يمني–يمني بين المكونات الجنوبية، يقول المصدر، وفي الوقت ذاته دعمت انسحاب ما تبقى من قوات إماراتية في اليمن بما يضمن عدم وجود احتكاكات مباشرة بين الجانبين. وفي الوقت ذاته، تنوّع اتصالاتها مع مختلف الأطراف العربية والإسلامية التي يمكن أن تلعب أدوارًا وسيطة بين الدولتين.

وفي النهاية، تستهدف مصر عدم وجود بؤرة جديدة للصراع في اليمن على ساحل البحر الأحمر يمكن أن تؤثر على تحركات مماثلة في إقليم أرض الصومال بعد الاعتراف الإسرائيلي، أو في السودان، مع تدخلها بوضع خطوط حمراء بما يحافظ على وجود قوى للجيش السوداني شرقًا على ساحل البحر الأحمر أيضًا.

عناصر من قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، في منطقة جبلية استعدادًا لشن عملية عسكرية - رويترز
عناصر من قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، في منطقة جبلية استعدادًا لشن عملية عسكرية – رويترز

لماذا تدفع القاهرة باتجاه تقارب عربي؟

أكد مصدر "عربي بوست" أن مصر لديها قناعة بأن التطورات الحاصلة في دول مطلة على البحر الأحمر تتطلب تقاربًا بين الدول العربية، وهي تعتمد في ذلك بشكل أكبر على السعودية التي تتضرر أيضًا من التحركات الإسرائيلية الأخيرة، وفي الوقت ذاته يتطلب الأمر تقاربًا سياسيًا مع الإمارات يضمن استمرار الاتصالات والتنسيق للحد من تلك الأخطار.

وتأخذ مصر في الاعتبار أن الوقوف الكامل إلى جانب طرف على حساب الآخر قد يكون له مردود سلبي يقيّد تحركات القاهرة والقوى العربية الأخرى التي تعمل على مواجهة التمدد الإسرائيلي.

وذكر المصدر أن اتجاه مصر نحو توسيع دائرة الاتصالات خلال الأيام الماضية مع دول مثل تركيا وسلطنة عمان والكويت وباكستان يستهدف التأكيد على أن محاولات رأب الصدع بين السعودية والإمارات تتم عبر مستويات مختلفة.

وتهدف القاهرة من وراء ذلك إلى منع اشتعال حرب داخلية أخرى في اليمن، خاصة مع الانقسام العميق في الجنوب اليمني الذي قد يعرّضه للانفصال، وهو عامل غير إيجابي يثير اضطرابات كبيرة في منطقة مهمة عند مدخل البحر الأحمر، وهو ما يرتبط بمصلحة مصر في تأمين الملاحة في قناة السويس بعد أن كادت تنتظم في أعقاب وقف إطلاق النار النسبي في قطاع غزة.

ومساعي رأب الصدع في اليمن لها علاقة مباشرة بما تسعى إليه القاهرة من تشكيل تكتل عربي إسلامي يوجه دعمًا للدول التي تتعرض لضغوط خارجية تدفعها نحو الانفصال، وتستهدف أن يكون هذا الدعم على مستويات تنموية وعسكرية، وهو أمر يحتاج إليه الصومال في الوقت الحالي.

كما تستهدف مصر أن تشكّل مع الوسطاء والمملكة العربية السعودية ضغطًا مماثلًا على الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ودفع إسرائيل نحو المرحلة الثانية، شريطة أن يكون هناك جدول زمني لانسحابها من القطاع، كما هو الحال بالنسبة لتحديد مصير سلاح حركة حماس.

طبيعة التحركات المصرية

أعلنت الرئاسة المصرية، الإثنين 5 يناير/ كانون الثاني 2026، تطابق مواقف مصر مع السعودية في شأن "ضرورة التوصل إلى حلول سلمية لأزمات المنطقة، بما يحافظ على وحدة وسيادة الدول وسلامة أراضيها، لا سيما في السودان واليمن والصومال وقطاع غزة"، وذلك في أعقاب استقبال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في القاهرة.

وشدد الرئيس المصري على "أهمية تكثيف التنسيق المصري السعودي إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك والأزمات الجارية في المنطقة"، وثمّن السيسي، حسبما نقل المتحدث باسم الرئاسة المصرية السفير محمد الشناوي، "جهود السعودية لاستضافة مؤتمر شامل يجمع المكونات الجنوبية اليمنية للحوار حول القضية".

وفي اليوم ذاته، أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالًا بالشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية الإماراتي، "وذلك في إطار التشاور والتنسيق المستمر بين البلدين الشقيقين إزاء سبل دعم العلاقات الثنائية، وبحث عدد من القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك"، بحسب بيان للخارجية المصرية.

وصرّح السفير تميم خلاف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، أن الوزير عبد العاطي أكد خلال الاتصال عمق العلاقات الأخوية التي تربط بين مصر ودولة الإمارات، وما تشهده من تعاون وثيق وتنسيق متواصل على مختلف المستويات، مشددًا على الحرص المشترك لمواصلة البناء على الزخم الإيجابي القائم وتعزيز مجالات التعاون الثنائي.

وتطرق الاتصال إلى تطورات الأوضاع في اليمن، حيث جرى التأكيد على أهمية دعم مسار التهدئة وخفض التصعيد ودعم الحوار الوطني اليمني. وشدد الوزير عبد العاطي على أهمية التوصل إلى تسوية سياسية شاملة للأزمة في اليمن عبر حوار يمني–يمني جامع.

وفي ختام الاتصال، اتفق الوزيران على أهمية استمرار التنسيق والتشاور الوثيق خلال المرحلة المقبلة إزاء مختلف القضايا الإقليمية والدولية، بما يعزز العمل العربي المشترك ويسهم في تحقيق الاستقرار في المنطقة.

لماذا يُعدّ الموقف المصري "معقدًا"؟

بحسب مصدر مسؤول في الحكومة المصرية، فإن الموقف المصري تجاه السعودية والإمارات معقد للغاية، فهناك أسس لا يمكن التنازل عنها وتتعلق بسيادة الدول وعدم تقسيمها، في حين أن المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يدعو إلى الانفصال من طرف واحد مدعوم إماراتيًا منذ سنوات عديدة، وكذلك الوضع، بمستويات مختلفة، في السودان والصومال، وهي دول توجد فيها أطراف لديها نزعة انفصالية.

وأشار المسؤول الحكومي إلى أن القاهرة لديها حسابات معقدة أخرى، إذ تدعم قوة التحالف العربي في اليمن، وهو موجه ضد الحوثيين الذين يشكلون بؤرة توتر في البحر الأحمر، لكنها ترفض أيضًا اتخاذ مواقف تُحمّل الحوثيين المسؤولية الكاملة عن هذا التوتر في ظل العربدة الإسرائيلية في قطاع غزة، رغم تأثر قناة السويس بشكل كبير.

وترى مصر، وفق المصدر، أن المسؤولية الرئيسية تقع على الاحتلال الذي يرفض الوصول إلى حلول سلمية بشأن القضية الفلسطينية، في وقت تعمل فيه مصر على الدخول كطرف وسيط للحيلولة دون اندلاع حرب جديدة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جانب، وإيران من جانب آخر.

ولفت إلى أن اشتعال الأوضاع في اليمن بسبب الخلافات السعودية الإماراتية يمكن أن يكون له تأثيرات سلبية أخرى على مصر، تتمثل في زيادة أعداد اللاجئين الفارين من الصراع اليمني، الذين توافدوا على مدار 10 سنوات ماضية، ويرى أن مصر يصعب عليها تحمّل أعباء مزيد من الفشل في الوصول إلى الاستقرار الأمني في اليمن.

كما أن مصر لديها مصلحة في أن تشكّل تحالفًا مع السعودية ودول عربية وإسلامية أخرى ضد الأطماع الانفصالية في السودان واليمن والصومال، إلى جانب الضغط على إسرائيل في قطاع غزة، لكنها في المقابل تجد صعوبة في خسارة دولة الإمارات التي لديها استثمارات ضخمة في مصر، ولديها تقارب على مستوى القيادة السياسية مع القاهرة.

لذلك، يمكن لمصر أن تسعى إلى تشكيل تكتل عربي إسلامي أوسع يضم السعودية والإمارات معًا، وهو ما يفسر حرصها على استمرار الآلية الرباعية بشأن الحل في السودان رغم التطورات الحاصلة أخيرًا. كما أن القاهرة، وهي تعمل على رأب الصدع، لا تسعى إلى أن يُثبت عليها أنها تدخلت في الشؤون الداخلية لليمن أو أي دولة جوار.

وشدد مصدر "عربي بوست" على أن القاهرة تدعم قرارات السيادة ووحدة الأراضي، وتبحث عن مداخل يمكن أن تقود إلى الاستقرار بدل تكرار الوصول إلى وضعية "الدول الفاشلة"، كما حدث في اليمن وليبيا والصومال والسودان وسوريا، مشيرًا إلى أن عدم قدرة أي من الأطراف على حسم المعارك لصالحه يؤدي مباشرة إلى تقاسم الجغرافيا.

وأشار المصدر الحكومي المصري إلى أن عواقب هذا التفتت لا تقتصر على ما يمكن وصفه بـ"الدول الفاشلة" فقط، بل يمتد أثرها إلى حدود الإقليم بأسره، وهو ما يظهر جليًا في التطورات السلبية الحالية في منطقة البحر الأحمر وتأثيراتها على الملاحة الدولية وقناة السويس.

كما أن أمن الدول المستقرة نسبيًا في المنطقة سيصبح مهددًا، وبالتالي فإن جوهر الاتصالات الأخيرة التي تقودها مصر بين السعودية والإمارات يركز على ضمان أمن واستقرار المنطقة دون الدخول في تفاصيل تقود إلى تغيير الجغرافيا السياسية لصالح إسرائيل.

لكن في المقابل، يرى محلل سياسي مصري أن القاهرة قد تتعرض لضغوط من جانب السعودية والإمارات، إذ يحاول كل طرف جذبها نحو اتخاذ مواقف داعمة له، وأن مصر ستحاول النأي بالنفس عن التقارب مع طرف على حساب آخر، وهو ما قد يؤدي إلى مشكلات مستقبلية في علاقاتها مع أي من الدولتين أو كلتيهما، ويظهر ذلك في اتخاذ مواقف وسيطة قدر الإمكان مع الحفاظ على ثوابت مثل رفض الانفصال والحفاظ على وحدة الدول.

وتصدر الملف الفلسطيني والتطورات الإقليمية في اليمن والصومال مباحثات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظرائه التركي والعماني والكويتي خلال الأيام الماضية، وبحثت الاتصالات "تطورات الأوضاع في قطاع غزة، والجهود المصرية الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار وضمان استدامته".

كما استعرض عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع نظيره التركي هاكان فيدان، التحضيرات الجارية لانعقاد أعمال الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس رجب طيب أردوغان خلال الربع الأول من العام الحالي.

وبحث عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع نظيره العماني بدر بن حمد البوسعيدي، سبل تعزيز العلاقات الثنائية المتميزة بين البلدين، وأكد أهمية التهدئة في اليمن وخفض التصعيد وتحقيق حوار يمني–يمني جامع لتسوية الأزمة بشكل شامل، بعيدًا عن أي إجراءات أحادية، وبما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار للشعب اليمني الشقيق.

وخلال اتصال هاتفي مع نظيره الكويتي الشيخ عبد الله اليحيا، أكد عبد العاطي ما يربط البلدين من علاقة أخوية راسخة، كما بحثا ملفي غزة واليمن، مؤكدين أهمية تحقيق التهدئة وخفض التصعيد وتحقيق حوار يمني–يمني جامع لتسوية الأزمة بشكل شامل.

تحميل المزيد