صندوق النقد ينصح تركيا برفع سعر الفائدة.. لكن أنقرة اعتادت على مخالفة رغباته، فلماذا؟

عربي بوست
تم النشر: 2022/11/06 الساعة 18:32 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2022/11/08 الساعة 11:38 بتوقيت غرينتش
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان/ GettyImages

على غرار رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد، يصر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على تجاهل دعوات المؤسسات الدولية لرفع أسعار الفائدة في تركيا، وآخرها صندوق النقد الدولي.

فبينما أشاد وفد من صندوق النقد الدولي خلال زيارة مؤخراً لتركيا بتعافي اقتصاد البلاد من آثار جائحة كورونا، فإنه نصح أنقرة برفع سعر الفائدة.

وتعددت دعوات جهات اقتصادية دولية لأنقرة لرفع أسعار الفائدة، ويبدو أن هذه الدعوات عادت مع اتجاه البنوك المركزية في العالم لرفع أسعار الفائدة، ولكن في المقابل، يصر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على تخفيض سعر الفائدة، ويرى أن رفعها يضر بالنمو الاقتصادي لاقتصاد بلاده المعتمد بشكل كبير على شركات القطاع الخاص، والتصدير.

ماذا قال وفد صندوق النقد الدولي؟

زار فريق من موظفي صندوق النقد الدولي أنقرة وإسطنبول خلال الفترة من 14 إلى 26 أكتوبر/تشرين الأول 2022 لإجراء مناقشات تحت عنوان مشاورات المادة الرابعة لعام 2022. والتقت البعثة بمجموعة واسعة من النظراء من القطاعين العام والخاص. غطت المناقشات أداء الاقتصاد التركي منذ جائحة Covid-19 والتحديات التي تنتظر تركيا والعالم، حسب بيان صدر من  الصندوق.

ومشاورات المادة الرابعة هي مشاورات دورية يقوم بها صندوق النقد، مع أغلب الدول بما فيها الدول الغنية، يقوم خلالها فريق اقتصادي من صندوق النقد الدولي بزيارة دولة لتقييم التطورات الاقتصادية والمالية ومناقشة السياسات الاقتصادية والمالية للبلد مع مسؤولي الحكومة والبنك المركزي.

وحث صندوق النقد البنك المركزي في البلاد على رفع أسعار الفائدة.

وأشار بيان الصندوق إلى النمو في الاقتصاد التركي انتعش بقوة نافضاً التأثير الأولي لوباء كورونا، مما يعكس قطاعاً خاصاً ديناميكياً وسياسات اقتصادية تحفيزية.

ولكنه رأى أن تخفيضات أسعار الفائدة في أواخر عام 2021 أدت إلى نقاط الضعف الحالية، وتبعها انخفاض في قيمة الليرة وارتفاع معدل التضخم.

غير أن التقرير لفت إلى أن الضغوط على الليرة في سوق العملات قد خفت بفضل خطة الرئيس التركي لحماية الودائع الجديدة (تعويض المودعين بالليرة التركية إذا انخفضت قيمتها)، ومؤخراً، من خلال مجموعة من التدابير الاحترازية الكلية والتنظيمية لاحتواء نمو الائتمان.

وأشار  التقرير إلى أن الحرب في أوكرانيا صعدت من الضغوط الاقتصادية، لا سيما من خلال ارتفاع أسعار واردات الطاقة.

صندوق النقد يدعو إلى رفع أسعار الفائدة في تركيا

لمواجهة هذه التحديات، أوصت البعثة برفع أسعار الفائدة في تركيا مبكراً مصحوبة بتحركات لتعزيز استقلالية البنك المركزي.

وقالت إنها مثل هذه التحركات ستساعد على تقليل التضخم بشكل أكثر ديمومة وتسمح بإعادة بناء احتياطيات العملة الصعبة، بمرور الوقت، خاصة في ضوء المخاطر المالية المتزايدة والتضخم المرتفع.

وقال الصندوق إنه إذا تم تنفيذ هذه السياسات ومع التحكم في التضخم، مع توفير المساعدة الموجهة للفئات الضعيفة، يجب إلغاء التدابير الاحترازية والتنظيمية الكلية، بما في ذلك حماية قيمة الودائع في المصارف، بحيث تلعب الدولة دوراً أصغر في الأسواق المالية وفي تخصيص الائتمان.

أسعار الفائدة في تركيا
مدينة إسطنبول التركية تعد مزاراً سياحياً عالمياً/Getty Images

تجدر الإشارة إلى أن برنامج حماية الودائع عزز الثقة في الليرة من قبل المواطنين، وحماهم من التراجع في قيمة العملة المحلية، ولكنه في الوقت ذاته كلف الخزينة العامة والبنك المركزي أموالاً لتعويض خسائر المودعين.

في الأسابيع المقبلة، سيعد فريق صندوق النقد الدولي تقرير مشاورات المادة الرابعة لعام 2022، والذي من المقرر أن ينظر فيه المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي في يناير/كانون الثاني 2023.

وشهد التضخم ارتفاعاً هائلاً في تركيا طوال العام. وبلغ معدل التضخم 85.5% هذا الشهر.

العديد من دول العالم ترفع سعر الفائدة

وقامت العديد من البنوك المركزية في المنطقة برفع أسعار الفائدة هذا العام، وهي الاستراتيجية التقليدية التي تستخدمها المؤسسات المالية لخفض التضخم. ومع ذلك، فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتبنى اعتقاداً غير تقليدي بأن أسعار الفائدة المنخفضة تؤدي إلى انخفاض التضخم. ويريد أردوغان -على وجه التحديد- خفض الأسعار حتى تتمكن الصادرات من تحفيز النمو الاقتصادي المحلي.

في أغسطس/آب 2022، خفض البنك المركزي التركي أسعار الفائدة من 14% إلى 13%. وبعد شهر، خفض البنك أسعار الفائدة مرة أخرى إلى 12%، حسبما ورد في تقرير لموقع  al-monitor الأمريكي.

 ومن المتوقع أن تواصل تركيا تخفيض سعر الفائدة إلى ما تحت الـ10%، حسبما أفادت تقارير محلية.

وليست هذه أول جهة دولية تطالب تركيا برفع أسعار الفائدة، فالعديد من المؤسسات المالية الغربية، وأغلبها يمثل مصالح مستثمري الأموال الساخنة طالب أنقرة برفع سعر الفائدة، وتجدر الإشارة إلى أن أغلب هذه المؤسسات كانت على الدوام تتوقع على مدار الأعوام الماضية أزمات للاقتصاد التركي، ولكن ما حدث أن الاقتصاد التركي سجل واحداً من أعلى معدلات النمو خلال فترة كورونا، وما بعدها بين دول مجموعة العشرين.

بولندا
تركيا تعاني كغيرها من الدول المستوردة للطاقة من ارتفاع أسعار النفط والغاز/رويترز

ورغم معاناة الاقتصاد التركي من ارتفاع أسعار الطاقة، حيث تعد البلاد مستهلكاً كبيراً للنفط والغاز، لم تشهد البلاد أزمات كالعديد من الأسواق الناشئة التي تستعد لطلب قروض من صندوق النقد أو طلبت بالفعل، أو تواجه شبح أزمة ديون كدولة متقدمة مثل إيطاليا، والتي حصلت على مليارات من الدولارات من القروض من الاتحاد الأوروبي.

في المقابل، فإن تركيا عانت بالفعل من معدل تضخم عال بالفعل، حيث انخفاض قيمة الليرة التركية مقابل الدولار بشكل كبير هذا العام. كان الدولار يساوي 13 ليرة في بداية العام. السعر الحالي حوالي 18 ليرة للدولار، وسجلت البلاد أعلى معدل تضخم منذ تولى حكومة حزب العدالة السلطة.

ولكن في المقابل، ما يتم تجاهله أن تركيا رفعت الحد الأدنى للأجور مرتين (وهو ما يعني واقعياً رفع كل الأجور)، خلال ستة أشهر، وكانت المرة الأولى بمعدل 50% في نهاية العام الماضي، والثانية والأخيرة، في يوليو/تموز 2022، حيث تم رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 30%، من 254 دولاراً إلى 328 دولاراً شهرياً.

لماذا يصر أردوغان على خفض سعر الفائدة؟

وعادة يفترض أن تخفيض سعر الفائدة يؤدي إلى تقليل الإقبال على السندات المالية وغيرها من الأوراق المالية الصادرة بهذه العملة، وبالتالي يحمل مخاطر بأن يجعل العملة معرضة للانخفاض، خاصة إذا كانت الأوضاع الاقتصادية والسياسية غير مستقرة.

ولكن المشكلة أن سعر الفائدة المرتفع يقلل من الاستثمارات في البلاد؛ لأنه يشجع الناس على وضع أموالهم في البنوك، ويصعب عملية الاقتراض اللازمة للاستثمار، كما أنه يؤدي لزيادة أعباء الديون على الحكومة نتيجة ارتفاع الفائدة، وتجدر الإشارة إلى أن الاقتصاد التركي لديه معدل ديون مقبول، وأقل حتى من نسب كثير من  الدول الأوروبية.

وتزداد مخاطر رفع الفائدة في حالة الاقتصاد التركي، على وجه الخصوص، لأنه اقتصاد يقوم على كتلة كبيرة من الشركات الخاصة النشطة في المجالات الصناعية والزراعية والخدمية، والتي تعتمد على السياحة والتصدير بشكل كبير.

وهذه الشركات تعتمد على السيولة التي تتوافر لها من القروض، ورفع سعر الفائدة سيترتب عليه أعباء كبيرة على هذه الشركات، ويقلل من قدرتها على التوسع في الإنتاج، بل قد تواجه مشكلة في سداد الديون، كما أن المستهلك يكون أميل لعدم الشراء والاستثمار، ويفضل إيداع أمواله في المصارف لجني الأرباح السهلة، مما يؤدي لنقص السيولة وتزايد البطالة.

كل ذلك يؤثر على نشاط الأسواق، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى تراجع الصادرات والنمو الاقتصادي، ما سينتج عنه رفع نسبة القروض لحجم الناتج المحلي، مما سيؤدي لتخفيض أكبر في وقت لاحق لسعر العملة.

وسيؤدي رفع الفائدة إلى تزايد خدمة الدين، فتضطر الدول في أغلب الأحيان إلى مزيد من الاستدانة لرد الديون إلى أن تجد نفسها أمام خيار خفض حاد ومفاجئ في عملتها.

وفي الأصل، كان لدى تركيا واحد من أعلى أسعار الفائدة على مستوى العالم، ولم يؤد ذلك إلى إنهاء مشكلة تراجع الليرة، ورأى أردوغان أن محاولة إرضاء المضاربين برفع أسعار الفائدة تضر بالاقتصاد.

ومن وجهة نظر أردوغان فإن تقوية العملة يأتي من تقوية الصادرات؛ وهو ما يتم من خلال تعزيز النشاط الاقتصادي، وأن بعض الانخفاض في سعر العملة رغم تأثيراته السلبية على المواطنين، ولكنه يقلل من أسعار المنتجات المحلية ويزيد تنافسيتها، ويقلل الواردات، الأمر الذي يؤدي إلى علاج السبب الأساسي للمشكلة وهو العجز في الميزان التجاري.

وبالفعل شهدت تركيا انتعاشة في الصادرات والسياحة وتراجعاً في الواردات، (باستثناء الطاقة التي ارتفعت فاتورة استيرادها بشكل كبير بسبب زيادة أسعار النفط والغاز جراء الأزمة الأوكرانية).

مهاتير محمد خالف صندوق النقد، فأنقذ اقتصاد بلاده

وبينما تواجَه وجهة نظر أردوغان بضرورة تخفيض سعر الفائدة هذه بانتقادات عادة، فإن زعيماً ذا شخصية مشابهة لأردوغان اتبع تكتيكات غير تقليدية ومرفوضة من قبل المؤسسات المالية العالمية، ولكنها أنقذت بلاده من أزمة اقتصادية حادة.

ففي أثناء الأزمة المالية الآسيوية في تسعينيات القرن العشرين، رفض رئيس وزراء ماليزيا السابق مهاتير محمد نصائح المؤسسات المالية الدولية -بما فيها صندوق النقد الدولي- التي تدعو لتخفيض سعر صرف العملة، وفرض سياسات اقتصادية انكماشية بما في ذلك رفع أسعار الفائدة.

وعلى العكس، ركز مهاتير محمد في ذلك الوقت على السيطرة على عمليات المضاربة على العملة الوطنية، والتحكم في سعر الصرف خلال الأزمة واتباع سياسة التوسع الاقتصادي لخلق الثقة؛ والنتيجة أن بلاده كانت أولى دول المنطقة خروجاً من أزمتها، ولم تعتمد على قروض صندوق النقد الدولي، بينما تأزم الوضع الاقتصادي بشكل كبير في إندونيسيا الدولة التي اتبعت نصائح صندوق النقد الدولي.

ومع الاختلاف في الظروف وطبيعة الأزمة، فإن أردوغان يواجه انتقادات مشابهة لتلك التي واجهها مهاتير محمد في ذلك الوقت، كما أنه يريد اتباع سياسات مشابهة تركز على تحفيز النمو عبر تخفيض سعر الفائدة.

وسبق أن أشاد الخبير الاقتصادي المصري هاني توفيق  بخطوات تركيا لتخفيض سعر الفائدة، ورفض آراء كثير من الخبراء الاقتصاديين الذي يرون أن العملة ترتفع بارتفاع الفائدة، بل يرى أن العملة ترتفع بتركيز الدولة في الاستثمار الحقيقي، وتشجيع الإنتاج وليس في استقطاب الأموال الساخنة عبر رفع سعر الفائدة، مطالباً البنك المركزي المصري باتباع سياسات مماثلة.

ويرى توفيق أن رفع سعر الفائدة في الحالة المصرية في عهد المحافظ السابق طارق عامر كان خطأً، قائلاً: "رفع سعر الفائدة كان أساساً خطأً. أنت ترفع سعر الفائدة فقط في حالة ما إذا كان التضخم ناتجاً عن الانتعاش الاقتصادي وزيادة الطلب، في حين تضخمنا نشأ عن التعويم، ورفع الفائدة في هذه الحالة يؤدي لمزيد من الركود".

وفي الحالة التركية، فإن التضخم ناشئ عن مضاربة الليرة من ناحية والتضخم المستورد من الخارج من ناحية أخرى.

وعادة يمثل انخفاض سعر العملة عملية تصحيح قسرية للاقتصاد في أي دولة.

الليرة لم تسجل تراجعاً كبيراً رغم الأزمات الأخيرة التي تعاني منها عملات كبرى

ويمكن ملاحظة أنه بعد التخفيض الكبير الذي حدث في الليرة التركية نهاية العام الماضي، ومطلع العام الحالي، فإنها لم تشهد تراجعاً كبيراً في الأشهر الماضية، رغم أنه الوقت نفسه يحقق الدولار صعوداً لم يحدث منذ عقود، كما أن أزمات متعددة لعدد من العملات حدثت خلال الأشهر الماضية بما في ذلك عملات قوية ومنافسة للدولار مثل اليورو، (الذي أصبح يساوي دولاراً واحداً تقريباً)، وكذلك الجنيه البريطاني (الذي وصل لأدنى مستوى له منذ نشأة الدولار)، وكذلك الين الياباني.

وقد تستجيب أنقرة لطلب صندوق النقد رفع سعر الفائدة جزئياً، ولكن حتى لو حدث ذلك، فإن الواقع أن سعر الفائدة في تركيا قد انخفض لنسب مقاربة للعديد من الأسواق الناشئة في العالم، ورغم التضخم الذي عانت منه البلاد، ولكنها شهدت نمواً اقتصادياً لافتاً، ولم تواجه أزمة ديون كغيرها من الدول منها دولة متقدمة مثل إيطاليا، كما رفعت الأجور بشكل كبير.

وواقعياً، رغم أنه قد يكون حدث انخفاض قيمة الأجور في تركيا عند تقويمها بالدولار، وفقاً للقيمة الاسمية، ولكن الأجور في تركيا وفقاً للقيمة الشرائية للدولار أعلى من معظم دول شرق أوروبا، وبعض دول جنوب أوروبا، وهو العامل الأهم لقياس مستوى معيشة المواطنين.

تحميل المزيد