قبل عقدين كان حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط مساهمين في تحقيق أهداف واشنطن في المنطقة بداية من الحرب على الإرهاب والدعم العلني والخفي في الحرب على العراق عام 2003 وزيادة ضخ النفط لتخفيض سعره وغيرها من طلبات واشنطن.
لكن خلال الفترة الماضية زاد نفوذ دول كبرى مثل الصين وروسيا في الشرق الأوسط على حساب مصالح واشنطن ونفوذها أيضاً في ظل انسحاب الولايات المتحدة تدريجياً من المنطقة بداية من عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما ثم خلفه دونالد ترامب.
وفي هذه الأيام يبذل الرئيس الأمريكي جو بايدن قصارى جهده لتعبئة الدعم من المجتمع الدولي ضد مناورات القوات الروسية على الحدود الأوكرانية، التي تُشير إلى غزوٍ وشيك. وقد اصطف شركاء واشنطن التقليديون مع بايدن بنسبةٍ كبيرة.
ولكن إدارة بايدن تلقت صيحة استفاقة صادمة في الشرق الأوسط، حيث يتعاطف حلفاء وشركاء الولايات المتحدة مع أوكرانيا، ويستمرون في التزامهم تجاه واشنطن، لكنهم غير مستعدين للوقوف في وجه موسكو. وهذا يعكس مدى التغيير الذي طرأ على المنطقة نتيجة قرار وضع الشرق الأوسط في مرتبةٍ أدنى على قائمة أولويات السياسة الخارجية لواشنطن، بحسب تقرير لمجلة Foreign Affairs الأمريكية.
وماذا عن إسرائيل؟
وبحسب المجلة الأمريكية ليس عليك سوى النظر إلى إسرائيل، أقرب حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، إذا أردت معرفة حجم التغيير الذي طرأ. ففي منتصف يناير/كانون الثاني، عقدت الولايات المتحدة وإسرائيل جولةً من المشاورات الاستراتيجية، مع تركيزٍ مفهوم على طموحات إيران النووية. ومع ذلك لم يأت البيان الختامي للاجتماع على ذكر أوكرانيا مطلقاً، إذ حافظت إسرائيل على صمتها الكامل منذ بدء تعبئة القوات الروسية في الخريف الماضي، باستثناء عرضٍ من رئيس الوزراء نفتالي بينيت للوساطة بين أوكرانيا وروسيا -وهي الفكرة التي رفضتها موسكو رفضاً قاطعاً.

وتتمتع إسرائيل بعلاقاتٍ وثيقة مع أوكرانيا، وخاصةً الجالية اليهودية هناك التي تقدر بنحو 300 ألف نسمة. كما أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يهودي أيضاً. لكن النقاد الإسرائيليين الذين يجادلون بأنه لا يجب التفريق بين إسرائيل والولايات المتحدة حين يتعلق الأمر باحتياجات إسرائيل الأمنية؛ أصبحوا يجادلون الآن بأن إسرائيل يجب أن تظل محايدةً في الأزمة الأوكرانية.
استياء النفط
الكويت هي الأخرى التي تتمتع بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة منذ لعب التحالف الدولي دوراً هاماً في تحريرها من غزو صدام حسين عام 1990 لم تكن مهتمة بما يفعله بادين، إذ تجنب وزير الخارجية الكويتي الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح موضوع أوكرانيا بوضوح أثناء زيارته إلى واشنطن في منتصف يناير/كانون الثاني، لإجراء حوارٍ استراتيجي مع نظيره الأمريكي أنتوني بلينكن.
في حين خيّم الصمت الواضح كذلك على مواقف حلفاء وشركاء واشنطن الاستراتيجيين الآخرين في الشرق الأوسط، إذ تعد مصر حليفاً استراتيجياً قديماً للولايات المتحدة وأحد المستفيدين من السخاء الأمريكي، لكنها تشتري الأسلحة من روسيا أيضاً وتحتاج للتعاون مع موسكو من أجل الحفاظ على استقرار ليبيا المجاورة. وليست مصر مهتمةً بالوقوف في وجه بوتين من أجل أوكرانيا، خاصةً بعد أن قرر إدارة بايدن مؤخراً الاستمرار في تعليق 130 مليون دولار من المساعدات الأمريكية لمصر بسبب عزوف النظام المصري عن منح الشعب مزيداً من الحريات. ومن هذا المنطلق، يمكن وصف التكتيكات الاستبدادية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأنها تشبه تكتيكات بوتين أكثر من القيم الديمقراطية التي تحاول إدارة بايدن يائسةً إقناع المصرية بتبنيها.

في حين تتمتع السعودية بعلاقاتٍ وثيقة مع الولايات المتحدة، إذ عادةً ما استغلت الرياض قدرتها على زيادة إنتاج النفط من أجل خفض الأسعار متى احتاجت الولايات المتحدة ذلك. لكن السعوديين لم يتعاونوا في الأزمة الأوكرانية -حتى الآن على الأقل. وفي حال غزت روسيا أوكرانيا، فمن المتوقع أن يرتفع سعر البرميل إلى 120 دولاراً. وهي أنباءٌ غير سارة في سياق جهود بايدن لوقف تضخم الاقتصاد الأمريكي قبل الانتخابات النصفية بنهاية العام الجاري. لكن يبدو أن السعودية تتمنع أمام مناشدات حليفها الأمريكي، كما تقول المجلة الأمريكية.
ويمكن القول إن السبب الرئيسي لذلك هو استياء ولي العهد محمد بن سلمان من أسلوب معاملة إدارة بايدن له. فرغم أن بايدن تجنب فرض العقوبات على محمد بن سلمان، لكنه رفض التعامل معه في الوقت ذاته موكلاً تلك المهمة لوزير الدفاع لويد أوستن. ولهذا فاض الكيل بابن سلمان بعد عامٍ واحد من هذه المعاملة، وقرر في سبتمبر/أيلول الماضي إلغاء زيارة أوستن للسعودية قبل يومٍ واحد من موعدها. في حين يشير عددٌ من مسؤولي الإدارة البارزين إلى أن بن سلمان في انتظار مكالمةٍ من الرئيس شخصياً قبل أن يفكر في الاستجابة لمناشدات الإدارة.
قادة الشرق الأوسط على قناعة بأن الولايات المتحدة لم تعُد حليفاً يُعتمد عليه
ربما يقرر بايدن رفع سماعة هاتفه لإجراء تلك المكالمة، وامتصاص ردود الأفعال السلبية من التقدميين في حزبه. ولكن ذلك لن يضمن له مطلقاً أن يكون رد فعل بن سلمان إيجابياً حينها. إذ دخلت روسيا بقوة في حساباته الآن بدرجةٍ غير مسبوقة للسعوديين خلال العقود الماضية. حيث تُصدّر روسيا حالياً نفطاً يقارب حجم صادرات السعودية، كما حصلت على دورٍ قيادي في منظمة أوبك+.
ويُذكر أن منظمة أوبك كانت خاضعةً لهيمنة السعوديين حتى ضربت الجائحة مطلع عام 2020، حين دخل بن سلمان في حرب أسعارٍ مع موسكو، وخفض سعر برميل النفط إلى قرابة الصفر. لكن ترامب تدخل ليتوسط في اتفاقية بين روسيا والسعودية. ولا شك أن الاستجابة لمطالبات بايدن الآن ستجبر بن سلمان على نقض اتفاقه مع بوتين، والتنازل عن الأرباح الهائلة نتيجة ارتفاع أسعار النفط، وهي أرباحٌ يحتاجها بن سلمان لتغذية مشاريعه الطموحة لتحديث البلاد.
ولم تكن السعودية ستتردد في الماضي، لعلمها أن مساعدة حليفها الأمريكي في وقت الحاجة هي أشبه بدفع قسط تأمين يضمن أن تهب الولايات المتحدة للدفاع عن السعودية عند الضرورة. لكن ذلك العقد انهار في سبتمبر/أيلول عام 2019، حين تعرضت منشآت النفط السعودية في البقيق لهجومٍ بصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية. وبدلاً من أن تهب الولايات المتحدة للدفاع عن السعوديين، وارب ترامب في موقفه مشيراً إلى أن الهجوم وقع ضد السعودية وليس الولايات المتحدة الأمريكية.

ولا شكَّ أن تجاهل ترامب للالتزامات الأمنية الأمريكية قد ضاعف الشكوك التي أثارها قرار أوباما بعدم عقاب نظام الأسد السوري بعد تجاوزه الخط الأحمر المعلن، حين استخدم الأسلحة الكيماوية ضد شعبه. وقد سار بايدن على نفس النهج حين أنهى "الحرب الأبدية" في أفغانستان وأعاد ما تبقى من القوات والمواطنين الأمريكيين إلى الوطن في عملية إجلاءٍ مخزية؛ مما دفع قادة الشرق الأوسط إلى التوصل لاستنتاجٍ مفاده أن الولايات المتحدة لم تعُد شريكاً يُعتمد عليه في أمن المنطقة.
إذ بدأ قادة المنطقة البحث عن بدائل لرعاية أمنهم منذ فترة في ظل تطور نهج الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط على مدار العقد الماضي، وحساسية قادة المنطقة الدائمة لتقلبات موازين القوى. وقد سارعت روسيا لمد يديها بالتدخل عسكرياً في الحرب السورية عام 2015، لإنقاذ نظام بشار الأسد. وفي الوقت ذاته كانت الولايات المتحدة تحاول تغيير النظام في مصر، وليبيا، وسوريا. ولم يفت هذا التباين في المواقف على قادة المنطقة العرب؛ حيث صارت روسيا قوةً بفعل الأمر الواقع في المنطقة، في حين كانت الولايات المتحدة هي التي تروج لعدم الاستقرار على ما يبدو.
وقت تخفيف الضغوط
لا تختلف الحسابات كثيراً بالنسبة للإسرائيليين، رغم اعتمادهم الشديد على الولايات المتحدة؛ حيث تمثل إيران تهديداً وجودياً بالنسبة لهم. وتخوض إسرائيل ما تصفه بـ"حرب ما بين الحروب" من أجل منع انتقال أنظمة الصواريخ والتوجيه الإيرانية المتقدمة إلى حزب الله في لبنان عبر سوريا، وإحباط محاولات الميليشيات المدعومة من إيران لفتح جبهةٍ أخرى ضد إسرائيل في هضبة الجولان.
ولا شك أن الوجود العسكري الروسي في سوريا يجعلها طرفاً أكبر في هذا الصراع من الولايات المتحدة، التي تحتفظ بقواتٍ محدودة شرقي سوريا لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية؛ إذ إنّ سماح القوات الجوية الروسية لنظيرتها الإسرائيلية باستخدام المجال الجوي السوري هو السبيل الوحيد المتاح أمام إسرائيل للاستمرار في قصفها الجوي للأهداف الإيرانية بسوريا. ولهذا السبب تحديداً أجرى رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو 10 زيارات إلى روسيا بين عامي 2015 و2020 لاستمالة بوتين.

ولكن في يناير/كانون الثاني من العام الجاري، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن المقاتلات الروسية والسورية نفذت دوريةً مشتركة فوق هضبة الجولان، وأن هذه الدوريات سوف تستمر. وكانت هذه بمثابة طلقةٍ تحذيرية رمزية لإسرائيل، حتى تعلم تل أبيب أن بوتين يستطيع بسهولة إنهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا إن أراد ذلك. أي أن موسكو تخبر إسرائيل بأن انحيازها علناً للولايات المتحدة في مسألة أوكرانيا سيعني دفع إسرائيل لثمنٍ استراتيجي باهظ.
واشنطن قد تضطر لفك قيودها عن ولي العهد السعودي
لا ينتقد حلفاء وشركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط جهودها المبذولة لردع روسيا عن غزو أوكرانيا، وربما يكونون على استعدادٍ للمساعدة حتى ولو هامشياً.
لكن الصمت العلني لتلك الدول في هذه الأزمة يروي الكثير عن الأوضاع الجيوسياسية الجديدة في الشرق الأوسط؛ إذ صارت روسيا طرفاً في المنطقة بعد أن ملأت جزئياً الفجوة التي خلفها الانسحاب الأمريكي. وقد يرى بعض الحلفاء الأمريكيين أن موسكو يمكن الاعتماد عليها أكثر من واشنطن. ولا سبيل للتحايل على هذه المقايضة الأساسية بالنظر إلى الواقع القائل إن صعود الصين وعدوانية روسيا يتطلبان اهتماماً أمريكياً أكبر. ولهذا سيتعيّن على بايدن تخفيف بعض الضغوطات عن شركائه وحلفائه الشرق أوسطيين، قبل مطالبتهم باتخاذ موقفٍ علني. وقد تضطر واشنطن لفك قيودها عن ولي العهد السعودي إذا كان بايدن يريد من بن سلمان خفض أسعار النفط. وقد تضطر كذلك لتخفيف ضغوطها على السعودية والإمارات لإنهاء حربهما في اليمن، وتبدأ في دعم جهودهما لردع عدوان الحوثيين المدعومين من إيران. وربما تضطر أيضاً للاستمرار في إطلاق يد إسرائيل للتعامل مع المؤامرات الإقليمية الإيرانية، رغم استعداد بايدن للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران. كما أن التعاون مع مصر في غزة وليبيا قد يصبح أولويةً أكثر من مطالبة الولايات المتحدة للسيسي بتخفيف القمع في بلاده.
ويمكن القول إن الأزمة الأوكرانية قد سلطت الضوء على معضلةٍ صعبة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. ويبدو أن العودة الجيوسياسية تُجبر إدارة بايدن على تبنّي واقعٍ جديد، رغم أنها قللت مصالحها هناك من أجل تأكيدٍ أكبر على القيم الأمريكية حسب المفترض. وبغض النظر عن النوايا الطيبة للولايات المتحدة في المنطقة؛ يبدو أن مصالحها هناك ستحظى بأولويةٍ أكبر من قيمها.