بعد تحذير بايدن لروسيا من غزو أوكرانيا.. ما خيارات أمريكا في حال أقدم بوتين على هذه الخطوة؟

عربي بوست
تم النشر: 2021/12/06 الساعة 21:58 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2021/12/06 الساعة 21:58 بتوقيت غرينتش
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين/رويترز

مع توالي التهديدات الأمريكية لروسيا من عواقب غزوها أو اعتدائها على أوكرانيا، يثور تساؤل حول خيارات واشنطن الواقعية في حال تعرض أوكرانيا لهجوم روسي.

ويتبادل الجانبان التهديدات والوعيد، حيث تحشد روسيا قوات ضخمة بجوار أوكرانيا، نافية في الوقت ذاته نيتها غزو جارتها السلافية، وفي الوقت ذاته يتحدث بوتين عن خط أحمر روسي في أوكرانيا وهو رفض انضمام أوكرانيا للناتو.

في المقابل يرفض بايدن فرض بوتين أي خطوط روسية أو بوتينية حمراء، متوعداً بمجموعة من المبادرات التي تجعل من الصعب جداً بالنسبة إلى بوتين أن يفعل ما يخشى الناس أن يفعله، حسب تعبيره.

وفي مكالمة هاتفية مع الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أكد الرئيس الأمريكي، جو بايدن، أن "الولايات المتحدة لن تتراجع عن دعمها لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها في مواجهة العدوان الروسي المستمر في دونباس والقرم"، وفقاً لبيان صدر عن البيت الأبيض.

كما جدد وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، التحذير من أن أي عدوان روسي جديد على أوكرانيا ستكون له "تداعيات خطرة".

في المقابل، حذرت روسيا حلف شمال الأطلسي (ناتو) من إرسال قوات لمساعدة أوكرانيا، وقال المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، إن روسيا سوف تتخذ "إجراءات إضافية" إذا أقدم الناتو على مثل تلك الخطوة.

واتهم بيسكوف القوات العسكرية الأوكرانية بممارسة "استفزازات" على الجبهة في شرقي أوكرانيا؛ حيث يتم انتهاك وقف هش لإطلاق النار يومياً.

ويبدو أن روسيا تريد بالأساس من هذا الحشد العسكري ضمانة من حلف الناتو بعدم ضم أوكرانيا، وهو ما يرفضه كل من كييف والغرب على السواء على الأقل بشكل رسمي.

هل تغزو روسيا أوكرانيا؟

قالت مصادر متعددة شاهدت معلومات أمريكية استخبارية السرية لموقع Axios الأمريكي إن بعض الإجراءات السرية لفلاديمير بوتين تجعلهم يعتقدون أنه أكثر جدية بشأن الغزو مما كان عليه عندما هدد أوكرانيا في أبريل/نيسان الماضي بحشد كبير للقوات.

وقال مسؤول في الإدارة الأمريكية للموقع إن حجم القوات الروسية سيصل إلى "ضعف ما رأيناه في الربيع الماضي أثناء التعزيز العسكري الروسي السريع بالقرب من حدود أوكرانيا".

وأضاف: "الخطط تتضمن تحركات مكثفة من 100 كتيبة تكتيكية مع ما يقدر بنحو 175000 فرد، إلى جانب الدروع والمدفعية والمعدات"، وتابع قائلاً:"نحن نقدر أن نصف هذه الوحدات موجودة بالفعل بالقرب من الحدود الأوكرانية".

على جبهة حرب المعلومات، تشير المخابرات الأمريكية "إلى أن وكلاء النفوذ الروس ووسائل الإعلام الموالية لموسكو بدأوا في زيادة المحتوى الذي يشوه سمعة أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي".

ويُعتقد أن بوتين قطع شوطاً كبيراً في عمليته الحكومية المكلفة بالكامل للتحضير لغزو.

ورغم أن سيناريو غزو روسي لأوكرانيا مازال احتماله محدوداً إلا أنه لا يمكن استبعاده خاصة أنه سبق لروسيا في عام 2014 أن غزت أوكرانيا، جزئياً وضمت القرم، كما ساعدت على انفصال إقليمين بشرق البلاد تسكنهما أغلبية متحدثة بالروسية.

وقال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، متحدثاً في ريغا عاصمة لاتفيا بعد لقائه مع نظرائه في حلف شمال الأطلسي، إن حشد القوات الروسية على نطاق واسع على الحدود الأوكرانية وتكتيكات الضغط الأخرى تشبه الخطوات التي اتخذتها موسكو قبل غزو أوكرانيا في عام 2014 والاستيلاء على شبه جزيرة القرم.

الآن، لقد رأينا هذا الدليل من قبل في عام 2014، عندما غزت روسيا أوكرانيا للمرة الأخيرة. ثم كما هو الحال الآن، قاموا بزيادة القوات القتالية بشكل كبير على طول الحدود. في ذلك الوقت، كما هو الحال الآن، يتم تكثيف المعلومات المضللة لتصوير أوكرانيا على أنها المعتدي لتبرير العمل العسكري المخطط له مسبقاً، حسب بلينكن.

وسيناريو الغزو الروسي لأوكرانيا قد يحدث بشكل مدبر مسبقاً من بوتين، أو نتيجة لتطور الأعمال العدائية بين الأطراف، أو كرد فعل روسي على تصعيد العقوبات الغربية ضد موسكو.

كما أنه في الأغلب سيكون غزواً جزئياً، مع عدم استبعاد إمكانية غزو شامل يهدف إلى إسقاط النظام الأوكراني الموالي للغرب، خاصة في ظل وجود قطاعات من السكان مائلين لموسكو في أوكرانيا لا سيما في الشرق.

كما أن هذا الغزو قد يكون عملاً عسكرياً رسمياً مثلما حدث في القرم أو شكل من أشكال الحروب الهجينة، كما حدث في إقليم الدونباس بشرق أوكرانيا عام 2014.

وتزداد قناعة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية بأن بوتين يفكر في القيام بعمل عسكري للسيطرة على مساحة أكبر من أوكرانيا، أو لزعزعة استقرار البلاد بما يكفي لتنصيب حكومة موالية لموسكو، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The New York Times  الأمريكية.

ويقول بعض المسؤولين الأمريكيين السابقين إن بوتين قد يكون عازماً على تأمين طريق بري بين شرق أوكرانيا المنفصل حالياً وشبه جزيرة القرم الخاضعة لحكم روسي مباشر. ويعتقد المحللون الأمريكيون أن بوتين يرى الأشهر القليلة المقبلة لحظة مناسبة للتحرك، خاصة مع انتهاء ولاية المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

خيارات أمريكا في حال غزو روسيا لأوكرانيا

خيار الحرب

رغم نبرة التهديدات الأمريكية، فإن أياً منها لا يشير إلى إمكانية اللجوء للخيار العسكري ضد موسكو في حال غزوها لأوكرانيا.

فبينما يأسف حلف شمال الأطلسي لسلوك التنمر الروسي ضد جيرانه، لا أحد من أعضائه مستعد للمخاطرة بمواجهة عسكرية مع روسيا بسبب أوكرانيا.

وأصبح من الواضح خلال الحرب القصيرة التي شنتها روسيا في جورجيا في أغسطس/آب 2008 أنه حتى الولايات المتحدة في ذروة قوتها بعد الحرب الباردة لم تكن مستعدة للمخاطرة بحرب مع روسيا.

وعندما هاجمت روسيا إقليم الدونباس في أوكرانيا وضمت شبه جزيرة القرم في عام 2014، كان الناتو غير مستعد للدفاع عن أوكرانيا وكان قلقه الأكبر يتركز على النوايا الروسية تجاه أعضاء الحلفاء أكثر من اهتمامه بحالة كييف المزرية.

لا يمتلك الناتو أي قدرة تقريباً على الدفاع عن أوكرانيا، فقبل عدة سنوات كان لدى روسيا 270 ألف جندي و700 مقاتلة نفاثة متمركزة على الحدود الجنوبية والغربية لأوكرانيا. وكما أظهرت روسيا في عام 2015 عندما أرسلت 150 ألف جندي لمحاصرة أوكرانيا، يمكن لموسكو تعبئة جيشها بسرعة في حالة نشوب صراع، حسبما ورد في تقرير لوكالة Reuters.

في غضون ذلك، أصبحت القرم قلعة روسية بعد ضمها. قامت موسكو بتحصين شبه الجزيرة بـ25000 جندي والعديد من السفن والغواصات، بالإضافة إلى صواريخها القاتلة S400 جو-أرض – وهو سلاح يمكنه إسقاط العديد من طائرات الناتو حتى مسافة 250 ميلاً.

علاوة على ذلك، كما أظهرت الحملة الروسية في سوريا، يمتلك الجيش الروسي الآن نفس النوع من صواريخ كروز ذات الاستهداف الدقيق المتقدمة التي تستخدمها الولايات المتحدة، مما يوفر سلاحاً آخر يمكن أن تنشره موسكو ضد الناتو إذا اندلعت حرب حول أوكرانيا والبحر الأسود. أخيراً- وربما الأكثر إثارة للقلق- تدعي روسيا حتى الحق في نشر أسلحة نووية في شبه جزيرة القرم.

وكشفت مناورات حربية أجريت قبل سنوات أن الناتو سيخسر حرباً في دول البلطيق لصالح روسيا في غضون 36 إلى 60 ساعة، ومن الصعب تخيل أي شيء بخلاف نتيجة مماثلة في أوكرانيا.

أوكرانيا
تدريبات للجيش الأوكراني/رويترز

كرد فعل على العدوان الروسي في أوكرانيا، أنشأ الناتو مجموعات قتالية دوارة متعددة الجنسيات في دول البلطيق مصممة لتكون بمثابة عامل لطمأنة هؤلاء الحلفاء بشأن ضمانات الدفاع الجماعي. علاوة على ذلك، ضاعف الحلف حجم قوة الرد التابعة للناتو ثلاث مرات، بما في ذلك من خلال إنشاء "قوة رأس الحربة" للرد في وقت قصير جداً. تتضمن مبادرة الردع الأمريكية الأكبر حجماً معدات جاهزة في بولندا وتدريبات عسكرية واسعة النطاق بتكلفة سنوية تتراوح بين 4.5 و6.5 مليار دولار كحجر زاوية لجهود الناتو الأوسع لردع العدوان الروسي في أوروبا.

ومع ذلك، لا تزال روسيا تتمتع بتفوق عسكري في المنطقة كما ظهر خلال المناورات الحربية التي أجرتها مؤسسة RAND والتي خلصت إلى أن روسيا ستكون قادرة على اجتياح دول البلطيق في غضون أيام قليلة ما لم ينشر الناتو المزيد من القوات الكبيرة حتى وصول التعزيزات، حسب تقرير للمجلس الأطلسي "Atlantic Council".

علاوة على ذلك، فإن القوات القتالية لحلف الناتو ليست مدربة ولا منظمة للمساعدة في العمليات الرمادية "حروب العصابات والحروب منخفضة الكثافة"، التي قد تميل روسيا إلى اختبارها مرة أخرى في شرق أوكرانيا، على غرار الوضع في عام 2014.

هل تدخل أمريكا في حرب نووية من أجل أوكرانيا؟

من الصعب تخيل أن الولايات المتحدة ستكون على استعداد لدعم التزامها بالدفاع عن أوكرانيا، من خلال نشر عشرات الآلاف من القوات الإضافية في أوروبا، في وقت توجه فيه تركيزها إلى مواجهة الصين في المحيط الهادئ.

كيف ينبغي لواشنطن أن ترد إذاً- كما هو ممكن تماماً- إذ حرضت موسكو أو قامت بعمل عمل عسكري في أوكرانيا بعد تلقي الأخيرة دعوة رسمية مفترضة للانضمام إلى الناتو؟ ماذا ستفعل واشنطن إذا وقع هجوم روسي قبل توقيع اتفاق رسمي يتضمن انضمام أوكرانيا للناتو؟

هل الولايات المتحدة مستعدة لضرب أهداف القيادة والسيطرة أو الأهداف العسكرية داخل روسيا إذا لزم الأمر عسكرياً؟ كيف سترد إذاً إذا ردت موسكو بإطلاق صواريخ على ألاسكا أو أوروبا، أو بغزو دول البلطيق؟، وما قد يترتب على ذلك من احتمال نشوب حرب نووية.

وأخيراً، هل الولايات المتحدة مستعدة للمخاطرة بتبادل نووي للدفاع عن أوكرانيا، وهو أسلوب يسمح لبعض دول الناتو بحق التصرف في الأسلحة النووية الأمريكية الموجودة على أراضيها؟

العقوبات الاقتصادية خيار أمريكا المفضل

يبدو الخيار المرجح بالنسبة للغرب في حال غزو روسيا لأوكرانيا هو العقوبات الاقتصادية.

وحذرت إدارة بايدن مؤخراً من أن الغزو الروسي لأوكرانيا من شأنه أن يؤدي إلى عقوبات أمريكية "شديدة التأثير" من شأنها أن تتجاوز أي عقوبات سبق فرضها على موسكو.

وقال وزير الخارجية الأمريكي: "لا نعرف ما إذا كان الرئيس بوتين قد اتخذ قرار الغزو". "نحن نعلم أنه يجهز قدرات جيشه لتنفيذ ذلك في وقت قصير؛ بحيث يتم التحرك إذا قرر ذلك. لذا، على الرغم من عدم اليقين بشأن النوايا والوقت، يجب أن نستعد لجميع الحالات الطارئة بينما نعمل للتأكد من أن روسيا ستعكس مسارها".

الرئيس الأمريكي جو بايدن/رويترز

وقال بلينكين: "لقد أوضحنا للكرملين أننا سنرد بحزم، بما في ذلك مجموعة من الإجراءات الاقتصادية عالية التأثير التي امتنعنا عن اتباعها في الماضي".

وقال بلينكين: "هذه هي الطريقة التي يمكننا بها العودة عن أزمة ستكون لها عواقب بعيدة المدى وطويلة الأمد على علاقاتنا الثنائية مع موسكو، وعلى علاقات روسيا مع أوروبا وعلى السلام والأمن الدوليين".

وقال الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ في وقت سابق إن روسيا ستواجه عواقب سياسية واقتصادية خطيرة إذا غزت أوكرانيا.

ما هي نوعية العقوبات المحتملة؟

وسبق أن لوَّحت الولايات المتحدة بأن واحدة من أقوى أدوات العقوبات الاقتصادية لديها هي فرض قيود على إصدار موسكو للديون السيادية، كما يمكن أن تفرض واشنطن عقوبات على قدرة روسيا على تداول الدولار الأمريكي، وسبق أن سعت موسكو بالتعاون مع الصين لإيجاد بدائل للتعامل بالدولار الأمريكي في مؤشر على قلقها من هذا السيناريو.

كما يمكن أن تفرض واشنطن عقوبات على استيراد صادرات الطاقة الروسية، مثلما فعلت مع إيران، بحيث تجبر الدول الأخرى على عدم شرائها.

ولكن مثل هذه العقوبات الخطيرة، إضافة إلى أنها يمكن أن تدفع روسيا لمزيد من التهور تجاه أوكرانيا أو دول البطليق الأعضاء في الناتو، فإنها قد تأتي في وقت حرج في عالم الطاقة خاصة بالنسبة لأوروبا؛ حيث تشهد أسعار الغاز صعوداً كبيراً ينذر بشتاء صعب للاتحاد الأوروبي الذي يعتمد على روسيا في تلبية أكثر من ثلث احتياجاته من الغاز تحديداً.

كما أن إدارة بايدن نفسها عانت من آثار ارتفاع أسعار النفط قبل عيد الشكر، الأمر الذي دفعها إلى تحرير جزء من الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي النفطي، والتلويح بفرض عقوبات على قطاع الطاقة الروسي الضخم، سواء في الغاز أو النفط كفيل، بإحداث أزمة كبيرة.

تزويد أوكرانيا بالسلاح والمساعدات العسكرية الفنية

يمكن القول إن تزويد أوكرانيا بالسلاح والتدريب، هو واحدة من أكثر الوسائل واقعية لحمايتها، لن يجعل هذا كييف قادرة على منع غزو روسي، ولكن يجعلها قادرة على جعله مكلفاً، يبدو هذا خياراً منطقياً، في ظل حقيقة أن أي دولة غربية لن ترسل أبناءها للموت في صقيع الحدود الروسية الأوكرانية، أو أن تعرض عاصمتها لاحتمال ضربة نووية روسية من أجل عودة القرم لأوكرانيا أو حماية كييف.

ولكن هذا الحل هو حل طويل الأمد، وليس خلال بضعة أشهر، ويجب أن يتم بعيداً عن الاستعراض والاستفزاز الذي يميز السلوكين الغربي والأوكراني.

والحقيقة أن إعلان بايدن عزمه تقديم 60 مليون دولار، كمساعدات عسكرية لأوكرانيا لتعزيز قوتها في مواجهة روسيا لهو أمر مضحك ومبكٍ في الوقت ذاته، فكيف تعزز هذه الأموال الضئيلة قدرة دولة متوسطة الحجم كأوكرانيا أمام دولة عظمى كروسيا؟!

في المقابل، تمنح أمريكا لإسرائيل نحو 3.8 مليار دولار، سنوياً ضد تهديد عربي أصبح غير موجود؛ بعد أن دُمِّرت أغلب الدول العربية أو أصبحت صديقة لإسرائيل، وعدو إيراني بعيد يعلم الجميع أنه لن يحارب إسرائيل يوماً، في الواقع فإن تلقي أوكرانيا جزءاً من الدلال الغربي لإسرائيل، هو كفيل بتقويتها، إذا كان الغرب صادقاً فيما يقول.

تحميل المزيد