شبكة “الأمميين”.. “عربي بوست” يتتبع نشاط حركات عابرة للحدود تحشد لجلب مقاتلين أجانب إلى سوريا للقتال مع “قسد”

عربي بوست
تم النشر: 2026/01/29 الساعة 11:57 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2026/01/29 الساعة 11:57 بتوقيت غرينتش
حركات تحشد لجلب مقاتلين أجانب إلى سوريا للقتال مع قوات "قسد" ضد الجيش السوري

تنشط شبكة من "حركات يسارية" عابرة للحدود يُعرّف منتسبوها أنفسهم باسم "الأمميين" (internationalist)، وتستخدم منصات رقمية لنشر دعوات علنية تحضّ مقاتلين أجانب حول العالم على التوجه إلى شمال شرق سوريا والانضمام إلى "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والقتال إلى جانبها ضد الجيش السوري، بحسب ما توصل إليه استقصاء لـ"عربي بوست".

تزامنت هذه الدعوات مع بدء الجيش السوري عملية عسكرية في 14 يناير/ كانون الثاني 2026 لاستعادة السيطرة على أراضٍ كانت "قسد" تسيطر عليها في غرب نهر الفرات، قبل أن تمتد المواجهات لاحقاً إلى مناطقها في شرق الفرات، حيث خسرت "قسد" أجزاءً واسعة لصالح الجيش السوري.

يرصد الاستقصاء المعتمد على المصادر المفتوحة، البنية الرقمية لهذه الحركات وطبيعة خطاباتها، إذ تتبنى أفكاراً اشتراكية، وموقفاً حاداً مناهضاً لتركيا، وأمريكا، على الرغم من أن واشنطن حليفٌ رئيسيٌّ لـ"قسد"، إلى جانب تمجيد بعض منشوراتها لشخصيات ارتبطت بارتكاب أعمال عنف في أوروبا، كما تُظهر المعطيات أن "قسد" تشجّع نشاط "الأمميين"، وتستوعب آخرين ضمن صفوفها.

من هم الأمميون؟

يتكون "الأمميون" من مجموعات منتشرة في دول عدة حول العالم، ويحملون أفكاراً يسارية ذات طابع اشتراكي، ويرفعون شعار "مناهضة الفاشية"، ويظهر في خطاباتهم تبنٍّ واضح لأفكار عبد الله أوجلان، زعيم حزب "العمال الكردستاني"، المُدرج على لوائح الإرهاب في العديد من دول العالم، كما تتبنى حملات تطالب بإخراجه من السجن.

تعود البدايات الأولى لعلاقة "الأمميين" بسوريا إلى العام 2014، عقب الهجوم الواسع الذي شنّه "تنظيم الدولة" (داعش) على مدينة عين العرب، وما أعقبه من دعوات لاستقدام مقاتلين أجانب للقتال إلى جانب القوات الكردية في مواجهة التنظيم.

ومع تدفّق متطوعين من دول مختلفة من عام 2014 وما بعده، ومشاركتهم لاحقاً في معارك أخرى مثل الرقة ومنبج، أخذ مفهوم "الأمميين" يترسخ أكثر بكونه إطاراً جامعاً لهؤلاء المقاتلين الأجانب داخل الأراضي السورية.

يُظهر تتبّع نشاط "الأمميين" أنهم انخرطوا في تشكيلين رئيسيين داخل بنية القوات الكردية، وهما "وحدات حماية الشعب" (YPG) و"وحدات حماية المرأة" (YPJ)، كما يظهر حضورهم بشكل متكرر ضمن وحدة متطوعين تُعرَف باسم YPG-International، التي تمتلك منافذ إعلامية على منصات التواصل، وتعرض باستمرار فيديوهات وصوراً لمقاتلين أجانب توثق مشاركاتهم في القتال داخل سوريا.

ورغم غياب أرقام دقيقة عن أعداد المنتسبين أو البلدان التي قدموا منها، فإن معلومات منشورة في المصادر المفتوحة تقدم مؤشرات على اتساع انتشارهم وتعدد جنسياتهم، ففي مادة تعريفية عن "الأمميين" منشورة في موقع "مكتبة الأناركيين"، يرد أنهم ينحدرون من مناطق متعددة تشمل أوروبا وأمريكا وأفريقيا وآسيا والشرق الأوسط وأوقيانوسيا.

كما يظهر تعدد جنسياتهم من خلال موقع يتبع لأحد الحركات اليسارية التي تحشد لجلب المقاتلين الأجانب إلى سوريا، خصص صفحة تنشر صور قتلى "الأمميين" الذين قُتلوا في صفوف قوات قسد، وكان من بينهم مقاتلون من ألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة وفرنسا، إضافة إلى جنسيات أخرى.

الأمميين قسد سوريا
مقاتلون أممييون قُتلوا في صفوف قسد – منصات تتبع لحركات يسارية تحشد لجلب مقاتلين أجانب إلى قسد

يجاهر بعض "الأمميين" بمشاركتهم العلنية في القتال إلى جانب "قسد"، وينشرون على شبكات التواصل ما يوثق انخراطهم في القتال بسوريا، فيما يتعمد آخرون إخفاء هوياتهم، خشية الملاحقة من قبل سلطات بلادهم، أو في حال قرروا العودة إلى بلدانهم.

دعوات لـ"الأمميين" للقدوم إلى سوريا

تتبّع "عربي بوست" سلسلة دعوات وجهها "الأمميون" عقب المواجهات في شمال شرق سوريا، حثّوا من خلالها مقاتلين أجانب على التحرك والتوجه إلى المنطقة والانضمام إلى صفوف "قسد".

قاد هذا التتبع إلى تحديد شبكة تضم ما لا يقل عن 8 قنوات على تطبيق "تلغرام" مرتبطة بـ"الأمميين"، تولت نشر الدعوات وبيانات التعبئة بلغات متعددة، أبرزها الإنجليزية والألمانية والإسبانية، إلى جانب حضور موازٍ على منصات X وإنستغرام ويوتيوب.

الأمميين قسد سوريا
شبكة من القنوات على تلغرام واللغات التي ينشرون بها، وهي مرتبطة بـ"الأمميين" الذين يحشدون لجلب مقاتلين أجانب للقتال مع "قسد في سوريا – عربي بوست

وأظهرت مقارنة المحتوى المنشور على هذه القنوات نمطَ عملٍ متقارباً؛ إذ تتبادل إعادة نشر المواد فيما بينها، وتكرر في أحيان كثيرة نشر المقاطع نفسها أو البيانات نفسها، ما يعكس سعياً لتوسيع دائرة الوصول وتعميم خطاب واحد على نطاق أوسع.

وتزامنت دعوات "الأمميين" إلى الأجانب للقتال في سوريا مع إعلان "الإدارة الذاتية" في شمال شرق البلاد "النفير العام" لمواجهة الجيش السوري، وهو ما انعكس سريعاً في مواد مرئية بدأ "أمميون" يتداولونها على منصاتهم.

فخلال الأيام التي تلت إعلان النفير، بدأت تنتشر مقاطع يظهر فيها أشخاص بوجوه مخفية يتحدثون بلغات أجنبية، في مقدمتها الإنجليزية، ويعلنون الانضمام إلى التعبئة العامة، مع دعوة آخرين إلى الالتحاق.

في أحد هذه المقاطع، ظهر مقاتل يخفي وجهه ويقول إنه "بصفتنا شباباً أمميين، قررنا الانضمام إلى التعبئة العامة، للدفاع عن روج آفا"، في إشارة إلى التسمية التي تستخدمها "قسد" لمناطق سيطرتها في شمال شرق سوريا.

وفي 20 يناير/ كانون الثاني 2026، ظهر مقطع آخر لمجموعة مقاتلات أخفين وجوههن، قرأت إحداهن بياناً باللغة الإنجليزية تضمّن دعوة صريحة للتوجه إلى مناطق الشمال الشرقي والقتال إلى جانب "قسد".

كذلك، في تسجيل منفصل، ظهرت فتاة محاطة بأخريات يخفين وجوههن ويرفعن علم "وحدات حماية المرأة"، وقدّمت نفسها بوصفها ضمن "أمميين" موجودين في شمال شرق سوريا، ودعت "الأمميين" الآخرين إلى القدوم إلى مناطق "قسد" والانضمام إلى النفير العام.

وفي 27 يناير/ كانون الثاني 2026، نشرت قناة على "تلغرام" تغطي نشاط "الأمميين" في شمال شرق سوريا صورة ظهر فيها ثلاثة أشخاص، أُخفي وجها اثنين منهم بعلمي البرازيل وليتوانيا، في إشارة إلى البلدين اللذين ينحدران منهما.

وكتبت القناة على الصورة باللغة البرتغالية: "من البرازيل إلى الصفوف الثورية في روج آفا. أنا في روج آفا منذ فترة مع رفاق أمميين آخرين".

مقاتلان أجنبيان من "الأمميين" متواجدان في مناطق سيطرة "قسد" شمال شرق سوريا – تلغرام

ويُظهر البحث في أرشيف دعوات "الأمميين" للقتال إلى جانب "قسد" أن هذه النداءات ليست جديدة؛ إذ تعود دعوات مماثلة إلى ما قبل المواجهات الأخيرة مع الجيش السوري.

ففي 3 يناير/ كانون الثاني 2025، أي بعد 26 يوماً فقط من انهيار نظام الأسد، نشر موقع إلكتروني يغطّي نشاط "الأمميين" حول العالم دعوة صادرة عن حركات يسارية، حثّت فيها "الأمميين" على التوجه إلى "روج آفا" و"الدفاع عنها بالسلاح".

تفتح دعوات الالتحاق سؤالاً عن المسارات التي يسلكها المقاتلون الأجانب للوصول إلى مناطق سيطرة "قسد"، خصوصاً مع قدوم بعضهم من أوروبا وأمريكا خلال السنوات الماضية.

تشير شهادات سابقة لمتطوعين تحدثوا عن تجاربهم إلى أن العبور كان يتم، في حالات كثيرة، عبر إقليم كردستان العراق باتجاه أقصى الشمال الشرقي السوري، حيث تبرز المنطقة الحدودية الفاصلة بين الإقليم ومناطق سيطرة "قسد" بوصفها نقطة عبور متكررة في هذه الروايات.

وتعزو هذه الشهادات اختيار هذا المسار إلى طبيعة الجغرافيا والسيطرة على الطرق المحيطة؛ إذ تقع تركيا شمال مناطق  "قسد"، فيما تمتد غرباً مناطق سورية خارجة عن سيطرة "قسد"، ما يجعل الوصول المباشر أكثر تعقيداً.

ووفق ما يرويه بعض المقاتلين الأجانب في رواياتهم، كانوا يسافرون أولاً إلى إقليم كردستان، ثم يعبرون باتجاه الأراضي السورية عبر مواقع حدودية رخوة، قبل أن يتسلّمهم هناك عناصر من قوات "قسد"، يقومون بتأمين مساكن لهم، ويسهّلون انضمامهم إلى القوات العسكرية.

أفكار "الأمميين"

خلال تتبّع محتوى الحركات اليسارية المؤيدة لـ"قسد"، رصد التحقيق في بعض منشوراتها إشادةً بشخصيات ارتبط نشاطها السياسي بأعمال عنف، من بينها أولريك مينهوف، الصحفية الألمانية التي انتقلت من الكتابة إلى النشاط المسلح.

وفي منشور لإحدى أكثر هذه الحركات نشاطاً في الدعوة لجلب المقاتلين الأجانب إلى سوريا، وردت إشادة بمينهوف بوصفها من مؤسسي جماعة " الجيش الأحمر" في ألمانيا (RAF)، المعروفة أيضاً باسم "مجموعة بادر– مينهوف"، نسبةً إلى مينهوف، وأندرياس بادر، الذي شارك في تأسيس الجماعة أيضاً عام 1970، قبل أن يتم حل التنظيم عام 1998.

وارتبط اسم مينهوف خلال سبعينيات القرن الماضي بعمليات تفجير في ألمانيا الغربية ومقر الفيلق الخامس التابع للجيش الأمريكي في ألمانيا الغربية. واعتُقلت مينهوف عام 1972، ثم وُجدت ميتة شنقاً في زنزانتها عام 1976، وفق الرواية الرسمية الألمانية.

قناة على تلغرام تتبع لحركة يسارية تدعو المقاتلين الأجانب للقدوم إلى سوريا والقتال مع قسد، تشيد بالألمانية مينهوف التي أسست الجيش الأحمر في ألمانيا – تلغرام

ويظهر في أرشيف بعض منتسبي الحركات اليسارية المؤيدة لـ"قسد" انتقالٌ من التأييد السياسي إلى العنف في أوروبا، ففي عام 2016 أعلن يساريون أنهم "فجّروا عبوة ناسفة" في مصنع لشركة "لافارج" في سويسرا، على خلفية تقارير تحدثت عن دفع الشركة أموالاً شبيهة بـ"الضرائب" لتنظيم "الدولة الإسلامية" في سوريا مقابل استمرار عمل فرعها هناك.

كذلك، يتكرر حضور عبد الله أوجلان في خطاب هذه الحركات وحملاتها؛ إذ أظهر تتبّع محتوى الحركات حملاتٍ شارك فيها أنصار حركات يسارية في دول عدة، من بينها إيطاليا وألمانيا والبرازيل و"ويست بابوا" وفرنسا، للمطالبة بالإفراج عنه.

في حملة أخرى نظّمتها فتيات يعرّفن أنفسهن باسم "الشابات الأمميات" في أغسطس/ آب 2025، دُعي إلى الانضمام لحملة تهدف إلى "مقابلة أوجلان".

في حملة أخرى نظمتها فتيات يسمين أنفسهن بـ"الشابات الأمميات" في أغسطس/ آب 2025، دعين إلى المشاركة في حملة من أجل مقابلة أوجلان، داعين إلى الانضمام إليهن.

وللتوضيح، لا يقتصر حضور "الأمميين" على القتال أو حمل السلاح؛ إذ يشارك بعضهم في أنشطة مدنية وإنسانية وتعليمية دعماً للمناطق التي تسيطر عليها "قسد" في شمال شرق سوريا.

ويثير مصير المقاتلين الأجانب في صفوف "قسد" تساؤلات متزايدة مع التطورات المتسارعة في شمال شرق سوريا، ولا سيما بعد خسارة "قسد" مساحات واسعة وتراجع نطاق سيطرتها إلى جيوب محدودة في محافظة الحسكة، إضافة إلى احتفاظها بمنطقة عين العرب في ريف حلب المحاذي للحدود التركية.

ومن المقرر، وفق تفاهمات تتحدث عن دمج مقاتلي "قسد" بشكل فردي ضمن الجيش والشرطة وإعادة إدماج مؤسسات الإدارة المحلية ضمن إطار الدولة، وهنا يبرز السؤال الذي يضع ملف "الأمميين" في قلب المشهد، فما الذي سيؤول إليه وضعهم وهم خارج معادلة "الاندماج" المحلية.

الأمميين قسد سوريا
مناطق سيطرة "قسد" (المُظللة بالأصفر) قبل هجوم الجيش السوري وبعده –  Syria Liveuamap
تحميل المزيد