يكشف تتبّع رقمي أجراه "عربي بوست" عن أدلة مدعومة بالصور والفيديوهات، تُظهر عناصر من فلول جيش نظام بشار الأسد يقاتلون في صفوف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرق سوريا، كما يكشف عن استقطابها أيضاً لمدنيين رافضين للحكم الجديد في البلاد، لتقوم "قسد" بتسليحهم ووضعهم على خطوط الجبهات.
يستند هذا الاستقصاء الذي يوثق انضمام الفلول إلى قسد، إلى أدلة مفتوحة المصدر، جرى جمعها عبر تتبّع وفحص حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، تعود إلى مقاتلين سابقين في جيش الأسد ومدنيين، وثّقوا بأنفسهم وتفاخروا بانضمامهم إلى "قسد".
وأتاحت الصور ومقاطع الفيديو التي نشروها، والتي جرى تحليلها والتأكد من صحتها، تحديد التشكيلات العسكرية الرئيسية داخل "قسد" التي انضم إليها هؤلاء، والتي تأتي قوات "الكوماندوس" التابعة لقسد في مقدمتها. كما مكّنت الأدلة من تحديد أماكن تواجدهم داخل مناطق سيطرة قسد، حيث جرى الاستعانة بصور الأقمار الصناعية لتحديد المواقع بدقة.
كان لافتاً أن العديد من حسابات الفلول والمدنيين المنضمين إلى قسد قد أُغلقت بالكامل، أو حُذف منها الصور والفيديوهات التي توثّق وجودهم مع قسد، بالتزامن مع تقدّم الجيش السوري في مناطق غرب وشرق الفرات التي كانت تحت سيطرة قسد.
كما تجدر الإشارة إلى أنه خلال إعداد هذا الاستقصاء بدأت تظهر العديد من الفيديوهات لاعتقال الجيش السوري عناصر من الفلول ومدنيين من مناطق الساحل وأرياف حماة، كانوا يقاتلون مع قسد، وتم توقيفهم خلال المعارك التي شهدها شمال شرق سوريا خلال اليومين الماضيين.
وخلال الفترة التي أعقبت انهيار نظام الأسد بالكامل يوم 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، برزت مناطق سيطرة قسد كمناطق تواجد لفلول النظام، مع تسجيل تزايد حضورهم بعد الأشهر الأولى من هروب الأسد إلى روسيا. وتشير الأدلة إلى أن قسد استقطبت وحمت مطلوبين للسلطات السورية الجديدة، على خلفية انتهاكات نُسبت إليهم خلال قتالهم إلى جانب النظام منذ اندلاع الثورة عام 2011.
مقاتلون يحملون مشروعاً انفصالياً
يُظهر تحليل المنشورات التي عُثر عليها في حسابات الفلول المتواجدين داخل مناطق سيطرة قسد أنهم يتبنّون، من هناك، مشروعاً لإقامة إقليم منفصل في الساحل السوري، ويروّجون لأفكار مفادها أن قسد ستكون الجهة التي ستساعدهم على الوصول إلى الساحل والعمل على إقامة هذا الإقليم.
من بين هؤلاء ضابط سابق في جيش الأسد يمتلك حساباً على فيسبوك باسم "الفيلق العلوي". وبالاطلاع على منشوراته والتعليقات التي كتبها، يذكر صاحب الحساب أنه كان برتبة رائد، وأن اسمه "علي ذو الفقار".
يشارك هذا الضابط الآن في حماية مواقع قسد داخل مدينة "عين العرب" (كوباني)، بحسب ما كتبه في منشور يوم 20 يناير/ كانون الثاني 2026، وذلك في الوقت الذي تخسر فيه قسد مساحات واسعة من المناطق التي كانت تسيطر عليها، إثر المواجهات مع الجيش السوري.

في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2025، كان الضابط قد نشر مقطع فيديو، ومن خلال الاعتماد على صور الأقمار الصناعية، جرى تحديد موقع ظهوره داخل مناطق قسد، إذ تبيّن أنه كان يقود سيارة على أطراف مدينة "عين العرب"، على مسافة تبعد نحو 700 متر فقط من الحدود مع تركيا.

كما نشر الضابط مقطع فيديو آخر صوّره بنفسه داخل "عين العرب"، وأظهر تحديد موقع التصوير ظهوره عند مستشفى الأمل، أثناء مشاركته في تشييع أحد قتلى قوات قسد، ممن قُتلوا خلال المواجهات التي شهدها حي الشيخ مقصود في حلب، والتي اندلعت مطلع يناير/ كانون الثاني 2026 بين الجيش السوري ومقاتلين يتبعون لقسد.

وتُظهر صور نشرها علي ذو الفقار ارتداءه الزي العسكري الذي يرتديه مقاتلو قسد، كما ظهر داخل إحدى الغرف المخصّصة لتجهيز نعش مقاتل من قسد قُتل خلال المعارك، إضافة كتابته لمنشور كان يتفاخر فيه بالانضمام إلى قوات قسد.


ظهر الضابط أيضاً في مقطع فيديو نُشر بتاريخ 2 يناير/ كانون الثاني 2026، تحدّث فيه عن تقدّم عسكري مرتقب لقوات قسد، وعن الاعتراف بما وصفه بـ"مجلس عسكري" خاص بمنطقة الساحل، مروّجاً لفكرة إنشاء "إقليم" في الساحل السوري.
وفي فيديو آخر للضابط علي، تحدّث فيه عن وجود صلات قوية بينه وبين "سرايا الجواد"، وهو تشكيل يُعد واحداً من عدة تشكيلات أعلن عنها فلول النظام خلال الأشهر الماضية لمواجهة الحكم الجديد في سوريا. ويؤكد الضابط في الفيديو أنه على تواصل مع قائد "سرايا الجواد"، التي سبق أن أعلنت تبنّيها شنّ هجمات ضد الجيش السوري، كما يذكر في منشور إلى وجود ضباط معه داخل مناطق سيطرة قسد.

من جيش الأسد إلى قسد
قاد تفحّص الحسابات التي كانت تتفاعل مع المنشورات التي ينشرها الفلول على حساباتهم في فيسبوك إلى الكشف عن عناصر آخرين كانوا من مؤيدي الأسد، وباتوا اليوم مقاتلين في صفوف "قسد".
برز من بين هذه الأسماء مصطفى سفر، الذي يملك عدداً من الحسابات على شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة. فعلى فيسبوك، كان لديه ما لا يقل عن حسابين، أُغلق أحدهما بالكامل يوم 19 يناير/ كانون الثاني 2026، فيما حُوِّل الحساب الثاني إلى خاص، بحيث لم تعد منشوراته متاحة للجميع.
وقبل إغلاق مصطفى حساباته، جرى أرشفة الصور ومقاطع الفيديو التي تُظهر تواجده مع قسد. ولا يزال له حساب نشط على منصة "تيك توك"، يمكن الاطلاع على محتواه حتى صباح اليوم الثلاثاء 20 يناير/ كانون الثاني 2026.
وفي حساب له على إنستغرام، نشر مصطفى صورة له في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 من داخل قطعة عسكرية تابعة لقسد، ظهر فيها مرتدياً الزي العسكري لقوات "الكوماندوس" التابعة لها. كما نشر صورة أخرى على حسابه في فيسبوك يظهر فيها شعار القوات نفسها.

في صور أخرى، ظهر مصطفى من دون لثام، وفي إحداها كان يحمل علم قوات "قسد"، وفي أخرى ظهر مرتدياً شعار قوات "الكوماندوس".

وامتلأت حسابات المقاتل بمقاطع فيديو كشفت عدداً من الوقائع، من بينها أنه كان سابقاً ضمن المنظومة العسكرية لنظام الأسد. إذ ظهر في فيديو نشره في سبتمبر/ أيلول 2024، قبل سقوط الأسد، برفقة مقاتلين سابقين في جيش النظام. كما يُظهر محتوى حسابه تواجده مؤخراً في مدينة الرقة قبل أن يستعيد الجيش السوري السيطرة عليها، فيما لا يزال مصير مصطفى غير معروف حتى الآن.

وفي مقاطع فيديو أخرى نشرها أثناء تواجده مع قسد، أشار صاحب الحساب إلى أنه ليس الوحيد من عناصر النظام السابقين الموجودين ضمن صفوف قوات قسد، وزعم أن مقاتلين من "لواء درع الساحل"، الذي يقوده مقداد فتيحة، يشاركون أيضاً مع قسد.
ويُعد هذا اللواء من بين التشكيلات التي قادت هجمات فلول النظام في مارس/ آذار 2025 في الساحل السوري. غير أن التحقيق لم يعثر على أدلة أخرى تؤكد صحة ادعاء مصطفى بشأن مشاركة عناصر من "درع الساحل" في صفوف قسد.
مقاتل يهدد بتفجير نفسه
في شبكة الحسابات التي جرى تتبّعها، برز حساب لشخص باسم "علي سلطانه"، أنشأ حسابه يوم 2 يناير/ كانون الثاني 2026، وبدأ منذ ذلك الحين بنشر صور ومقاطع فيديو تُظهر وجوده ضمن صفوف "قسد". ووفق ما دوّنه صاحب الحساب، فإنه ينحدر من إحدى مناطق الساحل السوري.
وفي أحدث منشوراته، التي نُشرت يوم 19 يناير/ كانون الثاني 2026، بالتزامن مع مواجهات بين مقاتلي قسد والجيش السوري، ظهر علي في مقطع فيديو قال فيه إنهم على استعداد لتفجير أنفسهم في عناصر الجيش السوري في حال وصولهم إليهم. كما طالب في المقطع نفسه عائلات المقاتلين المنضمين إلى قسد والمنحدرين من الساحل بعدم إبلاغ السلطات السورية بأن أبناءهم يقاتلون في صفوف قسد.
وفي مقطع فيديو آخر نشره علي ثم حذفه لاحقاً، أشار إلى أنه كان موجوداً في حي الشيخ مقصود، وقال إنه تعرّض لإصابة وتعافى منها. ووفقاً لما ورد في روايته، فإن ظهوره بعد أحداث الشيخ مقصود قد يشير إلى احتمال أنه كان من بين مقاتلي قسد الذين جرى إخراجهم من الحي بموجب اتفاق بين قسد والسلطات السورية.
كما يُظهر مقطع فيديو إضافي أن علي يقاتل ضمن قوات "الكوماندوس" التابعة لقسد، إذ ظهر مرتدياً الزي الخاص بهذه القوات، من دون أن يذكر أو يشير إلى مكان تواجده الحالي.

من الملاعب إلى خطوط القتال
لا يقتصر الانضمام إلى صفوف قسد على الفلول العسكريين، إذ أظهر التتبّع أن مدنيين لا تُظهر حساباتهم أي ارتباط سابق بجيش الأسد باتوا يقاتلون ضمن صفوف "قسد"، وهو ما يشير إلى تحوّل قسد إلى إطار جامع لمدنيين رافضين للحكم الجديد في سوريا ومستعدين لمواجهته عسكرياً.
يبرز في هذا السياق حساب باسم "زين غانم"، المنحدر من الساحل السوري، والذي عمد إلى حذف عدد من المنشورات التي كانت توثّق وجوده مع قسد، وذلك بعد خسارة الأخيرة مساحات واسعة من مناطق سيطرتها خلال اليومين الماضيين، لكننا احتفظنا سابقاً بنسخ من هذه المنشورات قبل حذفها.
وتُظهر الصور ومقاطع الفيديو المنشورة على حسابات زين أنه خريج كلية الحقوق ولاعب كرة قدم سابق، وهو ما تؤكده الصور التي يظهر فيها ضمن نادي حطين. كما لم يُعثر في محتوى حساباته على ما يشير إلى أنه كان عنصراً سابقاً في جيش الأسد.
يذكر صاحب الحساب أنه يقيم حالياً في مدينة القامشلي، كبرى مدن محافظة الحسكة الخاضعة لسيطرة قسد. وكان قد نشر عبر خاصية "القصص" في فيسبوك صوراً متعددة له مرتدياً الزي العسكري الخاص بقوات قسد قبل أن يحذفها لاحقاً، وفي إحدى هذه الصور ظهر وهو يرتدي اللباس العسكري الذي عادة ما يرتديه مقاتلو قوات الكوماندوس التابعة لقسد.
وفي صور أخرى، ظهر زين غانم برفقة مقاتل مكشوف الوجه، وعلى بدلته العسكرية شعار قوات قسد وشعار قوات الكوماندوس، وهو ما يُرجّح انضمام زين بدوره إلى قوات الكوماندوس التابعة لقسد.

وبرزت مسألة انضمام مدنيين إلى قسد بوضوح عقب قضية الشابة "إيفرا الصالح"، المنحدرة من محافظة حمص، والتي تداولت حسابات على شبكات التواصل الاجتماعي، روايات تفيد بتعرّضها للاختطاف. غير أنها ظهرت لاحقاً في مقطع فيديو نفت فيه تعرّضها للاختطاف، وأشارت إلى انضمامها إلى صفوف قوات قسد، قبل أن تنشر على حسابها في فيسبوك عدداً من الصور التي تؤكد ذلك.

مقاتلون بأسماء مستعارة
خلال بحثنا في شبكة حسابات المقاتلين في قوات قسد الذين انضموا إليها بعد سقوط نظام الأسد، جرى الوصول إلى عدد من الحسابات التي اختار أصحابها لها أسماءً مستعارة، كما تعمّدوا إخفاء وجوههم، لكنهم لم يخفوا تأييدهم السابق لبشار الأسد أو المناطق التي ينحدرون منها.
من بين هذه الحسابات، حساب باسم "أشهب الديب"، ويبدو من خلال الصور التي نشرها أن صاحب الحساب على معرفة بـ"مصطفى سفر" الذي جرى الحديث عنه قبل قليل، إذ يظهر المقاتلان في صورة واحدة وهما يغطيان وجهيهما، فيما يظهر صاحب الحساب في صورة أخرى بجانب علم قوات "قسد".

كذلك يظهر حساب آخر على إنستغرام باسم "h__313__aprahem"، نشر صاحبه صوراً له خلال تواجده مع قوات قسد، وكان لافتاً في هذا الحساب احتواؤه على فيديوهات قديمة، فيها تبجيل لبشار الأسد ولقتلى جيش النظام، إلى جانب فيديوهات ترويجية لما يطلق عليه الفلول "إقليم الساحل".

اعتقال فلول في صفوف قسد
خلال إعدادنا لهذا الاستقصاء، كانت المعارك تتصاعد بين الجيش السوري وقوات قسد في مناطق غرب الفرات وشرقه، قبل أن تهدأ وتيرتها بعدما استعاد الجيش السوري السيطرة على كامل مناطق غرب الفرات، وسيطر على معظم المناطق التي كانت تسيطر عليها قسد شرق الفرات.
انتهت المواجهات بموجب اتفاق توصل إليه الرئيس السوري أحمد الشرع مع قائد قوات قسد، مظلوم عبدي، ينص على دخول القوات الحكومية إلى مناطق شرق الفرات، وأن تتسلّم المعابر الحدودية التي كانت تسيطر عليها، وأن تندمج قوات قسد في الجيش السوري على شكل أفراد.
وخلال فترة المواجهات، بدأت تظهر تفاصيل جديدة تسلّط الضوء على حجم مشاركة فلول ومدنيين مع قوات قسد، إذ ألقى الجيش السوري القبض على العديد منهم؛ بعضهم عسكريون كانوا يقاتلون مع قسد واستسلموا خلال المعارك، فيما زعم آخرون أنهم انضموا إلى قسد للعمل في مهام إدارية، وقالوا إنهم في الأصل مدنيون وليسوا عسكريين.
وتحدّث بعض الذين أوقفهم الجيش السوري بعد انضمامهم إلى قسد بأنهم انضموا إليها رغبة في الحصول على المال.
تشير المعطيات المرتبطة بتجنيد الفلول في صفوف قسد إلى أن جزءاً من المنضمين هم من فلول العسكريين الذين بقوا في المناطق التي سيطرت عليها قسد عقب سقوط نظام الأسد، حيث كانت تنتشر قطع عسكرية قبل الانهيار في تلك المناطق، ولم يُسلِّم عدد من هؤلاء العسكريين أسلحتهم بعد انهيار النظام، قبل أن يظهروا لاحقاً ضمن صفوف قسد.
إلى جانب ذلك، تُظهر عملية التتبّع أن قسد عملت على استقطاب مدنيين وعسكريين من فلول النظام القادمين من مناطق الساحل السوري، حيث ينتقل هؤلاء عبر مسارات تنقّل متعددة بين عدد من المدن، وصولاً إلى مناطق سيطرة قسد، قبل أن يُدمجوا في صفوفها ويُستخدموا في مهام قتالية مختلفة.
ولا توجد حتى اللحظة أرقام دقيقة بالكامل لعدد مقاتلي الفلول الذين انضموا إلى قسد، لكن تقديرات غير رسمية تُشير إلى أن عددهم بالآلاف، ولا يشمل هذا التقدير المدنيين الذين توافد بعضهم من محافظات الساحل السوري إلى قسد، وأصبحوا مقاتلين في صفوفها.