كارلوس الثعلب.. ألَّف كتاب «الإسلام الثوري» وتسلل من المعسكر الشيوعي لدعم القضية الفلسطينية.. تعرف على الفنزويلي الذي حكمت عليه فرنسا بالسجن مدى الحياة

عربي بوست
تم النشر: 2018/08/14 الساعة 12:49 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/08/14 الساعة 12:49 بتوقيت غرينتش

تردد اسمه في السبعينيات والثمانينيات في أروقة الأجهزة الأمنية الغربية أكثر من سواه، ورأى نفسه ثائراً ورآه العالم إرهابياً محترفاً، بل اعتبره البعض الرمز الأول للإرهاب في العقود الخمسة الأخيرة، وسمّاه البعض "الإرهابي الأسطوري"، وسبقت أعماله العنيفة الإرهاب المربوط بالإسلام في وقتنا المعاصر والتي نفذها في أكثر من مكان في العالم، وناضل في أكثر من جبهة وقفز من معسكر إلى آخر تاركاً خلفه خليطاً من الدمار ومطاردات أجهزة الأمن، وتحقيقات الصحافة التي كانت السبب في تسميته الشهيرة "كارلوس الثعلب".

ترك الجامعة وانضم إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.. مَنْ يكون "كارلوس الثعلب"؟

اسمه الحقيقي هو "إيلتش راميرز سانشيز" فنزويلي المولد في أكتوبر/تشرين الأول عام 1949 بالعاصمة الفنزويلية كاراكاس لأب عمِل بالمحاماة وتبنى الفكر الشيوعي الماركسي، وتلقى "سانشيز" الابن تعليمه الأساسي في إحدى مدارس فنزويلا التي تبنت الفكر الثوري الشيوعي، الأمر الذي انعكس بالتبعية على فكره في صباه، وعمل مع والدته في مجال العمل الاجتماعي الذي يندرج تحت مظلة السياسة الشيوعية.

ساعدت حياة أبويه الميسورة في التحاقه بإحدى المدارس التمهيدية البريطانية بفنزويلا، وبينما انتقلت أسرته للعيش في لندن التحق بإحدى جامعات العاصمة الروسية موسكو بهدف دراسة الكيمياء، وكانت تلك بداية متاعبه مع إدارة الجامعة لانخفاض مستواه التحصيلي، فترك الحياة الأكاديمية بعد تأثره بالفكر النضالي الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي، وانضم إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1970 بدعوة من الفلسطيني جورج حبش، أحد ممثليها، ولم يمض أكثر من عام حتى تلقى "سانشيز" تدريبه القتالي والعسكري في الأردن وأتقن العديد من اللغات، وكرّس نفسه لخدمة القضية الفلسطينية؛ ونظراً لجذوره اللاتينية أعطته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الاسم الحركي "كارلوس".

مِن محاولة اغتيال صاحب "ماركس آند سبنسر" في لندن إلى معاونة الجيش الأحمر في باريس

كانت أولى عمليات "كارلوس" في لندن عام 1973 عندما اتجه لتنفيذ مخطط لاغتيال رجل الأعمال والمليونير اليهودي "جوزيف إدوارد سيف"، رئيس وصاحب سلاسل محلات الأزياء الشهيرة "ماركس آند سبنسر"، والعضو الشرفي في المجلس الصهيوني البريطاني، فقد اتجه "كارلوس" إلى منزله ملثماً ومسلحاً بمسدس محشو، واقتحم منزل "سيف" وسط لندن وأطلق عليه النار وأصابه، لكنه فرّ من مكان الحادث بعدما انحشرت أجزاء مسدسه دون سابق إنذار.

كارلوس الثعلب أثناء محاكمته عام 2000 في باريس
كارلوس الثعلب أثناء محاكمته عام 2000 في باريس

بعد فراره واختبائه لفترة بدأ يخطط لعملية أخرى لمساعدة منظمة "الجيش الأحمر الياباني" الشيوعية الإرهابية، في حادث احتلال السفارة الفرنسية في هولندا عام 1974، عندما احتل أفراد تابعون للمنظمة اليابانية مبنى السفارة واحتجزوا عدداً من الرهائن مقابل إطلاق سراح أحد أفراد المنظمة المقبوض عليه في فرنسا.

في الوقت نفسه كان "كارلوس" ينفذ هجوماً بالقنابل اليدوية على أحد مقاهي العاصمة الفرنسية باريس لإكمال الضغط على السلطات الفرنسية، وهو الهجوم الذي تسبب في مقتل شخصين وإصابة آخرين، وفرّ دون أن يُقبض عليه مستغلاً حالة الفزع والارتباك إثر الانفجار.

هجوم "العال" وبداية الثأر الفرنسي

قامت مجموعة مكونة من ثلاثة مسلحين في مايو/أيار عام 1975، بالهجوم على طائرة رابضة بمطار "أورلي" في باريس تابعة لخطوط طيران "العال" الإسرائيلية وفتحوا النار تجاهها، لكن تصدى لهم ضابط من قوات أمن المطار وقتلهم، وبعد فتح تحقيق من جانب أجهزة الأمن الفرنسية قُبض على لبناني مشتبه في تورطه بالهجوم يدعى "مايكل مخربل"، عضو في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي وافق على الاعتراف على الجماعة المعاونة له في تنفيذ الهجوم، وقاد ضابطين فرنسيين إلى شقة في ضواحي باريس وعندما ذهبت قوة الأمن برفقة "مخربل" كان "كارلوس" في انتظارهم، بل ورحب برجال الأمن بعدما تعرفوا عليه، لكنه باغتهم وفتح النار عليهم وقتل ضابطين ولقي "مخربل" مصرعه أيضاً، ثم نجح "كارلوس" في الفرار.

ذلك الحادث هو ما جعل أجهزة الأمن الفرنسية تضع اسم "كارلوس" على قائمة أكثر المطلوبين، وبدأت الاستخبارات الفرنسية بمعاونة أجهزة الأمن الداخلي حملة موسعة للإيقاع به ونشر تفاصيل عنه في فرنسا وإنكلترا، وكانت تلك الحملة بداية لتسميته "ابن آوى" أو "الثعلب"، إذ عثرت السلطات البريطانية أثناء تفتيشها أحد مقار إقامة "كارلوس" في لندن على رواية بوليسية انتشرت وقتها بعنوان "The Day of the Jackal" أي "يوم الثعلب"، التي ألفها الكاتب البريطاني "فريدريك فورسيث"، وكانت تلك التفصيلة سبباً في تسمية صحيفة الغارديان البريطانية لكارلوس بـ"الثعلب".

العملية الكبرى وترك صفوف الجبهة

جاءت أشهر العمليات التي ارتبطت باسم "كارلوس الثعلب" في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه 1975، وتحديداً في العاصمة النمساوية فيينا عندما اقتحم كارلوس ومجموعة مكونة من خمسة آخرين مقر اجتماع وزراء النفط الأعضاء في منظمة "الدول المصدرة للبترول- أوبك"، وقتلوا حارسي أمن ومستشار اقتصادي ليبي، واحتجزوا ما يقرب من 90 رهينة من بينهم 10 وزراء تابعين لدول أعضاء منظمة "أوبك".

وبدأوا المساومة بعدها مع أجهزة الأمن على طلب طائرة للفرار، وبعد إطلاق سراح بعض الرهائن أُعدت له طائرة مدنية اصطحب فيها كارلوس ومجموعته 42 رهينة على متنها واتجه إلى الجزائر؛ إذ وفرت الحماية له هناك من جانب السلطات الجزائرية، وبعد نشر التحقيقات في القضية تبين أن كارلوس ورفاقه طلبوا فدية قدرها 50 مليون دولار سُلمت لهم قبل إقلاع الطائرة، وبعدها بعام أعلن كارلوس انتهاء علاقته بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1976.

نهاية ثوري مُحترف

عاش كارلوس بعد ذلك حياة غير مستقرة مليئة بأفكار خططها بنفسه لنصرة الكفاح العربي، وأسَّس منظمة سمَّاها منظمة الكفاح العربي المسلح، والتي لم تلق الدعم الكافي، وتزوج بعدها من ألمانية تُدعى ماجدلينا كوب، وانتقل إلى سوريا في الثمانينيات وقرر أن يتقاعد عن العمل الذي أصرَّ هو نفسه على تسميته بأنه عمل ثوري، وانعدمت أنشطته تقريباً حتى جاءت إحدى اللحظات الفاصلة في حياته عام 1994، عندما حُدد مكانه في السودان بواسطة أجهزة الاستخبارات الفرنسية.

محامي
محامي "الثعلب" أثناء محاكمته في مارس/آذار من العام الماضي محاطًا بالصحفيين

وحسبما صرح كارلوس عام 2015 فقد دخل إلى السودان بجواز سفر دبلوماسي يحمل الجنسية الألمانية؛ نظراً لشدة الضغوط من الولايات المتحدة على حكومة الأردن لتسليمه، وبعد دخوله إلى السودان عام 1993 مكث فيها لمدة عام، حتى تاريخ القبض عليه في 14 أغسطس/آب عام 1994، إذ أكد لاحقاً أن حكومة السودان قد باعته، وساعدت الأمن الفرنسي في تخديره واختطافه ثم ترحيله إلى فرنسا، بينما تناقلت الصحف وقتها تصريحاً لأحد المسؤولين السودانيين شرح خلاله موقف الحكومة السودانية قائلاً: "نحن استقبلناه مناضلاً يقاتل من أجل القضية الفلسطينية وأهداف سامية، لكنه تحول إلى مشاغب يتصرف من دون حياء ويُفرط في تعاطي الكحول ومعاشرة النساء، وبما أن وجوده أصبح يمثل تهديداً لنا فقد سلمناه من دون أي أسف، وبسبب سلوكه لا يستطيع أي أحد أن يلومنا على ذلك".

وسُلم كارلوس بالفعل إلى الفرنسيين ورُحِّل إلى فرنسا وهناك حُوكم لأول مرة عام 1997 بعدة تهم، أهمها مقتل ضابطين فرنسيين واللبناني مايكل مخربل عام 1975، ومقتل شخصين وإصابة 34 في عمليتي تفجير مقهى باريس بخلاف تهمة ممارسة الإرهاب، وحكم عليه بالسجن المؤبد ونُسبت إليه فيما بعد العديد من التهم الأخرى التي نفاها كارلوس، وقد وصف نفسه أثناء محاكمته الأخيرة بأنه "ثوري محترف".

وفي عام 2001 اعتنق الإسلام وألَّف كتاباً أثناء سجنه أطلق عليه اسم "الإسلام الثوري"، تبنى من خلاله الدفاع عن استخدام العنف في أوقات ضرورية بعينها، ودعم نشاط تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن الذي كان اسمه قد بدأ في الصعود بقوة عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001.

وتكررت على مدى العقدين الأخيرين عدة محاكمات لكارلوكس والتي تأخرت إما لطول فترات التحقيقات، أو طلبات الطعون التي قدمها محاميه، لكن جميعها أيدت الأحكام السابقة عليه التي وصل مجموعها إلى ثلاثة أحكام بالسجن مدى الحياة كان آخرها عام 2017.