هل جماعة الإخوان المسلمين كروية أم مسطَّحة؟

الإخوان حالياً وهم في وضع أصعب من أيام عبدالناصر يعيشون حالياً دون قاطرة فكرية تنظر للواقع وتتفاعل معه، كما كان يحدث أيّام عبدالناصر، وأقصى ما هناك أن يتم استدعاء الماضي من كلام المفكرين القدامى لإسقاطه على الواقع وتفسيره من خلالها.

عربي بوست
تم النشر: 2016/09/23 الساعة 02:28 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2016/09/23 الساعة 02:28 بتوقيت غرينتش

تعيش جماعة الإخوان المسلمين في مصر محنتها العظمى في أعقاب الانقلاب العسكري، التي تتجاوز بمراحل الفترة الناصرية التي مثّلت أولى المحن التي تعرض لها التنظيم.

في عهد عبدالناصر امتازت الجماعة حينها بوجود عدد من المفكرين الكبار الذين استطاعوا أن يعيد إنتاج مشروع الجماعة الفكري والحضاري بدرجات متفاوتة، سواء بإعادة تأصيل أفكار الإمام الشهيد حسن البنا، أو بتقديم أفكار جديدة لمشروعه الفكري.

كان من هؤلاء وقتها المفكر الكبير سيد قطب والشيخ الغزالي وعودة وسيد سابق والقرضاوي وغيرهم.
بكل تأكيد كان هناك خلاف وصراع على هذه الأفكار التي حملها هؤلاء، وخاصة سيد قطب، وهذا من طبيعة الأفكار التأسيسية أنها تصنع جدلاً وزخماً حولها حتى تستقر لدى الجماهير أو قطاعات منها، فالسخونة والجدلية من سماتها وليس من عيوبها.

الإخوان حالياً وهم في وضع أصعب من أيام عبدالناصر يعيشون حالياً دون قاطرة فكرية تنظر للواقع وتتفاعل معه، كما كان يحدث أيّام عبدالناصر، وأقصى ما هناك أن يتم استدعاء الماضي من كلام المفكرين القدامى لإسقاطه على الواقع وتفسيره من خلالها.
إن أيّ متتبع للتاريخ يلحظ أن التغييرات الكبيرة والمفصلية في حياة الشعوب دائماً ما تأتي من إيمانها بفكرة مركزية قاطرة تعيد صياغة علاقتها مع نفسها ومع عالمها -الرأسمالية نموذجاً- ثم تأتي بعد ذلك الاستراتيجيات والتفاصيل.

وهذه الفكرة المركزية قد يصوغها شخص أو مجموعة وليس هذا أو ذلك مقياس نجاحها، ولكن قدرتها على التأثير في المجتمع وصبغها له هو المعيار لتأثيرها وديمومتها بغض النظر عن صوابيتها أو خطئها.
منهج المعتزلة في التاريخ الإسلامي نشأ على فكرة مركزية واحدة هي "العقل يسبق النقل"، ثم تمت صياغة كل الأفكار التابعة، بناء على الفكرة المركزية هذه.. فتجدهم يؤولون الحديث الصحيح بما يخضع لمنطقهم العقلي، ويردون غالب الأحاديث بحجة وجود خلل في الرواية، كل هذه استدراكات للحفاظ على جوهر فكرة أن العقل يسبق النقل.

والفكرة المركزية في المجتمع المسلم لا بد أن تكون محكومة بمنطق الشرع وكليات الإسلام، ورغم أن هذا هو الأصل فإن ذلك لم يمنع من ظهور الخوارج في تاريخ الإسلام أصحاب فكرة "الحاكمية لله"، وعدهم الصحابة من أكثر الناس عباداً حتى قال عنهم ابن عباس -رضي الله عنهما- يصفهم حينما دخل عليهم لمناظرتهم: "دخلت على قوم لم أرَ قط أشد منهم اجتهاداً، جباههم قرحة من السجود…".

ورغم عبادتهم هذه فإنهم على مستوى "الفكرة" قد ضلّوا وخرجوا من الإسلام في حكم جمهور العلماء رغم أنه الأكثر قياماً وصوماً وقراءة للقرآن!! وسببت الأفكار التأسيسية المنحرفة لهذه المدرسة محناً للإسلام حتى الآن.

ما أردته من هذا المثال هو التأكيد عن أن الشعوب تحتاج في كل دورة حياة لها إلى مجموعة من الأفكار التأسيسية التي تجدد لها وعيها وإدراكها لنفسها وللعالم، وصوابية أو خطأ هذه الأفكار هو ما يحرك المجتمع يمنة ويسرة.
وإذا لم يتصدَّ أحد لإنتاج هذه الأفكار فلن ينتظر المجتمع أحداً، وستفرز التفاعلات الحاصلة في الشعوب تحت وقع المحن وتتابعها أفكار تأسيسية قد لا تكون هي الأصوب وسيندفع خلفها المجتمع بحثاً عن الخلاص في أمل جديد وفكرة جديدة يراهن عليها بعد تجاوز الواقع الأفكار التي اعتاد عليها وعاش في ظلها عشرات السنين.

لقد كانت الأرض في نظر الكنيسة في القرون الوسطى "مسطحة"، وحكمت بالهرطقة على كل من يخالف ذلك مثل جاليليو، في حين قال ابن حزم إنها كروية، وقال: "لو كانت الأرض مسطحةً لكان لها أطراف يقع الإنسان عند أحدها" وبالدليل النقلي بالآية الكريمة: "يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل"، ورغم ذلك كان هناك معارضة شرسة لفكرة كروية الأرض.
هذه الفكرة التأسيسية حول نظرتنا إلى موقعنا في العالم احتاجت إلى تضحيات كبيرة في الغرب قبل ما يقارب الأربعمائة عام.

الإمام البنا عرّف جماعة الإخوان المسلمين بأنها هيئة إسلامية جامعة إلى آخر التعريف، وهذه الفكرة هي أهم فكرة للجماعة عن نفسها فهي "هيئة – تنظيم" و"إسلامية – المرجعية" "جامعة – الشمولية" هذه هي الفكرة المركزية للإخوان في رؤيتها لنفسها كتنظيم إسلامي يتبنى شمولية الفهم والحركة للإسلام.

تحتاج الجماعة لكي تصوغ فكرتها المركزية في المرحلة الحالية أن تراجع الفكرة الأصلية في الجانب الحركي وليس التأصيلي، فالشمولية من خصائص الإسلام ذاته التي لا يمكن التنازل عنها، بينما الحركة له هي اجتهاد بشري قابل للمراجعة فقد يكون التخصص مع عظم المسؤوليات وجثامة المحنة هو واجب المرحلة، وقد تكون شمولية الحركة عبئاً مقعِداً عن الحركة ذاتها.
لذلك تحتاج أي فكرة مركزية حالية إلى مراجعة مدى ملاءمتها للمرحلة وقد نصل في النهاية إلى بقائها أو تغييرها، لكن لا بد من جعلها الرافعة للمشروع كاملاً، فمثلاً:

هل الإخوان حركة ثورية أم جماعة دعوية إصلاحية أم حزب سياسي أم حركة تحرر وطني؟
هل شمولية الإسلام والفكرة تعني بالضرورة شمولية الحركة والتأثير؟
هل النظام الحالي مسلم أم علماني أم ماذا؟
هل النظام الحالي هو نظام وطني ولكنه فاشي وفاسد أم نظام عميل للغرب ينفذ أجندته؟
هل الصراع مع النظام صراع وجودي أم سياسي؟
هل هي حرب على الإسلام أم على التنظيمات الإسلامية؟
هل الصراعات الدموية في المنطقة حالياً هدفها إعادة تقسيم المنطقة أم إعادة الأوضاع إلى ما قبل ثورات الربيع العربي؟
هل مواجهتها بالقوة والسلاح ضرورة واجبة أم الانسحاب من المواجهة لتقليل الخسائر؟

هناك عشرات الأسئلة التي تعد منطلقاً هاماً لبناء الفكرة أو الأفكار التي تعيد صياغة العقل وترسم الطريق، وبدونها سنظل نشتبك على التفصيلات ونتصارع مع الأحداث اليومية ونستهلك ذهنياً وبدنياً ونفسياً وربما نكتشف في النهاية أن هذا لم يكن هو الطريق على الإطلاق أو أنه أفضل الطرق.
إن الأفكار التأسيسية هي ضرورة واجبة للمشروع وللأمة وللجماعات والأفراد، وهي ليست سراً يخفى -إن وُجدت- بل من الواجب أخلاقياً وقيمياً أن تكون معلنة للناس بكل وضوح؛ ليحددوا مواقفهم ومصائرهم عليها، ويشعروا أنهم جزء من فكرة يستطيعون الرهان عليها والتضحية من أجلها عن طيب خاطر.

"أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم" (الآية).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
تحميل المزيد