صرَّح مسؤولون إيرانيون وعراقيون لموقع Middle East Eye البريطاني، الإثنين 14 مارس/آذار 2022، بأنَّ الهجوم الصاروخي الباليستي الذي استهدف أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق المتمتع بحكم ذاتي، كان بمثابة رد على هجوم إسرائيلي سابق على مصنع للطائرات المسيَّرة الإيرانية في مدينة تبريز بإيران.
حيث قالوا إنَّ الإشارات إلى أنَّ الهجوم كان مرتبطاً بمفاوضات تشكيل الحكومة العراقية بعيدة عن الصواب. وكان 12 صاروخاً باليستياً قد أُطلِقت من الأراضي الإيرانية تجاه العراق عند نحو الساعة الواحدة صباح الأحد. وقال مسؤولون أكراد إنَّ معظم الصواريخ أصابت مزرعة على بُعد 30 كم شمالي أربيل.
الحرس الثوري يقصف أربيل
فيما تبنَّى الحرس الثوري الإيراني المسؤولية عن الهجوم. وزعم الحرس الثوري أنَّ الصواريخ استهدفت مواقع للموساد الإسرائيلي في أربيل، قائلاً إنَّ الأمن والسلم الإيرانيَّين "خطٌّ أحمر" لا يُسمَح لأحد بتهديده.
كما صرَّح مسؤول إيراني رفيع للموقع البريطاني بأنَّ الضربة كانت رداً على هجوم إسرائيلي سابق انطلق من كردستان العراق على مصنع للطائرات المسيَّرة شمال غربي مدينة تبريز الإيرانية قبل بضعة أسابيع، وتقع واحدة من أهم القواعد الجوية التكتيكية الإيرانية في تبريز.
فيما لم يذكر المسؤول مزيداً من التفاصيل بشأن هجوم تبريز المزعوم، لكنَّ وسائل الإعلام الإيرانية أفادت في الأسابيع الأخيرة، بوقوع انفجارين كبيرين في المدينة.
حيث وقع الأول في 4 فبراير/شباط 2022، بمبنى مكون من ثلاثة طوابق في منطقة يوسف آباد شرقي تبريز. وقالت السلطات المحلية آنذاك إنَّ سبب الانفجار ليس واضحاً وإنَّ ثلاثة أشخاص على الأقل قُتِلوا وتضررت خمسة مبانٍ.
كما وقع الثاني في 8 مارس/آذار 2022، وأثَّر على عدة مبانٍ بمنطقة أحمد آباد، وخلَّف أربع إصابات. وقالت السلطات المحلية مجدداً إنَّ السبب غير واضح.
تكهن بأن الغاز هو سبب الانفجار!
في السياق ذاته فقد ظهر تكهُّن في تلك الفترة يفيد بأنَّ تسرُّباً للغاز هو السبب وراء الانفجار. لكنَّ الصور المنشورة في وسائل الإعلام الإيرانية أظهرت دماراً واسعاً في كلا الحادثين، وهو ما لا يتسق مع حدوث تسرب للغاز.
فيما قالت السلطات الكردية إنَّه لم يسقط ضحايا في الهجوم الصاروخي الذي وقع يوم الأحد. لكنَّ مسؤولاً إيرانياً قال إنَّ ضابطين إسرائيليين قُتِلا في الضربة.
الصواريخ محل الأزمة استهدفت منطقة تقع قرب العديد من المباني التي ماتزال قيد الإنشاء وتعود إلى القنصلية الأمريكية. وتضررت أيضاً محطة Kurdistan 24 التلفزيونية والعديد من المنازل القريبة. وكانت كل المباني المتضررة تقع في المجمع نفسه.
في حين لحقت أكبر الأضرار بفيلا كبيرة مؤلفة من طابقين في مزرعة تقع قرب المجمع. وتعود ملكية الفيلا إلى الشيخ باز رؤوف كريم، مدير شركة KAR Group (مجموعة كار غروب)، ويقع المقر الرئيسي للشركة الخاصة في أربيل، لكن للمجموعة أيضاً فروع بتركيا والأردن والإمارات والولايات المتحدة.
في سياق متصل يقول مسؤولون عراقيون إنَّ الشركة مملوكة لعائلة مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق السابق، وهو أيضاً والد رئيس وزراء الإقليم وعم رئيس الإقليم الحاليين.
استهداف الأمن القومي الإيراني
من جانبه قال الحرس الثوري إنَّ الموساد استخدم المواقع المُستهدَفة في الهجوم لإدارة وشن عمليات تستهدف الأمن القومي الإيراني، لكن لم يظهر دليل يدعم هذه الفرضية وقال الشيخ باز رؤوف كريم إنَّ منزله لا يحتوي شيئاً إلا ذكريات للعائلة.
في حين نفى مسؤولون أمريكيون الزعم بأنَّ الموساد كان يستخدم الفيلا.
كما صرَّح مسؤول أمريكي مقيم في العراق لموقع Middle East Eye: "تقع الفيلا في المجمع نفسه الذي تقع فيه القنصلية الأمريكية الجديدة، وهي موقع مفتوح تسهل مراقبته، وما يزال موقعاً قيد الإنشاء يوجد فيه العشرات من عمال البناء".
المسؤول الأمريكي كذلك قال في تصريحاته للموقع البريطاني: "هناك كثير من الغموض الذي يلف المسألة. فليس واضحاً ما إذا كان الحرس الثوري الإيراني قد أخطأ الهدف أم أنَّ الهدف كان إرسال رسالة باستهداف هذه المواقع".
في الأزمة نفسها، يعتقد المسؤول الأمريكي أنَّ هذا الاحتمال الثاني هو الأرجح. وقال: "وصلت الرسالة".
لكن مسؤولين إيرانيين، وقادة فصائل عراقية مسلحة مدعومة من إيران، ومسؤولين عراقيين مقربين من طهران قالوا للموقع البريطاني إنَّ هجوم أربيل لم يكن "اعتباطياً" أو "انفعالياً"، وقالوا إنَّه على الرغم من معرفة إيران منذ أسابيع بأنَّ الموقع كان "مقراً" للموساد، جرى إرجاء الرد على هجوم تبريز، بسبب التقدم الإيجابي في المباحثات النووية مع الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى في فيينا.
توقف مفاوضات فيينا
من ناحية أخرى فقد توقفت مفاوضات فيينا، الجارية منذ 11 أسبوعاً، الجمعة 11 مارس/آذار 2022، عقب تقديم مطالب روسية جديدة، ومصادرة الولايات المتحدة شحنات نفط إيرانية، وحدوث تحول مزعوم في المواقف من جانب واشنطن.
المسؤول الإيراني قال لموقع Middle East Eye: "كان مخططاً شن الهجوم قبل أسابيع، لكنَّ الخوف من التأثير على سير المفاوضات كان هو العقبة". وأضاف: "الحرس الثوري الإيراني ليس مقتنعاً بجدوى هذه المفاوضات أو جدية الأمريكيين في منح إيران ما تريده. إنَّهم (الحرس) يعتقدون أنَّهم كانوا صبورين للغاية ومنحوا الاطلاعات (جهاز المخابرات الإيراني) ما يكفي من الوقت لتنفيذ الأمور بطريقتهم".
فيما قالت مصادر للموقع البريطاني إنَّ مصادرة الولايات المتحدة لناقلة نفط في جزر البهاما، ورفضها الإفراج عنها برغم المطالبات الإيرانية، قد زادا غضب قادة الحرس الثوري من مسؤولي المخابرات الإيرانية، وقال أحد المسؤولين إنَّ ذلك قد "منحهم دافعاً للتصعيد".
تشكيل الحكومة العراقية
رواية أخرى تتعلق بالهجوم، وهي إن تكهُّنات كثيرة خرجت بعد فترة وجيزة من الهجوم تفيد بأنَّ الصواريخ كانت مرتبطة بعملية تشكيل الحكومة العراقية.
إذ يعمل الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة بارزاني مع مقتدى الصدر، رجل الدين الشيعي النافذ الذي برز باعتباره الفائز الأكبر في انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2021، لتشكيل ائتلاف برلماني واسع من شأنه تهميش كل أو معظم الفصائل المدعومة من إيران.
حيث نظر البعض إلى الصواريخ باعتبارها رسالة للحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يسيطر على أربيل وحكومة إقليم كردستان، تحذره بألا يُقصي الأحزاب المدعومة من إيران من الحكومة المقبلة.
لكنَّ مسؤولين إيرانيين وعراقيين وغربيين يستبعدون هذا الدافع، فقال قيادي سياسي عراقي كبير مقرب من إيران لموقع Middle East Eye: "الهجوم الأخير لا يتعلق بالتدافع السياسي داخل العراق بقدر ما يتعلق بما يجري في فيينا".
كما أضاف: "أرسل الإيرانيون رسائل عدة في هجومهم: واحدة لإسرائيل، وثانية للولايات المتحدة، وثالثة لتركيا، والرابعة لقادة إقليم كردستان، إذا ما رغبوا في اعتبارها كذلك".
تركيا جزء من الخلاف!
مسؤولان أمريكيان آخران تحدثا عن الأمر نفسه وقالا إنَّ تركيا على الأرجح جزء في الخلاف، بسبب شائعات مشاركتها في لقاء محتدم حاول فيه السفير الروسي لدى العراق إقناع المسؤولين الأتراك والقطريين بعدم مساعدة الغرب في تنويع مصادره من الطاقة بعيداً عن الغاز الروسي عقب غزو أوكرانيا.
حيث إن إيران وروسيا حليفتان، ولو أنَّ هذه الشراكة تتعرض لضغوط بفعل المطالب الروسية الجديدة في فيينا.
فيما أضاف القيادي السياسي العراقي الكبير: "قالوا (الإيرانيون) بوضوح لإسرائيل والولايات المتحدة إنَّ مصالحهما وحلفاءهما في مرمى النيران الإيرانية، وإنَّ الوقت حان كي يستعيد الحرس الثوري الإيراني عجلة القيادة من جهاز المخابرات الإيراني".