من السجن إلى القصر.. هكذا رسخ فوز فاي بالرئاسة صورة السنغال كواحة للديمقراطية في أفريقيا

عربي بوست
تم النشر: 2024/03/29 الساعة 11:50 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2024/03/29 الساعة 11:50 بتوقيت غرينتش
رئيس السنغال المنتخب خرج من السجن إلى القصر/ رويترز

في منطقة شهدت 8 انقلابات خلال 4 سنوات، تحولت السنغال إلى واحة للديمقراطية في غرب أفريقيا بعد فوز مرشح المعارضة الشاب في انتخابات أجبر الرئيس على إجرائها، فما القصة؟

كانت السنغال قد شهدت يوم الأحد 24 مارس/آذار 2024، انتخابات رئاسية شارك فيها 19 مرشحاً، وذلك بعد أسابيع من الشك والفوضى في أعقاب قرار الرئيس ماكي سال تأجيل الانتخابات التي كان موعدها الأصلي يوم 25 فبراير/شباط؟

فوز مرشح المعارضة برئاسة السنغال

جرت الانتخابات في مناخ هادئ وشارك فيها ملايين الناخبين لاختيار الرئيس الخامس للسنغال، وذلك بعد ثلاث سنوات من الاضطرابات السياسية غير المسبوقة التي أثارت احتجاجات عنيفة مناهضة للحكومة وعززت الدعم للمعارضة.

وكان أمام الناخبين 19 مرشحاً تنافسوا على خلافة الرئيس ماكي سال الذي يترك منصبه بعد فترة ولاية ثانية شابتها اضطرابات عنيفة بسبب محاكمة زعيم المعارضة عثمان سونكو، ومخاوف من أنه يرغب في تمديد ولايته بما يتخطى الحد الدستوري. ولأول مرة في تاريخ السنغال لا يشارك رئيس في المنصب في الانتخابات. واختار الائتلاف الحاكم رئيس الوزراء السابق أمادو با (62 عاماً) مرشحاً له.

ويحق لنحو 7.3 مليون ناخب الإدلاء بأصواتهم من بين سكان السنغال البالغ عددهم نحو 18 مليون نسمة.

ويوم الأربعاء 27 مارس/آذار، قالت محكمة الاستئناف في دكار إن مرشح المعارضة باسيرو ديوماي فاي حصل على أكثر من 54 بالمئة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية في السنغال، فيما حصل مرشح الائتلاف الحاكم أمادو با على 35 بالمئة، وأضافت المحكمة أن النتائج استندت إلى إحصاء كامل للأصوات في جميع مراكز الاقتراع، بحسب رويترز.

من هو باسيرو ديوماي فاي؟

ولد باسيرو ديوماي فاي يوم 25 مارس/آذار 1980 لأسرة متواضعة ببلدة ندياجانياو، وهي بلدة تقع في غرب السنغال وتتبع إقليم تييس، ثاني أكبر أقاليم السنغال. وتلقى تعليمه في المراحل الدراسية الأولى في بلدة ندياجانياو، وأكمل تعليمه الثانوي في ثانوية ديمبا ديوب بمدينة امبور، ثم أكمل تعليمه العالي بجامعة الشيخ أنتا جوب (كبرى الجامعات السنغالية) وحصل منها على "المتريز" (الإجازة) في تخصص القانون.

وعام 2004 نجح في الحصول على وظيفة في وزارة المالية، فتلقى تكوينه بالمدرسة الوطنية للإدارة في دكار، وبعد 3 سنوات تخرج مفتش ضرائب عام 2007. التحق باسيرو بالإدارة العامة للضرائب وبدأ مسيرته المهنية التي قادته للتعرف على عثمان سونكو، الذي سبقه للعمل في إدارة الضرائب بعدة سنوات. كما أصبح عضواً في نقابة الوكلاء الضريبيين والماليين، وهي هيئة أسسها سونكو وكان لها دور مهم في كشف التجاوزات وسوء التسيير في السنغال، فتوطدت العلاقات بينهما.

السنغال انتخابات
فوز فاي رسخ الديمقراطية في السنغال/ shutterstock

وشغل فاي منصب الأمين العام لحزب "الوطنيون من أجل العمل والأخلاق والأخوة" (باستيف)، الذي يقوده زعيم المعارضة عثمان سونكو، والذي حل ثالثاً في الانتخابات الرئاسية عام 2019، قبل أن يُحل الحزب ويُعتقل رئيسه ثم أمينه العام.

ومن داخل السجن، ترشح باسيرو وسونكو مستقلين لرئاسيات 2024 فيما اعتبره متابعون مناورة من الحزب المنحل وتحسباً لمنع رئيسه من الترشح. ففي يوم 14 أبريل/نيسان 2023 اعتقلت قوات الأمن السنغالية باسيرو، ووجهت إليه المحكمة تهم إهانة العدالة والمساس بالأمن العام والتحريض على التمرد، إثر تصريحات أدلى بها عقب اعتقال زميله ورئيس حزبه عثمان سونكو.

ورغم هذه التهم، فإن ديوماي فاي لم يخضع للمحاكمة ولم يصدر ضده أي حكم قضائي، مما أبقى لدى الحزب المعارض ورقة للمناورة عبر ترشيحه، حتى وإن كان هو الآخر يقبع في السجن.

وبالفعل غاب رئيس الحزب السجين عثمان سونكو عن قائمة مرشحي الرئاسة التي أعلنها المجلس الدستوري يوم 13 يناير/كانون الثاني 2024، وكان سابقاً أبرز المرشحين المؤهلين لمنافسة المرشح المدعوم من الرئيس ماكي سال، بينما ضمت القائمة صديقه باسيرو.

علاقة السنغال وفرنسا

خلال الحملة الانتخابية القصيرة، وعد باسيرو ناخبيه بـ"إعادة تأسيس" السنغال من خلال "تعزيز السيادة الوطنية والحرب على الفساد ومراجعة اتفاقيات الدفاع والصيد، وإعادة التفاوض في عقود الغاز مع شركات استغلال الحقول المكتشفة حديثاً على الحدود مع موريتانيا".

كما شمل برنامجه الانتخابي وعداً بسك عملة وطنية لتحل محل الفرنك الأفريقي، الذي يعده إرثاً استعمارياً يكبل الاقتصاد. ويقترح الرئيس السنغالي المنتخب عملة جديدة لدول المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) بدل الفرنك، بالإضافة إلى تشجيع الاستثمار وتطوير البنى التحتية في مجالات المواصلات والكهرباء وغيرها.

لكن بعد ظهور النتائج، سعى فاي إلى طمأنة دول الإقليم والشركاء الدوليين على حد سواء، كما كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول مسؤول رفيع المستوى يوجه التهنئة للرئيس السنغالي المنتخب.

ويرى كثير من المراقبين أن هذه الانتخابات تمثل نهاية محتملة لنظام أتى بسياسات مؤيدة للاستثمار في بلد سيصبح أحدث منتج للنفط والغاز في القارة الأفريقية؛ لكنه أخفق في الحد من الصعوبات الاقتصادية وأثار الاضطرابات في واحدة من أكثر الديمقراطيات استقراراً في منطقة غرب أفريقيا التي شهدت العديد من الانقلابات.

ماكرون
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون/رويترز

ماكي سال، الذي انتخب للمرة الأولى في 2012، سيترك المنصب بعد تدني التأييد له في أعقاب سعيه لتأجيل الانتخابات إلى ديسمبر/كانون الأول وكانت مقررة في البداية في 25 فبراير/شباط. وأججت الخطوة اضطرابات ومخاوف من هيمنة الدكتاتورية في البلاد مما دفع المجلس الدستوري للحكم لإجراء التصويت وعدم تمديد ولاية سال لما بعد الثاني من أبريل/نيسان.

وهنأ مرشح الحزب الحاكم "با" والرئيس ماكي سال فاي، الذي أتم 44 عاماً يوم الإثنين 25 مارس/آذار. وأشادوا بالنتيجة باعتبارها انتصاراً للسنغال التي تضررت سمعتها كواحدة من أكثر الديمقراطيات استقراراً في غرب أفريقيا عندما أجل سال الانتخابات.

السنغال واحة الديمقراطية في أفريقيا

تقع السنغال في غرب أفريقيا، وهي عضو في الاتحاد الاقتصادي لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، وكانت مستعمرة فرنسية نالت استقلالها عام 1960، وتبلغ مساحتها أقل من 200 ألف كم مربع وعدد سكانها نحو 14 مليون نسمة.

لكن على عكس مستعمرات فرنسا السابقة في القارة السمراء، تمتعت السنغال تاريخياً منذ الاستقلال بالتداول السلمي للسلطة وغابت عنها الانقلابات العسكرية، وذلك على الرغم من وجود تمرد مسلح في إقليم كازامونس الجنوبي، الذي يسعى سكانه إلى الانفصال عن البلاد.

ويتركز اقتصاد السنغال في الغالب على السلع والموارد الطبيعية، ومن أهم الصناعات تجهيز الأسماك؛ حيث تتمتع البلاد بشواطئ ممتدة على المحيط الأطلنطي من جهة الغرب. كما توجد بها صناعات مرتبطة بتعدين الفوسفات وإنتاج الأسمدة وتكرير البترول ومواد البناء، وبناء السفن وإصلاحها. لكن تظل الزراعة هي القطاع الرئيسي، وتنتج السنغال العديد من المحاصيل النقدية الهامة؛ منها الفول السوداني وقصب السكر والقطن وغيرها. ونظراً للاستقرار النسبي الذي تتمتع به السنغال، تمثل السياحة أيضاً مصدراً من مصادر الدخل.

اللغة الرسمية للسنغال هي الفرنسية، على الرغم من أن غالبية السكان لا يتحدثون بها، وهناك أكثر من 36 لغة يتحدث بها السنغاليون، منها اللغة العربية. الإسلام هو ديانة الغالبية الساحقة من السنغاليين (أكثر من 95%) وأقل من 5% هم مسيحيون. لكن الدستور السنغالي ينص على أنها دولة علمانية.

رئيس السنغال وتعديل الدستور

ينص الدستور السنغالي على أن الرئيس لا يحق له البقاء في السلطة لأكثر من فترتين رئاسيتين، وكانت مدة الفترة الرئاسية 7 سنوات، واستمر ذلك حتى عام 2001 حينما تم تعديل المدة لتصبح 5 سنوات. حدث ذلك خلال فترة حكم الرئيس عبد الله واد. لكن عام 2008، تم تعديل الدستور مرة أخرى لتصبح فترة الرئاسة 7 سنوات مرة أخرى.

تولى الرئيس الذي لم يترشح لانتخابات 2024، ماكي سال، السلطة في انتخابات عام 2012 خلفاً لعبد الله واد، ثم أعيد انتخابه لفترة رئاسية ثانية عام 2019، لكن هذه المرة شهدت البلاد تعديلاً جديداً للدستور أعاد مدة الفترة الرئاسية إلى 5 سنوات بدلاً من 7.

هذا التعديل الدستوري الأخير تم اعتماده عام 2016، وشمل مقترحات عديدة؛ منها الاعتراف الدستوري بزعيم المعارضة في البلاد وتعزيز صلاحيات السلطات المحلية في الأقاليم، إضافة إلى تقصير مدة الرئاسة إلى 5 سنوات بدلاً من سبع. وقتها كان الرئيس ماكي سال يقضي فترته الرئاسية الأولى وعارض بشدة هذا التعديل، إلا أنه توصل لاتفاق مع البرلمان ألا يتم تطبيقه على فترته الرئاسية الأولى.

السنغال مالي الرئيس السنغالي
الرئيس السنغالي المنتهية ولايته ماكي سال/ رويترز

وهكذا أصبح التعديل سارياً بعد انتهاء فترة ماكي الأولى عام 2019. انتخب ماكي لفترة رئاسية ثانية تنتهي مطلع أبريل/نيسان 2024، لكن تلك الانتخابات أفرزت وجوهاً معارضة، أبرزها المعارض الشاب عثمان سونكو، الذي حل ثالثاً في انتخابات 2019 وحصل على 19% من أصوات الناخبين.

هل كان من حق سال الترشح لفترة ثالثة؟

أصبح بقاء سال في السلطة بعد انتهاء ولايته الثانية، مارس/آذار 2024، أو ترشحه لولاية ثالثة، مسألة خلافية بشدة في المشهد السياسي السنغالي خلال العامين الماضيين وشهدت البلاد موجة من العنف.

إذ أثار الحكم على سونكو بالسجن، أسوأ اضطرابات تشهدها السنغال منذ سنوات، أسفرت عن مقتل 16 شخصاً على الأقل حسب السلطات، و23 شخصاً حسب منظمة العفو الدولية غير الحكومية، و26 شخصاً كما تقول المعارضة. فقد رفض سونكو، الذي اعتبر محاكمته مؤامرة، حضور جلساتها.

وفرضت عليه قوات الأمن البقاء في منزله في داكار؛ حيث يعتبر نفسه "محتجزاً"، وذلك منذ أواخر مايو/أيار 2022، وبرر وزير الداخلية أنطوان ديومي "القيود" المفروضة على سونكو بدعواته إلى "المقاومة".

وقال ديومي إن "أي شخص يقف ليقول إنه سيشكل قافلة (موكب) وإنه سينظم تجمعات من دون إعلان (مسبق)… ونرى قتلى، هل نسمح له بالتجول في جميع أنحاء السنغال وبتنظيم تجمعات ونحصي القتلى بعد ذلك؟".

هذه الاحتجاجات أجّجتها التكهنات بشأن موقف ماكي سال من الترشح لولاية رئاسية ثالثة، في ظل رفض الرئيس حسم موقفه من السعي للفوز بفترة رئاسية ثالثة، مبرراً ذلك بأن ولايته الثانية (من 2019 إلى 2024) تعتبر الولاية الأولى في ظل التعديلات الدستورية التي تم إقرارها عام 2016 بتقصير الفترة الرئاسية من 7 إلى 5 سنوات.

وتزامنت هذه التكهنات مع إجراءات تضييق بحق زعماء المعارضة في البلاد، خاصة عثمان سونكو، الذي ينتمي إلى إقليم كازامانوس الانفصالي. فقد تم توجيه اتهامات لسونكو بالاغتصاب والسب والقذف بحق وزير السياحة في البلاد، وتم الحكم عليه بالسجن في القضية الأخيرة، وهو ما نددت به المعارضة واعتبرته اضطهاداً سياسياً من جانب النظام بحق أحد قادة المعارضة.

ومع ازدياد حدة الاحتجاجات المعارضة لماكي، ألقى الرئيس خطاباً عبر التليفزيون الرسمي، في مارس/آذار 2023، نافياً فيه نيته الترشح لفترة رئاسية جديدة في عام 2024، لينهي التكهنات بأنه سيسعى للفوز بولاية ثالثة. وقال سال: "السنغال تتجاوز شخصي، وهي مليئة بالقادة القادرين على دفع البلاد نحو النهوض. كان هناك الكثير من التكهنات بشأن ترشحي لهذه الانتخابات… ركزت أولوياتي قبل كل شيء على إدارة بلد وفريق حكومي متماسكين، والتزمت بالعمل من أجل النهوض، لا سيما في سياق اجتماعي-اقتصادي صعب".

وأكد الرئيس السنغالي: "ضميري وذاكرتي مرتاحان لما قلته، كتبته وكررته، هنا وفي الخارج، أن ولاية 2019 كانت ولايتي الثانية والأخيرة".

ما سبب تأجيل الانتخابات الرئاسية؟

كان من المفترض أن تهدأ الأوضاع في السنغال بعد هذا التعهد من الرئيس سال بألا يسعى للفوز بولاية ثالثة، لكن إعلان سال، مساء السبت 3 فبراير/شباط، أن الانتخابات الرئاسية سيتم تأجيلها إلى موعد غير محدد، معللاً قراره بوجود خلاف على قائمة المرشحين للرئاسة، وصف بأنه "انقلاب مؤسسي".

كان سال قد برر قرار التأجيل بوجود نزاع بين المجلس الدستوري والجمعية الوطنية (البرلمان) بعد المصادقة النهائية من قبل المحكمة على 20 ترشيحاً وإلغاء عشرات الترشيحات الأخرى. وبمبادرة من كريم واد، المرشح الذي شكك في نزاهة قاضيين دستوريين وطالب بتأجيل الانتخابات، وافقت الجمعية على تشكيل لجنة تحقيق في شروط المصادقة على الترشيحات.

وخلافاً للتوقعات، أيّد نواب المعسكر الرئاسي الخطوة. واندلعت أزمة حول فصل السلطات، لكنها غذت أيضاً الشكوك حول خطة الحكومة لتأجيل الانتخابات الرئاسية وتجنب الهزيمة، في ظل عدم وجود توافق حول مرشح المعسكر الرئاسي رئيس الوزراء أمادو با، داخل صفوفه ويواجه منشقين.

لكن في النهاية نجحت المعارضة والشعب في إجبار الرئيس وحزبه الحاكم على الامتثال وعدم هدم أركان الدولة الوحيدة التي لا تزال خالية من الانقلابات وتمثل واحة الديمقراطية في منطقة غرب أفريقيا.

تحميل المزيد